تاريخ النشر ٢٠/٠١/٢٠١٠

شؤون فلسطينية

ابو مازن مصر على موقفه

يعقوب بن افرات

الوسيط الأمريكي جورج ميتشيل في طريقة مرّة أخرى إلى الشرق الأوسط، في محاولة لتحريك المفاوضات السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، المتوقّفة منذ انتخاب نتنياهو رئيسًا للحكومة قبل سنة. يحاول ميتشيل إستغلال طرف الخيط الذي قدّمه نتنياهو بعد إعلانه عن تجميد بناء المستوطنات لعشرة أشهر، وذلك استجابةً لطلب أمريكي بتجميد المستوطنات كشرط لتجديد المفاوضات. يذكر ان رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن تبنى هذا الشرط بعد 16 سنة من المحادثات استغلّتها إسرائيل للبناء المكثّف في المستوطنات على نحو غيّر بصورة جوهرية الخارطة الديمغرافية في الضفّة الغربية.

إعلان نتنياهو حول تجميد المستوطنات كان منقوصا وترك الكثير من الشكوك في صدق نواياه. حسب ادّعاء أبو مازن، التجميد لا يشمل شرقي القدس، ولذلك الموافقة على البدء بالمفاوضات في الوضع الراهن تعني الاعتراف بضمّ إسرائيل لشرقي المدينة. الكثير من أصابع الاتّهام عن هذا المأزق وُجّهت نحو الرئيس الامريكي، باراك أوباما، الذي حدّد السقف العالي بتجميد المستوطنات كشرط لتجديد المفاوضات، وأدخل أبو مازن في مأزق من الصعب الخروج منه. لأنّه إذا كان الأمريكيون أنفسهم يطالبون بالتجميد المطلق للمستوطنات فكيف للفلسطينيين أن يكتفوا بأقلّ من ذلك؟

في هذه الأثناء، وبعد عدّة جولات من العراك الدبلوماسي بين امريكا وإسرائيل، تراجع الأمريكيون عن موقفهم ليكتفوا بإعلان نتنياهو الأخير، وراحوا يجتهدون لإقناع أبو مازن بتبني موقفهم الجديد. إلاّ أنّ أبو مازن مُصِرّ على موقفه، ويعلن من كلّ منبر أنّه لا ينوي الدخول في المفاوضات طالما لا يشمل التجميد شرقي القدس.

لحلّ المشكلة، سافر نتنياهو إلى القاهرة للقاء الرئيس المصري مبارك، وعاد متفائلاً. المصريون من جهتهم أرسلوا وزير خارجيتهم، احمد ابو الغيط، والوزير المسؤول عن المخابرات، عمر سليمان، إلى واشنطن لتنسيق الخطوة مع الأمريكيين. وزير الخارجية السعودي أيضًا قام بزيارة إلى دمشق والتقى الرئيس بشّار الأسد، والتقى أيضًا مبارك في حين احتلّت القضية الفلسطينية جانبًا مركزيًا من المباحثات. لكن رغم كلّ هذه المحاولات يواصل أبو مازن إعلان شكره على هذه المساعي والتأكيد بأن موقفه لم يتغيّر.

أبو مازن ضدّ حماس

ما الذي يؤدّي بأبو مازن إلى اتّخاذ موقف "الرفض" مع أنّه معروف بأنّه أكثر المعتدلين؟ يمكن إيجاد رمز لموقفه في مقال نشر في الصحيفة السعودية "الشرق الأوسط" في 13 كانون الثاني 2010، تضمّن تقريرًا عن جلسة اللجنة المركزية لفتح التي ترفض الدخول في المفاوضات طالما لم يشمل التجميد شرقي القدس. المثير في المقال هو تحليل الصحيفة لقرار فتح حيث جاء: "يبدو موقف فتح غير مفاجئ، خاصة أن الجانب الإسرائيلي لم يغير في مواقفه المعلنة شيئا، وفوق ذلك ترى فتح أنها اكتسبت كثيرا من المصداقية والجماهيرية بموقفها الرافض العودة إلى المفاوضات".

يكشف نفس المقال أيضًا أمرًا آخر بشأن قرار اللجنة المركزية، وهو العلاقات المتأزّمة بين فتح وحماس، فجاء ان "اللجنة المركزية أدانت الاستفزازات الخطيرة التي تقوم بها حركة حماس عند الحدود بقطاع غزة مع مصر... واتهمت فتح حماس بممارسة جرائم ضد قيادتها وكوادرها في القطاع". بهذا تكون فتح قد ضربت عصفورين بحجر واحد. النقد ليس موجّهًا نحو إسرائيل فقط، وإنّما أيضًا لحماس. عمليًا تحمّل فتح قيادة حماس المسؤولية عن معاناة الفلسطينيين في غزّة. كما استنكر قرار فتح أقوال الشيخ القرضاوي، أكبر المفتين في الإسلام، الذي دعا إلى رجم أبو مازن في مكّة بسبب تأييده للحصار المفروض على غزّة.

