تاريخ النشر ١٩/١٢/٢٠٠٩

شؤون فلسطينية

ماذا يريد أبو مازن؟

يعقوب بن افرات

ربّما يكون اعتزال أبو مازن مناورة سياسية عبقرية، إذ أنّها تبعد الضغوط عنه وتحوّلها إلى نتانياهو، ولكن في نهاية المطاف تبقى مجرد مناورة عابرة، لأنّ الحقائق على أرض الواقع تشير إلى أنّ الشعب الفلسطيني لا يثق بقياداته ولا يمكن أن يدعم حلاًّ يكرّس الانقسام الداخلي.

منذ إعلان أبو مازن عن عدم نيّته ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية في السلطة الفلسطينية، التي كان من المفترض أن تجري في يناير 2010، ازدادت شعبيته وملأت أخباره عناوين الصحف.

الجولة التي قام بها الرئيس الفلسطيني في مدن الضفّة الغربية، ثم تبعتها جولة في العالم العربي طرق فيها أبواب كلّ العواصم العربية كانت آخرها بيروت، جاءت لتثبت بأنّه مرغوب فيه في كلّ بلد حتّى تلك التي يشارك حزب الله في حكومتها. وقد امتدّت الجولة إلى أمريكا اللاتينية، وحتّى هوغو شافيز حليف أحمدي نجاد وخصم أمريكا، استقبل أبو مازن بالأحضان ودعم مبادرته.

رئيسًا إلى أجل غير مسمّى

يتصرّف أبو مازن اليوم كرجل اعتزل السياسة، يتحدّث كمن لا مصلحة سياسية له، ويبدو ان هذا يعطيه حرّية توجيه الانتقادات الحادّة لحماس وإيران. يذكر ان خطوة الاعتزال جاءت بعد تعرّضه لانتقادات شديدة بسبب مطالبته بتأجيل تقديم تقرير غولدستون لهيئة حقوق الإنسان التابعة للامم المتّحدة في جنيف، وبعد فشل مهمّة المبعوث الأمريكي جورج ميتشل، الذي لم يتمكّن من الحصول على موافقة إسرائيلية على تجميد الاستيطان كشرط لاستئناف المفاوضات. النقد الشديد الذي تعرّض له من الداخل الفلسطيني من جهة والتعنّت الإسرائيلي من جهة أخرى، زعزعا مكانة أبو مازن، فخرج مستسلمًا يقول "كفى".

لا شكّ أنّ استقالة أبو مازن، بالذات في هذه الأوقات الحرجة التي نحن بصددها، أي الانقسام الفلسطيني الداخلي من ناحية والمفاوضات المجمّدة مع إسرائيل من ناحية أخرى، يخلق فراغًا سياسيًا كبيرًا، ذلك لعدم وجود بديل له في الوقت الحالي. من الواضح أنّ الرجل مدرك تمامًا لوضعه الخاصّ، لذا نراه يستغلّ اعتزاله من أجل خوض حملة سياسية واسعة النطاق لتغيير موازين القوى لصالحه، من خلال كسب دعم سياسي داخلي وخارجي في آن واحد. إنّها طريقة غريبة لاعتزال السياسة - يقول "وداعًا" ويواصل البقاء في كرسيّ الرئاسة.

عمليًا سيبقى أبو مازن رئيسًا للسلطة الفلسطينية إلى أجل غير مسمّى، وقد حقّق هدفه هذا دون أن يخوض أيّ معركة دستورية. ففي حين أُطيح برئيس هندوراس من منصبه لأنّه أراد تغيير الدستور والبقاء في الحكم، وفي حين تعرّض شافيز من فنزويلا لهبّة جماهيرية هدّدت حكمه عندما حاول تغيير الدستور، صاحبنا أبو مازن حظي دون مشكلة بمنصبه حتّى الموت بمجرّد إعلانه عن الاعتزال، قال ببساطة "أنا لا أريد شيئًا لنفسي" وحصل على كلّ شيء. وقد قرّر المجلس المركزي الفلسطيني التابع لمنظمّة التحرير إبقاء أبو مازن في منصبه حتّى إجراء الانتخابات دون أن يحدّد موعدًا لها.

