تاريخ النشر ٢٠/٠١/٢٠١٠

شؤون اسرائيلية

حذار من مصيدة ويسكونسين

اسماء اغبارية-زحالقة

تأييد نتنياهو لخطّة ويسكونسين لا يدل على نجاحها. ويسكونسين هي جزء من أيديولوجية أساسها تعزيز القطاع الخاصّ وضرب بالعمل المنظّم وتخفيض أجور العمّال.

اسماء اغبارية زحالقة مع عاطلون عن العمل في القدس

النقاش الحادّ الذي يدور حول مستقبل خطّة ويسكونسين، سيتواصل لأربعة أشهر أخرى على الأقلّ: رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ألقى بكلّ ثقله لتمديد المشروع حتى نهاية نيسان (أبريل القادم) إلى أن تحسم لجنة العمل والرفاه التابعة للكنيست في مستقبل هذه الخطّة.

خطة ويسكونسين المسمّاة اليوم "أوروت لتعسوكا" (منارات للتشغيل) هي عبارة عن مشروع تجريبي يهدف الى خصخصة جزئية لمصلحة الاستخدام، ونقل المسؤولية عن العاطلين عن العمل الذين يتقاضون مخصصات ضمان الدخل من مصلحة الاستخدام الى شركات خاصة لتتولى ايجاد اماكن عمل لهم. بدأ تطبيق الخطة في آب 2005 وكان المفروض ان تنتهي في كانون اول 2009، على ان يتم القرار بشأن تعميمها على كامل الدولة في حالة النجاح، او إعلان فشلها.

كما تبين لم تنجح الخطة في اخراج العاطلين عن العمل من دائرة الفقر ولا في الحصول على اماكن عمل ملائمة لمعظمهم. نسبة كبيرة من الوظائف هي جزئية؛ العمل يتم عن طريق مقاول أو شركة للقوى البشرية التي تمتص عمولات باهظة من العمال؛ وتبين ان معدل الاجور لكل الذين عملوا عن طريق الخطة بلغ 2800 شيقل شهريًا (أقلّ من الأجر الأدنى، 3858 شيقل). والواقع انه للعمل بظروف كهذه، لا حاجة لخطة مثل ويسكونسين. لا حاجة لأنّ هذا هو حال سوق العمل الإسرائيلية، ومَن يوافق على العمل بهذه الشروط يجد عملاً وفيرًا دون وساطة ويسكونسين.

ولكن بالذات لأن هذه هي حال السوق ولأن أحدًا لن يختار بمحض إرادته العمل بمثل هذه الشروط، سعت الحكومة لاستيراد خطّة من خارج البلاد، لإجبار العاطلين عن العمل على العمل بنفس الشروط المهينة، وذلك تحت التهديد بسلبهم مخصّصات ضمان الدخل.

تتباهى شركات ويسكونسين بأنّها نجحت في إيجاد عمل ل18 ألف عاطل عن العمل من المشاركين في البرنامج. في زيارتي إلى مراكز الخطّة المختلفة التقيت بهؤلاء العاطلين عن العمل الذين تتّهمهم الدولة بالكسل وبالمسؤولية عن بطالتهم وفقرهم. قلة قليلة جدا وجدت مكان عمل جيد بواسطة هذه الشركات، أما الاغلبية فتعمل بوظائف جزئية ولمدة قصيرة، تعترف المديرية الحكومية المسؤولة عن خطة ويسكونسين، بأنها بالمعدل لا تتعدى السبعة أشهر.

مصيدة ويسكونسين

م. أ من القدس الشرقية أُرسلت من قبل شركة "أمين"، منفّذة خطّة ويسكونسين في القدس، مع 12 سيدة اخرى عاطلة عن العمل للعمل في مصنع أسماك في المنطقة الصناعية عطروت. توجّب عليها الوقوف من الساعة السابعة صباحًا وحتّى الرابعة بعد الظهر، ستّة أيّام في الأسبوع، مقابل 3000 شيقل في الشهر فقط، وهذا يشمل السفريات، أي اقل من الحد الادنى للاجور. جميع العاملات الجديدات "هربنَ" من المصنع بعد أسبوع واحد. حتّى التهديد بسلبهنّ مخصّصات البطالة لم ينجح في إجبارهنّ على البقاء في مصنع الأسماك حتّى سنّ التقاعد.

