تاريخ النشر ١٥/١٠/٢٠٠٩

شؤون اسرائيلية

اكبر شركة اسرائيلية توشك على الافلاس والحكومة لا تستخلص العبر

اساف اديب

اعلان رجل الاعمال ليف لفاييف، صاحب شركة "افريقا اسرائيل" عجز شركته عن تسديد ديونها لصناديق االتقاعد يهدد توفيرات العمال وتأميناتهم. ورغم احتمال ان تعصف الازمة بشركات اخرى، لم تتحرك الحكومة ولا صناديق التقاعد لانقاذ التوفيرات، وهي تفضل التمسك بالنهج الرأسمالي الذي يعمق الفجوات ويزيد الفقر والمآسي.

إعلان مدراء شركة "افريقا اسرائيل" اواخر آب الماضي عن عجز الشركة عن تسديد قيمة سندات الدين التي باعتها للبنوك وشركات التأمين الكبرى، كان مثابة قنبلة في الساحة الاقتصادية الاسرائيلية. فقد جاء هذا الاعلان على خلفية سلسلة من التصريحات لكبار الاقتصاديين الذين زفوا للجمهور خبر خروج اسرائيل من الركود الاقتصادي وبدء ارتفاع نسبة النمو.

شركة "افريقا اسرائيل" هي احدى اكبر الشركات الاسرائيلية وكان رأسمالها قبل الازمة يُقدّر بسبعة مليارات دولار. ويعتبر المساهم الاكبر في الشركة، رجل الاعمال ليف لفاييف، أغنى رجل في البلاد. نتيجة النجاح الباهر الذي حققته الشركة منذ اشتراها لفاييف عام 1996 من بنك ليؤومي مقابل 400 مليون دولار، تحولت اسهمها وسندات الدين التي باعتها الشركة الى مجال مربح للاستثمار. كل البنوك ومكاتب الاستثمار وشركات التأمين وصناديق التقاعد في اسرائيل دون استثناء شاركت بطريقة او باخرى في السنوات الاخيرة في هذه "الحفلة". وكانت "افريقا اسرائيل" تقترح على هذه المؤسسات شراء سندات دين منها واعدةً اياها ان قيمة السندات سترتفع بشكل سريع نتيجة نجاح الشركة في اسواق العالم وارتفاع قيمة اسهمها المستمر.

اعلان الشركة عدم قدرتها على اعادة الديون والوفاء بالتزاماتها ازاء المستثمرين، يثير اسئلة حول الطريقة التي حققت فيها الشركة ارباحها، وحول النظام الاقتصادي والسياسي الذي يُخضع توفيرات العمال التقاعدية لشركات خاصة هدفها تحقيق الربح السريع لقلة من اصحاب الرساميل الذين سيطروا على اقتصاد البلاد، حتى لو كان الثمن عدم استقرار اقتصادي واجتماعي.

اقتصاد غير منتج

الامبراطورية الاقتصادية التي بناها ليف لفاييف كانت مؤسسة على الرمال. في الخلفية كانت "الاصلاحات" الجذرية التي أُدخلت في العامين 2003 و2004 في مجال التقاعد، ومحورها استثمار توفيرات التقاعد بشكل حر في شركات مستثمرة في البورصة وتقليص الضمانات الحكومية لها. وكان المنطق من وراء هذا الاصلاح الكبير اعتبار اموال التقاعد وتوفيرات الجمهور مجرد وقود لتحريك التجارة في البورصة.

صناديق التقاعد استثمرت مليارات الدولارات في شركة افريقا يسرائيل، والشركة بالتالي استثمرت الاموال في اسواق العقارات الروسية والامريكية. القروض الهائلة التي حصل عليها لفاييف من البنوك في اسرائيل وظفها في الاسواق العالمية كأساس للحصول على قروض اضافية، مما خلق حالة من المراهنة المتطرفة كان حتميا انهيارها. المعلق الاقتصادي نحاميا شترسلر (ذي ماركر، 9/9/09) كتب ان "افريقا" حصلت على قروض بمليارات الدولارات دون ان تضع من جيبها دولارا واحدا، الامر الذي يعتبر في قاموس الاقتصاد نموذجا غير متوازن للرفع المالي.

لا شك ان ادارة الاموال بهذا الشكل هو بحد ذاته مغامرة من جانب الشركة والمستثمرين بها ايضا. ولكن حتى في عصرها الذهبي عندما كانت تجني ارباحا للمستثمرين ولاصحابها، لم تكن شركة "افريقا اسرائيل" مفيدة للمجتمع وللعمال بشكل عام. السبب في ذلك هو تركيزها على الاستثمارات التي تجني الارباح السريعة وتشجيعها للمضاربة في الاسواق العالمية.

حتى في مشاريعها الانتاجية كانت الشركة تعتمد البحث عن العمل الرخيص بكل ثمن دون اعتبار للنتائج الاجتماعية لهذا التصرف. المثال على ذلك شركة البناء الكبرى "دنيا سيبوس" التابعة ل"افريقا اسرائيل" تعتمد منذ سنوات اسلوب المقاولات الفرعية وترفض تشغيل العمال المحليين بشكل مباشر وذلك للتملص من اعطاء العمال اجورهم وحقوقهم الاجتماعية حسب القانون، وتفضل ايضا تشغيل العمال الاجانب الارخص.

يتضح اذن ان اموال صناديق التقاعد التي حصلت عليها "افريقا اسرائيل" كاستثمارات، استخدمت لجني ارباح سريعة في الخارج او لاستغلال العمال في البلاد، مما ادى الى تعميق الفجوات الاجتماعية وارتفاع نسبة الفقر حتى في الفترة التي ازدهرت فيها الشركة.

