ثقافة

فيلم "عجمي" شهادة على واقع مرير

اسماء اغبارية-زحالقة

إخراج: اسكندر قبطي ويارون شاني
تمثيل: شهير كبها، يوسف سهواني، ابراهيم فريج، الياس سابا، هلال كبوب، فؤاد حبش، نسرين سكسك، رنين كريم، ابو جورج شبلي.

أيام مرت بعد مشاهدة فيلم "عجمي"، ولا يزال القلب منقبضًا، وإحساس عميق بالموت يحدق بك، تركه المشهد الاخير. وكأن الجريمة وقعت بالفعل، ولهؤلاء الاشخاص بالذات. شخصيات هذا الفيلم لم تكن تقلد الواقع، بل كانت هي الواقع نفسه. واقع العجمي المرير الذي قتلت جماله الجريمة، المخدرات، الصفقات المشبوهة والطائفية.

الفيلم هو من إخراج ابن يافا اسكندر قبطي والشاب الاسرائيلي يارون شاني، وهو ينقل الحياة في حي العجمي بعنفه وضحكاته، بإنسانيته وآلامه. يبدو احيانا كفيلم وثائقي، اذ يمثل فيه اشخاص من اهل الحي (بالاضافة للرملة وكفر قاسم) لا يحترفون التمثيل، وانت تعرف ان بعضهم ألمّ به مصاب بالفعل. وهي نقطة زادت الفيلم مصداقية. بعض الشخصيات أتقن دوره ببراعة، ومنهم يوسف سهواني (ابو الياس) وشهير كبها (عمر) والفتى فؤاد حبش (نصري).

بالنسبة لمن وُلدت وعاشت اكثر من ثلاثة عقود من عمرها في حي العجمي، وتحديدا في الشارع الذي اختير ان يسكن فيه بطل الفيلم، كان الفيلم أحداثا حقيقية، تكاد تكون صورة طبق الاصل. حتى المشهد الاول الذي يُقتل فيه فتى بسبب خطأ في التشخيص، هو قصة شكّلت حياتنا واحزاننا وربما ايضا شخصياتنا نحن سكان الحي، وهو مقتل الشاب احمد غوطي ابن السادسة عشرة، والذي وقع في نفس المكان بالضبط الذي تم فيه تصوير المشهد.

هكذا عشنا على الاقل في العشرين سنة الاخيرة: يُسمع صوت طلقات النار، فتنتفض القلوب، وتذهل العيون، يثب السؤال تلقائيا - وين اخوك؟ فكل واحد مهدد، يفزّ الرجال الى الشارع وأفز انا مع النساء الى قضبان النافذة، ثم ترى السيارة مسرعةً تحمل الشاب المصاب او القتيل. وما هي الا دقائق حتى تمزّق وجوم الليل صيحات الأم الثكلى. ولا يعود احد للنوم. وبيت عزاء يُفتح وتعرف ان آخر سيتبعه عما قريب، ثأرا وانتقاما. وكلهم اطفال في سن العشرين.

في خمسة مقاطع قصيرة يجمع الفيلم بين قصة قتل على خلفية محاولة اخذ خاوة وثأر من بطل الفيلم فقط لانه قريب القاتل؛ جلسات وساطة تكاد تكون خيالية من فرط ما هي حقيقية وقاسية، لتسوية الامر مقابل مبلغ لا يصدق من المال، وفجأة ترى بأم عينيك كيف يتحول الدم الى تجارة مزدهرة. قصة حب ممنوع بين مسلم ومسيحية؛ قصة الضفة وعمالها الذين يأتون للعمل بلا تصاريح في مطاعم البلد، واعتبارهم "عرب الداخل" اسوأ من الجواسيس؛ العلاقات المتوترة بين العرب واليهود من سكان الحي والتي تصل حد القتل، السهل جدا. وهي ايضا قصة حدثت مع الشاب جيل ميتشل ولا يزال "الولد" الذي قتله يقضي احلى سنين عمره في السجن (20 عاما)؛ الشرطة التي "تفيع" في البلد عند كل صغيرة وكبيرة. ثم يظهر الشرطي كانسان له اطفال يعود اليهم كل مساء، وله اخ جندي يقتله العرب في الضفة. عناصر شائكة ومعقدة وكلها تجتمع بتركيبة بارعة ومفاجئة لتقود للنهاية المأساوية.

في البداية بدا موضوع الشرطي ومشكلة فقدان اخيه الجندي غريبا على الفيلم، فما علاقة الامر بموضوع العجمي. تسلسل الامور وخاصة النهاية يظهر تعقيد الواقع السياسي، وتأثير ما يحدث في قرية نائية بالضفة على الاحداث في حي عربي بالداخل.

