شؤون فلسطينية

أبو مازن يُلقي حربته

يعقوب بن افرات

بعد 16 سنة منذ توقيع اتّفاقيات أوسلو توصّل الفلسطينيون إلى استنتاج مفاده أنّه لا جدوى من الاستمرار بالعملية السياسية، ولذلك أعلن أبو مازن أنّه لا ينوي ترشيح نفسه للانتخابات المقبلة لرئاسة السلطة الفلسطينية.

الإسرائيليون من جانبهم يرفضون تصديقه ولا يرون في خطوته هذه أكثر من خدعة ومناورة إعلامية. قبل شهرين فقط، أعلن رئيس الحكومة الفلسطيني، سلام فيّاض، عن برنامجه إقامة دولة فلسطينية خلال سنتين، وها هو رئيسه يقلب الأمور رأسًا على عقب. يبدو أنّ الفلسطينيين لا يعرفون ما يريدونه بالضبط وماذا يخطّطون.

اعلان أبو مازن استقالته هي دون أدنى شكّ تعبير عن عدم ثقة كبير بعملية السلام، لكنّها أكثر من ذلك تعبّر عن خيبة أمله الكبرى من الرئيس الامريكي، براك أوباما، وإدارته. عمليًا الإدارة الأمريكية هي المسؤولة المباشرة عن زعزعة مكانة أبو مازن في نظر الجمهور الفلسطيني. كلّ شيء ابتدأ بخطاب القاهرة في شهر حزيران، الذي التزم فيه أوباما بالعمل من أجل إقامة دولة فلسطينية تتمتّع بتواصل جغرافي، وطالب نتنياهو بوضوح بتجميد الاستيطان، وعمليًا انتهى الأمر بإعلان وزيرة خارجيته، هيلاري كلينتون، بأنّ نتنياهو "قام بتنازلات غير مسبوقة في مسألة المستوطنات".

إعلان هيلاري كلينتون كان كالقشّة التي كسرت ظهر البعير، فقد جاء بعد سلسلة من الإذلالات المتواصلة التي تلقّاها أبو مازن الذي أمل بأن يفي الأمريكيون بوعدهم. على ضوء موقف الولايات المتّحدة الأمريكية في مسألة المستوطنات، اشترط أبو مازن استئناف المفاوضات مع حكومة نتنياهو بتجميد مطلق للمستوطنات. لكن أثناء اجتماع مؤتمر الأمم المتّحدة الاقتصادي في أيلول، اضطرّته حكومة أوباما إلى الجلوس مع نتنياهو في لقاء ثلاثي ضمّ أوباما نفسه، والذي باستثناء مصافحة اليدين الفاترة، لم ينتج عنه أيّ إنجاز. بعد ذلك طالبه الأمريكيون بأن يؤجّل النقاش حول تقرير چولدستون في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتّحدة في جنيف، الأمر الذي أثار الرأي العامّ الفلسطيني وزوّد حماس بذخيرة دعائية من الدرجة الأولى ضد ابو مازن. وإذا لم يكن ذلك كافيًا، جاءت كلينتون بإعلانها الذي يثني على نتنياهو وطالبت أبو مازن بالدخول في مفاوضات مع إسرائيل "دون شروط مسبقة".

لذلك من الواضح أنّ استقالة أبو مازن تشكّل وسيلة ضغط جاءت لتمرير رسالة لجميع الأطراف المعنية مفادها - أنّ اللعبة انتهت، وان 16 سنة من عملية بلا نتائج تُذكر، يجب أن تنتهي فورًا، لا أودّ مواجهة الإسرائيليين والأمريكيين، لن أستسلم لطلباتهم، ولذلك أُعلن عن انسحابي من اللعبة. هكذا يضع أبو مازن جميع الأطراف أمام حقيقة مطلقة، السلطة بشكلها الحالي أنهت دورها، إمّا أن تتحوّل إلى دولة مستقلّة أو ان تحل نفسهاّ، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمّل المسؤولية عن المناطق المحتلة أو على إسرائيل إعادة فرض الحكم العسكري عليها. التعايش الغريب بين الاحتلال والسلطة وعملية السلام التي يتم باسمها توسيع المستوطنات مع الوعد بإقامة دولة فلسطينية، وصل إلى نهايته.

يبدو أنّ البيت الأبيض استوعب الرسالة جيّدًا، وانعكس ذلك في الاستقبال الفاتر لنتنياهو في زيارته الأخيرة إلى واشنطن. رفض أوباما أن يأذن باللقاء حتّى اللحظة الأخيرة، ولا شكّ أنّ أوباما في اللقاء الثنائي بينه وبين نتنياهو قد وضّح لنتنياهو مَن الرئيس. ظهور نتنياهو المتغطرس في وسائل الإعلام في كلّ مرّة يدحض مناشدات الأمريكيين ومحاولات المبعوث الخاصّ، جورج ميتشل، انتهى بالإذلال غير المسبوق الذي لاقاه عندما رفض البيت الأبيض التقاط صور للّقاء، وكذلك رفض الظهور مع نتنياهو في مؤتمر صحفي ومطالبته بعدم تسريب مضمون الحديث. وبالإضافة إلى ذلك لم يقدّم نتنياهو شيئًا حقيقيًا يتيح استئناف المفاوضات.