قصّة م. أ تكشف لنا الوجه البشع للخطة. مؤيّدو الخطّة يرفعون شعارات مثل "العمل كرامة" أو "أيّ عمل أفضل من المخصّصات الضئيلة"، ولكن الواقع المرّ في كثير من الحالات هو أنّ العمل المقترَح هو بشروط سيئة، وهو يُفرَض فرضا على العاطل عن العمل الذي يضطرّ للعمل بسبب خوفه من تهديد الشركات بسلبه مخصّصاته في حال رفض العمل. الأشخاص الذين يُرسلون للعمل بهذه الشروط، لا حافز لهم للنهوض كل صباح والذهاب إلى مكان عملهم، الأمر الذي يؤدّي في نهاية الأمر إلى تركهم مكان العمل، والعودة إلى جهاز ويسكونسين مما يُديم تبعيتهم للتأمين الوطني.

قصّة س. ح هي الأخرى من القدس الشرقية، تُكمِل الصورة وتوضّح كيف تعمل الخطة. تتردّد س. ح على شركة "أمين" منذ أربع سنوات، ومن ضمن الأعمال التي أُرسلت إليها، شركات قوى بشرية مختلفة كانت تفصلها كلّ عدّة أشهر، تعود بعدها إلى شركة ويسكونسين، ليتم مرة اخرى استيعابها للعمل في نفس المكان. بفصل العمال قبل إتمامهم تسعة اشهر في نفس مكان العمل، تتجاوز شركات القوى البشرية التعديل الجديد في قانون شركات القوى البشرية، الذي يحدّد أنّ العامل الذي عمل في نفس مكان العمل أكثر من تسعة أشهر، يصبح تلقائيا عاملا مع كل الحقوق لدى الشركة الأم، أي الشركة الرئيسية التي تتعامل مع شركة القوى البشرية.

من هذه الطريقة تستفيد أربع جهات أساسية: هي الدولة، التي توفّر مخصّصات البطالة، شركة القوى البشرية، التي لا ترغب في خسارة هؤلاء العمّال الخاضعين للاستغلال، الشركة الأم التي لا ترغب في استيعاب العامل بصورة مباشرة ومنحه جميع حقوقه، شركة ويسكونسين المعنية بمواصلة تدفق الهبات المالية من الحكومة عن كل تعيين لعاطل عن العمل في مكان عمل ما، حتى لو استمرّ هذا التعيين أشهر قليلة.

الجميع يجنون أرباحًا، ما عدا العاطل عن العمل الذي يبقى الخاسر الأكبر. في "بيت العاطلين عن العمل" التابع لويسكونسين هناك أمر واحد مؤكّد - العاطل عن العمل يبقى طوال حياته مرتبطًا بجهاز التأمين الوطني. وسواء عمل أم لم يعمل- لن ينجح في الخروج من دائرة الفقر.

المليارات التي تنوي الدولة إنفاقها لتوسيع خطة ويسكونسين، كان بالامكان استثمارها في خطّة بديلة لمعالجة سوق العمل بشكل جذري. تستطيع الحكومة مثلاً، تبنّي سياسة الإدارة الأمريكية لإنقاذ المصانع التي أغلقت أبوابها، من خلال تأميمها؛ بإمكانها وقف استيراد العمّال الأجانب وحظر تشغيل العمال عن طريق شركات القوى البشرية وتوفير الموارد اللازمة للتأهيل المهني- بهذه الطريقة يمكن خلق أماكن عمل تضمن للناس الحصول على أجرهم بكرامة والتحرّر من التأمين الوطني. هذا السيناريو سيلغي بالطبع الحاجة الى خطّة ويسكونسين.

لكن ليس هذا ما اختارته حكومة إسرائيل. تأييد نتنياهو للخطّة لا يشهد على نجاحها أو على رغبته في مكافحة البطالة. ويسكونسين هي جزء من رؤية وأيديولوجية وسياسة اقتصادية أساسها تعزيز القطاع الخاصّ وضرب العمل المنظّم وتخفيض أجر العمّال.

خطّة ويسكونسين مفيدة لوزارة المالية، لأنّها توفّر للشركات الخاصّة مصدرًا للأرباح الطائلة وتحرّر الدولة من المسؤولية عن العاطلين عن العمل.

نُشر بالعبرية في Ynet : 7/1/2010

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__346
22.11.2017, 22:11