احد المشاهد المثيرة كانت مع المخرج اسكندر قبطي الذي أدخل نفسه للفيلم، في شخص شاب اسمه "بنج" (اسم رمزي مثير بحد ذاته) يقدم نفسه كشاب وطني، اصدقاؤه من اهل الحي البسطاء، ولكن حلمه هو الهرب من المستنقع، إما من خلال صداقته مع فتاة يهودية ومحاولة الانتقال للعيش في الاحياء اليهودية للمدينة، وإما من خلال الحشيش. ولكن المستنقع يأبى ان يحرره فيجذبه من ملهى ليلي بتل ابيب، ليكتب له نفس النهاية المأساوية.

لعل هذا المشهد بالذات مبالغ به، لغرض الحبكة ربما، ولكن اذا نظرنا للامر على المستوى الرمزي فالرسالة واضحة. لا مهرب من المستنقع والجميع مهدد. من جهة اخرى، تعكس شخصية بنج ازمة شريحة كاملة من هؤلاء الشباب، الذين يتحدثون بالوطنية ولكنهم يائسون من الوضع ويبحثون عن انقاذ جلودهم، وهكذا بدل ان يكونوا هم الحل والامل تحولوا الى جزء من المشكلة.

الفيلم هو عمل سينمائي فني قوي جدا ومقنع سواء من ناحية الاخراج، السيناريو والحبكة وعنصر المفاجأة المذهلة لدرجة الصدمة في النهاية. انه بالفعل يستحق الجوائز العديدة التي حاز عليها سواء المحلية او العالمية، وابرزها جائزة تكريمية (تنويه خاص) من مهرجان كان السينمائي الدولي وجائزة "اوفير" (او الاوسكار) الاسرائيلي.

مرآة

خيّب الفيلم آمال الذين ظنّوا انهم سيرون فيه مدينة يافا كما يذكرونها او كما يريدونها – المركز الحضاري وبيارات البرتقال، ولكنهم وقفوا امام مرآة قاسية بحكمها، صادقة مع كل الاسف، ففضّل بعضهم الانكار. الكثير من الشباب اليافي غضب لان الفيلم "ينشر الغسيل الوسخ" على الملأ. ولكن كيف ننكر ان بلدا ضربه الفقر والبطالة وازمة السكن نتيجة سياسات حكومية معروفة، لا تصبح فيه الجريمة سيدة الموقف ومصدر الرزق البديل كما هو الحال في الكثير من بلدان العالم؟

البعض أخذ على الفيلم انه لم يستهدف السياسات الاسرائيلية التي أدّت الى هذا الوضع. واذا لاحظنا الافلام الفلسطينية باغلبيتها نجدها تضع الاحتلال والعنصرية في مركز الحدث وتتهرب من المواجهة والنقد الذاتي. ولكن، حقيقة ان الوضع متدهور في يافا، وليس في تل ابيب الغنية، هو بحد ذاته لائحة اتهام ضد الممارسات الاسرائيلية ضد العرب. ويشبه هذا وضع الفقر في احياء السود بالولايات المتحدة، والذي يشكل لائحة اتهام ضد نظام الرأسماليين البيض.

فيلم "عجمي" يتهم الحكومة، ولم يكن محض الصدفة ان الفيلم تم بالتعاون بين قبطي ويارون الذي يرى في الوضع بيافا مشكلته هو ايضا وليس مشكلة قبطي وحده. ولكنه لا يعفينا نحن العرب من تحمل المسؤولية عن وضعنا. لذلك في رأيي "عجمي" هو مساهمة فنية واجتماعية نادرة وضرورية لمحاسبة الذات واعادة البناء الاجتماعي.

كلمة اخيرة

يبدو العجمي حلقة دموية مغلقة، بلد يأكل اهله، يقتل الحب والامل بالمستقبل، حتى الفتى نصري الذي كان من الممكن ان يعبر عن الامل بالغد يدفع هو الآخر ثمنا لهذا الواقع. صورة قاتمة، ربما بشكل مبالغ، ولكن هدفها إحداث صدمة وايقاظ النفوس - "افتحوا عيونكم" كما يقول الفتى في النهاية.

رغم سوداوية الواقع، أفضّل ان أرى في الفيلم نفسه نقطة الضوء. أناس قاموا من آلامهم وصنعوا فيلما. وعلى هذا العمل الفني الثقافي الرائع أقول شكرا لاسكندر ويارون وشكرا لكل الشباب الذين اعطوا من عمرهم سنوات لانجاز هذا العمل. شكرا لانهم هم الاثبات ان في العجمي قلوبا من ذهب، شكرا لانهم وضعوا المرآة، علّها تكون حافزا لينفض العجمي عن نفسه غبار الزمن ويقوم من محنته ليكون صرحا ثقافيا وطليعة الفن كما كان يوما، من جديد.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"حقيقه مره"

اسد
ben zadock 2 yaffa
نشر بتاريخ ٢٢.١١.٢٠٠٩, ١٣:٣٨

العنوان هو نحن العربي لم ياخد على عاتقه فشله وعلق اللاسباب بالف جهه لم يكن هو ابدا احاها
كل اللاحترام لك على هادا المقال الصائب والمؤلم


www.alsabar-mag.com/ar/article__339/فيلم_عجمي_شهادة_على_واقع_مرير
21.10.2017, 08:10