أوضح أبو مازن عدم رغبته في الترشيح، ولكنّ الحقيقة أنّه لا يحتاج لموافقة المجلس التشريعي لمواصلة أداء مهمّته الرئاسية، خاصةً منذ تجميد أعمال المجلس في أعقاب اعتقال إسرائيل لأغلبية أعضاء المجلس من حركة حماس. يلجأ أبو مازن لمرجعية أخرى تعتبر أعلى من المجلس التشريعي وهي منظّمة التحرير الفلسطينية، وهذه أيضًا جُمّد نشاطها منذ زمن، بعد أن ألغت ميثاقها الوطني بطلب من شمعون بيرس. ويعتمد أبو مازن على المجلس المركزي التابع للمنظّمة الذي يجتمع عند الضرورة، ويعتبر المرجعية الدستورية للسلطة الفلسطينية. باختصار شديد، قرّر أبو مازن الذي هو من حركة فتح عدم الترشّح للانتخابات، وقرّرت لجنة الانتخابات التابعة هي أيضًا لفتح عدم إمكانية إجراء الانتخابات بسبب معارضة حماس، وجاء المجلس المركزي التابع لفتح هو الآخر، ليمنح أبو مازن "شيكًا مفتوحًا".

الآن يقول أبو مازن إنّه مستعدّ لكلّ مغامرة؛ لا تمارَس عليّ أيّ ضغوط، وبإمكاني التوصّل إلى حلّ مع إسرائيل إذا سنحت الفرصة، وإذا لم أتمكّن فمن بعدي الطوفان. ومنذ ذلك الحين، بدأت الحملة الإعلامية واسعة النطاق من أجل الضغط على حكومة نتنياهو لتجميد الاستيطان والبدء بمفاوضات جدّية. وقد اعتمد أبو مازن على تقرير "محمّد" غولدستون (كما سمّاه أبو مازن)، لزيادة الحصار الدبلوماسي على إسرائيل، من بعده جاء الاقتراح السويدي للاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للفلسطينيين، إضافة إلى الضغط الذي يمارسه أوباما على إسرائيل عندما أوضح لنتنياهو بأنّ لصبره حدودًا.

وقد نتج عن كلّ هذه الضغوط تصريح إسرائيلي مبهم بتجميد الاستيطان لمدّة عشرة أشهر استجابة للطلب الأمريكي وللرئيس أوباما. فالرئيس الامريكي بحاجة إلى تحقيق مكسب سياسي في الشرق الأوسط لتبرير حصوله على جائزة نوبل للسلام من جهة، وللحصول على مساعدة من العالم في الخروج من الورطة الكبيرة التي دخلتها أمريكا في كلّ من العراق وأفغانستان من جهة أخرى.

خريطة أولمرت - أبو مازن

سارع أبو مازن إلى رفض الخطوة الإسرائيلية جملةً وتفصيلاً بحجّة أنّ التجميد لا يشمل القدس المحتلّة. ومنذ ذلك الحين لا يتوقّف أبو مازن عن التوجّه إلى صحيفة هآرتس الإسرائيلية التي أصبحت الناطقة بلسانه، فقد أجرت مقابلة معه نشرتها على الصفحة الأولى في السادس عشر من الشهر الجاري وكان فحواها: توصّلنا مع إسرائيل في عهد أولمرت إلى حلّ مرضٍ للطرفين، وأريد ضمانات من نتنياهو بأن تبدأ المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها في عهد الحكومة السابقة. في اليوم التالي نشرت نفس الجريدة الخريطة التفصيلية التي عرضها أولمرت على أبو مازن، ولكن لم يتمّ تسليمها رسميًا لعدم موافقة الفلسطينيين على الإعلان عن نهاية النزاع مع إسرائيل.

إذًا الحلّ للنزاع أصبح معروفًا، واعتزال أبو مازن ليس سوى رسالة لإسرائيل وأمريكا بأنّه مستعدّ لقبوله، ولكن إذا استمرّت إسرائيل في سياسة التأجيل والتفاوض من أجل التفاوض فقط، فلن يكون شريكًا في هذه اللعبة؛ التهديد الذي تتضمنه الرسالة واضح: إذا غادرتُ الساحة السياسية، فلن تجدوا شخصية فلسطينية تحظى بدعم شعبي يمكنها أن توافق على ما أنا مستعد للموافقة عليه.