هكذا نجح أبو مازن في المناورة بين حماس واليمين الإسرائيلي ووضعهما في وضع غير مريح. فمن جهة كان أعلن أنّه لا ينوي ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة للسلطة الفلسطينية، واتّخذ موقفًا صارمًا من نتنياهو، ويزيد من عزل حماس.

من جهة اخرى، وضع حماس يزداد تعقيدا. فالمفاوضات بشأن الجندي الأسير چلعاد شليط وصلت إلى طريق مسدود، على ضوء الرفض الإسرائيلي قبول طلبات حماس. وفي خطوة تعتبر الاخطر بالنسبة لحماس، تقوم مصر ببناء سور فولاذي لوقف التهريب من سيناء إلى غزّة. وفي هذا الوضع عادت المنظّمات المسلحة في غزّة لتطالب بفكّ الحصار من خلال قصف إسرائيل بالصواريخ.

فوق كلّ هذا، يزداد انتقاد الانظمة العربية لحماس على ضوء علاقاتها بإيران، خاصة بعد تدهور الاوضاع الامنية في اليمن المحاذية والموالية للسعودية بسبب تمرد القبائل الشيعية المدعومة من ايران. في زيارته الأخيرة إلى السعودية سُئل خالد مشعل من قبل وزير الخارجية، سعود الفيصل، أيّ طرف يؤيّد، الطرف العربي أم الطرف الإيراني؟ فردّ مشعل: "لا شكّ أنّ العرب هم العمق الإستراتيجي لحماس".

صحيح أنّ اليمن بعيدة عن إسرائيل، لكنّ للنزاع الدائر بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية علاقة مباشرة بالنزاع الدائر في اليمن التي تحولت إلى قاعدة هامّة لمنظّمة "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية. وهذا ما يقلق الإدارة الأمريكية التي وضعت نصب عينيها محاربة الارهاب وعلى رأسه تنظيم القاعدة تحديدا، وترى في تحريك المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية مفتاحًا لتعزيز مكانتها ومكانة حلفائها "المعتدلين" في المنطقة، وعلى رأسهم النظام المصري والسعودي والأردني.

أوباما في خطّ المواجهة

ولكن طريق أوباما مزروعة بالألغام، فبعد خطابه التاريخي في جامعة القاهرة وإعلانه الحرب على الإسلام المتطرّف، وإرساله 30 ألف جندي اضافي إلى أفغانستان، لا يزال يتلقّى ضربات موجعة. يكفي أن نذكر الجندي الأمريكي من أصل فلسطيني الذي قتل عددًا كبيرًا من الجنود في قاعدة عسكرية بتكساس؛ وقتل ثمانية من عملاء السي. آي. إي. من قبل عميل مزدوج أردني من منظّمة القاعدة في خوست بأفغانستان؛ وبالطبع محاولة المتطرّف النيجيري الذي حصل على الإرشاد في جنوب اليمن، لتفجير طائرة أمريكية في عيد الميلاد. باكستان، أفغانستان، إيران، العراق، الصومال واليمن تحوّلت جميعها إلى ساحات حرب، وتسبّب مشاكل خطيرة للإدارة الأمريكية.

أوباما يشعر بالأرض تحترق تحت قدميه، ولكنّ حلفاءه هم الذين تصليهم النار. فمصر تعاني من هجوم إعلامي شديد، على خلفية تأزم العلاقات مع حماس التي تقوم بالتنسيق مع الإخوان المسلمين المصريين بزعزعة النظام المصري. أما السعودية فتعاني من وجود منظّمة القاعدة على أرضها، وتحاول هزيمة الشيعيين اليمنيين، حلفاء إيران في حدودها الجنوبية. والعراق يواجه مستقبلا غامضا في حال انسحب الأمريكيون منه. في هذه الظروف يتخذ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني بُعدًا جديدًا، ويصبح حله ضروريا لقطع الطريق على تغلغل نفوذ إيران والمنظّمات المتطرّفة الأخرى إلى المنطقة. وللوصول الى هذه النتيجة تمارس امريكا الضغط على أبو مازن كي يضحّي بالمصلحة الفلسطينية من أجل المصلحة الأمريكية والعربية العامّة، الأمر الذي يقلّص مجال مناوراته.