الفقاعة تنفجر دون استخلاص العبر

عندما انهارت بنوك الاستثمار وشركات التأمين والسيارات الامريكية قبل عام، ساد القلق في اسرائيل من وقوع انهيارات مماثلة في نظامها الاقتصادي. المفارقة انه خلال سنة كاملة تمكن عمالقة الاقتصاد الاسرائيلي امثال لفاييف، فيشمان، دانكنر، تشوفا، أريسون وعوفر، من الصمود في مواجهة الازمة ولم يعلن أي منهم افلاسه. فقط بعد الاعلان عن نهاية الازمة وعن بوادر الانتعاش أعلن لفاييف عجزه عن تسديد الديون، وتبعه بايام الاخوان عوفر صاحبا شركة "تسيم" التي اعلنت عجزها عن تسديد ديون بقيمة 350 مليون دولار.

ازاء هذه الازمة وازاء التهديد المباشر لتأمينات الحياة والشيخوخة الذي يتعرض له مئات آلاف العمال، يبدو غريبا موقف الحكومة. حسب صحيفة "ذي ماركر" (8/9/09) نشرت وزارة المالية معطيات غير دقيقة بعد اعلان "افريقا اسرائيل" عن عجزه عن تسديد الديون، مما أثار الانطباع انها تميل للتقليل من خطورة الوضع. حسب تقدير الصحيفة بلغت قيمة سندات الدين التي اشترتها شركات التأمين والصناديق من "افريقا"، اربعة مليارات شيكل وليس 1.6 مليار كما نشر تقرير وزارة المالية الاول.

من جهة اخرى، هناك علاقة وطيدة بين شركات التأمين وبين "افريقا اسرائيل". احد الامثلة على ذلك هو المدير العام الحالي لشركة "افريقا اسرائيل"، ايزي كوهين، الذي شغل في الماضي منصب مدير عام شركة التأمين الكبرى "مجدال". انتقال كوهين من شركة التأمين التي استثمرت في "افريقا" بطريقة مغامرة، الى الطرف الثاني من المعادلة، يدل على نوع من سوء الادارة والفساد. هناك ارتباط وثيق بين قرار شركة التأمين مجدال توجيه استثماراتها لشركة "افريقا" رغم مخاطرتها باموال التأمينات، وبين المصلحة الشخصية للمدير السابق الذي يطمع في تحقيق اجور عالية ومنح من شركته الجديدة "افريقا اسرائيل".

روعي فرموس، مدير بيت الاستثمار "بساغوت"، اعرب عن استعداده للدخول في مفاوضات مع ادارة "افريقا اسرائيل" على جدولة الديون. يذكر ان "بساغوت" هي الشركة التي استثمرت ب"افريقا" المبلغ الاكبر (700 مليون شيكل) وهي لذلك تتعرض للخطر الاكبر في فقدان استثماراتها بسبب الازمة. كما أعلن فرموس استعداده "لتبديل قسم من الدين باسهم في شركة افريقا"، وانه "على يقين بان صاحب الشركة (لفاييف) انسان محترم وسيقوم بما يجب لمساعدة الشركة للوفاء بالتزاماتها تجاه اصحاب الحسابات والتوفيرات". (صحيفة "كلكليست"، 31/8)

يتضح من ازمة شركة "افريقا اسرائيل"، التي كما يبدو لن تكن الاخيرة، ومن ردود الفعل الرسمية للحكومة ومدراء الصناديق، ان الجميع يتمسك بوجهة النظر التقليدية التي تقدس رأس المال والسوق الحرة، وانه ليست هناك اية نية لاستخلاص العبر.

لقد تميزت دولة اسرائيل لدى تأسيسها بسعيها لبناء اقتصاد مركزي يحمي المواطنين اليهود بشكل عام ويوفر للجميع شبكة امان اجتماعية، الا انها غيرت في العقود الثلاثة الاخيرة جلدها عندما باعت الشركات والممتلكات التي كانت بملكية الحكومة لرجال اعمال كبار لا يهمهم سوى السعي لمزيد من الربح السريع حتى لو كان ذلك على حساب العمال والجمهور.

حان الوقت ان يدرك العمال والفقراء في اسرائيل ان الادعاء بان مؤسسات الدولة وقادتها حريصون على مصلحتهم هو ادعاء كاذب. استعداد صناديق التوفير وشركات التأمين والحكومة منح شركة مثل "افريقا اسرائيل" الفرصة لحرق مليارات الشواقل من التوفيرات دون إحداث أي تغيير على النظام المالي هو نموذج بارز لهذا التناقض الطبقي الجديد.

عن شركة "افريقا اسرائيل"

تشمل شركة "افريقا اسرائيل" 114 شركة فرعية تسيطر على مجالات كثيرة في الاقتصاد، منها الاستثمارات في العقارات في البلاد وفي روسيا والولايات المتحدة وشرق اوروبا (من خلال شركات دنيا سيبوس وانجلو ساكسون وافي بيتواح)، شارع عابر اسرائيل (شركة ديرخ ايرتس)، شبكة الفنادق "كراون بلازا"، شركة "بيكر بلادا" للفولاذ، شركة "غوتكس" لانتاج ملابس السباحة، مساهمة في شبكة المجمعات التجارية "ريبوع كحول"، مساهمة في شبكة محطات الوقود "دور الون" اضافة الى وكالات للتجارة وغيرها. بالاضافة لكل ذلك، يمتلك صاحب الشركة ليفاييف شركة كبيرة للتجارة بالماس تنافس الشركة البلجيكية "دي بيرس" على السيطرة على تجارة الماس في العالم.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__335/اكبر_شركة_اسرائيلية_توشك_على_الافلاس_والحكومة_لا_تستخلص_العبر
22.11.2017, 13:11