من مضمون خريطة أولمرت- أبو مازن، يتبيّن بأنّ ما تطرحه ليس سوى دولة منقوصة السيادة، وتنازل من قبل الفلسطينيين عن المناطق التي أقيمت عليها الكتل الاستيطانية في قلب الضفّة الغربية، والتي تشكّل %6 من مساحتها. هذا هو الحلّ المطروح، وإسرائيل غير مستعدّة لأكثر من ذلك، وكلّ كلام أبو مازن عن حدود 1967 هو ترويج إعلامي، وهو السقف المقبول على أمريكا وكذلك على أوروبا، بما فيها السيد "محمّد" غولدستون.

هذا الحلّ المنتقص لا يحظى بإجماع فلسطيني، فهو سيكرّس الانقسام الداخلي، فلا وجود للسلطة الفلسطينية في غزّة من جهة، ومن جهة أخرى سلطة حماس في غزّة غير شرعية. الحلّ المطروح يبقي الجدار الفاصل حدودًا ثابتة بين إسرائيل والسلطة، الأمر الذي يؤدّي إلى استمرار الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعاني منه مليونا عامل وفلاّح فلسطيني في الضفّة الغربية. يحوّل هذا الحلّ الضفة إلى سجن كبير يعيش من الرشوة الخارجية التي تموّل جهاز الأمن الخاضع للجنرال دايتون وموظّفي السلطة. إنّه عبارة عن وصفة لدولتين فلسطينيتين؛ إحداهما في الضفّة الغربية تحت السيطرة والنفوذ الأمريكي والثانية في غزّة تحت الرعاية الإيرانية. هذا ما يمكن لأبو مازن أن يحقّقه من خلال اعتزاله، وهو بكلمات أخرى ليس اكثر من التسبّب بكارثة جديدة للشعب الفلسطيني. يبدو أنّ مَن بدأ العمل لا بدّ أن ينجزه، فأبو مازن كان من مهندسي كارثة أوسلو، وهو الآن بصدد مواصلة هدم المشروع الفلسطيني.

مناورة عابرة

مع ذلك، هذا الحلّ "السحري" المبني على دولتين يهودية وفلسطينية، والذي سيحقّق حلم أوباما ويبرّر حصوله على جائزة نوبل، لن يرى النور بسهولة. فحسب هذا التصوّر والخريطة المقترحة، سيكون على إسرائيل إخلاء 60 ألف مستوطن من سكّان المستوطنات المعزولة، وهذه مهمّة صعبة للغاية لن يتجرّأ أن يقوم بها أحد من الساسة الإسرائيليين. يتسحق رابين اتّفق مع ياسر عرفات على تأجيل موضوع المستوطنات للحلّ النهائي، ومن بعده تهرّب كلّ رئيس حكومة إسرائيلي من مواجهة المستوطنين خوفًا من حرب أهلية إسرائيلية. أبو مازن يعلم علم اليقين بأنّ الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي، الذي يشمل اليمين المتطرّف، لن يتمكّن وليست له الرغبة في مواجهة المستوطنين الذين من المفروض إخلاؤهم، مهما كانت صيغة الحلّ.

رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من جهته يجري حساباته السياسية الخاصّة، ويتذرّع في تعنّته بعدم وجود شريك فلسطيني بسبب الانقسام الفلسطيني الداخلي. نتنياهو قلق مما يمكن ان يحدث في الضفّة الغربية في حال انسحاب الجيش الإسرائيلي منها ويتساءل من سيضمن له ألاّ يكون مصير الضفّة الغربية كمصير غزّة؟ وهي أسئلة يعجز أبو مازن نفسه عن الإجابة عليها.

ربّما يكون اعتزال أبو مازن مناورة سياسية عبقرية، إذ أنّها تبعد الضغوط عنه وتحوّلها إلى نتانياهو، ولكن في نهاية المطاف تبقى مجرد مناورة عابرة، لأنّ الحقائق على أرض الواقع تشير إلى أنّ الشعب الفلسطيني لا يثق بقياداته ولا يمكن أن يدعم حلاًّ يكرّس الانقسام الداخلي. إذا كان بمقدور أبو مازن الحصول على كامل الأرض المحتلّة، بما فيها القدس وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، لحاز على تقدير عظيم من قبل العالم كلّه. ولكن من يعتمد على أمريكا والجنرال دايتون، ويرأس سلطة تعتمد على المحسوبيات والفساد ويعمّق الانقسام الداخلي، لا يمكن أن يحقّق شيئًا سوى إحلال كارثة جديدة بالشعب الفلسطيني.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__344
20.11.2017, 15:11