وماذا عن نتنياهو؟

موافقة أبو مازن على تحريك المباحثات من جديد ستضع نتنياهو أمام تحدٍّ جديد. الوقت الذي ضاع هباءً حتّى الآن في مباحثات لم تسفر إلا عن إحباط وخيبة أمل في الجانب الفلسطيني وعن توسيع المستوطنات، لا يدع مجالاً لخيارات كثيرة. إذا كان الهدف من المباحثات المستقبلية إضاعة المزيد من الوقت، فستواجه المنطقة واقعًا أكثر تعقيدًا من الحال الآن. أما إذا قصد نتنياهو التوصّل إلى حلّ فسيضطر غالبا إلى تغيير تركيبة حكومته اليمينية المتطرفة. ولن تقف متاعبه عند هذا الحد، بل سيجد نفسه في مواجهة مع المستوطنين الذين يعلنون أنّ قوانين التوراة فوق قرارات الحكومة. لم يظهر حتّى الآن زعيم في إسرائيل يجرؤ على إخلاء المستوطنين من مناطق الضفّة الغربية، ويساورنا شكّ كبير إذا كان نتنياهو يجرؤ على ذلك. نواياه ليست واضحة، ولكن الأرجح ان سلامة ائتلافه الحكومي أهمّ لديه من السلام في المنطقة.

أبو مازن في وضع لا يقل صعوبة، فقد تعامل مع الإسرائيليين خلال سنوات دون الحصول على مقابل، وهو يعلم أنّ استئناف المفاوضات سيعرّضه للنقد من كلّ الجهات، علما أن إسرائيل لا تعلن بوضوح استعدادها للتوصّل إلى حلّ دائم خلال سنتين. ويعلم أيضًا أنّ حدود الدولة الفلسطينية المقترحة ستكون على اساس حدود 1967 مع تعديلات، لكنّها ستكون دولة منقوصة السيادة وحبيسة وراء الجدار الفاصل. هذه رؤية نتنياهو للدولتين، وهي بعيدة جدًّا عن أحلام الفلسطينيين بإنهاء الاحتلال المستمر منذ أكثر من أربعين سنة.

يطرح المستقبل كثيرًا من الأسئلة: ما الذي سيحدث في غزّة؟ ماذا سيحدث داخل الضفّة الغربية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها؟ وفي الأساس، ماذا سيحدث عندما يعلم الشعب الفلسطيني بأنّ دولته هي مجرّد حكم ذاتي موسّع، مرتبط تماما بإسرائيل؟

الحلّ للفوضى السائدة في المنطقة موجود، لكنّ أوباما لا يعتزم اللجوء اليه. طالما حلفاؤه الفاسدون في المنطقة في سدّة الحكم، ككرزاي الأفغاني ومبارك المصري وعلي عبد الله صالح اليمني وعبد الله السعودي وعبد الله الأردني، سيستمرّ الإسلام المتطرّف في تعزيز مكانته في صفوف الشعوب الفقيرة التي لا تملك القوّة لتغيير حياتها. طالما تواصل امريكا تعزيز مكانة إسرائيل كدولة عظمى تحكم شعبًا آخر، سيستمرّ الإسلام المتطرّف باكتساب قلوب الجماهير الغفيرة، وسيخسر أوباما حربه ضدّ الإرهاب. صحيح أنّ الإسلام المتطرّف يهدّد سلام المنطقة والعالَم، لكنّ من تبنّته وزوّدته بالأسلحة، واليوم تتيح له كلّ الذرائع لمواصلة نهجه، هي أمريكا ذاتها.

بهذه الطريقة لن يحل السلام، ولن يكون بالإمكان الانتصار على الإرهاب.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"أكاذيب متواترة"

عبدالحق
مسيلمة فلسطين
نشر بتاريخ ٠٠.٠٠.٠٠٠٠, -

أبو مازن وكما يعرف الجميع هو عراب أوسلو اللعين، ومنذ 1993 وحتى الساعة وهو يحاول تزيين جنين مشوه، فهو يدافع عن أوسلو وكأنه حرر فلسطين رغم الإجماع الفلسطيني والعربي بل وشبه العالمي أن هذا الإتفاق ولد ميتاً، بل ولد لقيطاً ثم مات منذ أول لحظة عندما كان ثمنه مطاردة وإعتقال وتعذيب كل من قال لا لأوسلو اللعين، وما رشح من فساد رجاله وفساد أولاده وهو النذر اليسير، يؤكد كم أن هذا الرجل كاذب ومخادع لشعبه وكم هو موال للظلم الصهيوني على حساب حقوق شعبنا المظلوم، وعليه فلا يمكن تصديقه كما يستحيل الأخذ بوعد واحد منه في مصلحة شعبنا


www.alsabar-mag.com/ar/article__345/ابو_مازن_مصر_على_موقفه
19.11.2017, 23:11