لا ائتلاف دون اليمين

نتنياهو ليس مذنبًا، الأمر وما فيه أنّه وصل إلى كرسيّ رئيس الحكومة مرّة ثانية بعد 16 سنة حوّلت اتّفاقيات أوسلو الى مجرد ذكريات مريرة وتجربة فاشلة. في فترة حكمه الأولى سنة 1996 فعل نتنياهو كلّ شيء لتقويض اتّفاقيات أوسلو. الاتّفاقيات المختلفة حول الانسحابات ومراحلها، والنسب المئوية من الأراضي التي سيتمّ الانسحاب منها بما في ذلك تقسيم الخليل، وحادثة نفق حائط المبكى، كلّ هذه وضعت حدًّا لاجواء التفاؤل الوهمية التي سادت البلاد أيّام حكم يتسحاق رابين. وكان نتنياهو قد شارك بنفسه في تلك المظاهرات وبالتالي ساهم في اجواء التحريض التي أدّت في نهاية الأمر إلى اغتيال رابين.
حكومات براك وشارون وأولمرت، ضيّعت وقتًا ثمينًا، ضربت بشدة مصداقية السلطة الفلسطينية، وسّعت المستوطنات، أقامت جدار الفصل العنصري، وأتاحت بذلك تسلّم حركة حماس مقاليد الحكم، ثم قاتلوها وفرضوا عليها الحصار وشنوا على غزة حربا مدمّرة. كلّ هذه الأعمال معًا أوجدت الوضع الراهن، وكان من نصيب نتنياهو اتّخاذ قرار بشأن إنهاء هذا الصراع ومواجهة النتيجة الحتمية، وهي تفكّك السلطة الفلسطينية.

نتنياهو في مشكلة، فهو يرأس ائتلافًا حكوميًا يمينيًا، والسؤال كيف سينجح في تحقيق جميع التنازلات المطلوبة: تفكيك المستوطنات وتقسيم القدس واتّفاق في مسألة اللاجئين، وفي ذات الوقت إبقاء شاس وليبرمان في الحكومة؟ كيف سينجح في المحافظة على الليكود موحّدًا مع بيني بيچين وموشيه بوچي يعلون؟

يتضح ان المشكلة أصعب من ذلك بكثير. ففي اسرائيل اليوم ليست هناك أمكانية لتأليف حكومة أخرى دون الأحزاب اليمينية. حزب كديما أيضًا، الذي يتواجد اليوم في المعارضة، ضيّع وقتًا ثمينًا، ولم يكن على استعداد لتقديم أيّ التزام مكتوب لأبو مازن خوفًا من حزب شاس وليبرمان. ما يبعث على السخرية أنّ حزب اليهود الشرقيين وحزب الروس يقرّران مصير إسرائيل، إنّهم فئة يمينية مغسولة الدماغ بتأثير تحريض الليكود، بما فيه أعضاء كديما اليوم، ضدّ اليسار والعرب.

الاستقالة وحماس

الخطوة التي أعلنها أبو مازن تضع حماس في وضع حرج، ماذا ستكون مكانة الحكومة الفلسطينية في غزّة ومطالبتها بالاعتراف بها كحكومة شرعية؟ استغلّت حماس اتّفاقيات أوسلو للوصول إلى الحكم. لكنّها في الوقت نفسه فعلت ما بوسعها لزعزعة مكانة أبو مازن وتقويض الاتّفاقيات. في حالة انهيار السلطة، ماذا سيكون مصير قطاع غزّة؟ هل ستقيم حماس سلطة بديلة أم ستعود تنظيمًا سرّيًا وتترك وراءها أرضًا محروقة؟

وجود السلطة ملائم للغاية بالنسبة لحماس؛ من جهة يمكن التنظّم ضمن حزب داخل البرلمان، ومن جهة أخرى يمكن معارضة الاتّفاقيات التي انتخب البرلمان على اساسها. عمليًا حركة فتح برئاسة أبو مازن وحركة حماس سبّبتا ضررا كبيرا للسلطة، ووفّرتا لإسرائيل كلّ المبرّرات للادعاء بعدم وجود شريك حقيقي يمكن التوصّل معه إلى اتّفاق.

في نهاية الأمر يبقى سؤال مفتوح، وهو لماذا احتاجت السلطة كل هذا الوقت؟ لماذا استدعى الامر كلّ الضحايا والحصار وجدار الفصل والمستوطنات والحواجز والبطالة والحرب الأهلية الداخلية ودمار غزّة، للتوصّل إلى الاستنتاج المفهوم ضمنًا، وهو أنّه لا حقّ لوجود السلطة الفلسطينية. لماذا استغرق كلّ هذا الوقت لإدراك أنّ اتّفاقيات أوسلو لن تؤدّي إلى دولة وإنّما تكرّس الاحتلال؟

الاجابة ابسط مما قد نتصور، وهي أنّ هناك في حركة فتح أشخاصًا نعموا بالسلطة. شريحة ضيقة وفاسدة من القيادات ازدادت ثراءً على حساب معاناة الشعب الفلسطيني. لذلك فقدت ثقة الجمهور ووصلت الى نهاية طريقها باستقالة ابو مازن. وعليه، لا مكان للمفاجأة اذا وجدت هذه المرة ايضا المعادلة السحرية التي ستتيح الاستمرار في عملية "السلام". وجود السلطة الفلسطينية ليس حلاًّ سهلا لإسرائيل فحسب، وإنّما هو مصدر للأرباح السهلة لكلّ أولئك الذين يعتاشون من هذا النظام المتعفن الذي يقف على رأسه أبو مازن نفسه.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__341/أبو_مازن_يُلقي_حربته
21.10.2017, 08:10