تاريخ النشر ٠٨/٠٩/٢٠٠٩

شؤون دولية

تفاؤل؟ مسألة سياسية لا اقتصادية

يعقوب بن افرات

في احد ايام شهر آب الحارة، فاجأ عميد البنك المركزي الاسرائيلي، ستانلي فيشر، وسائل الاعلام بتصريح هام تلخص بالكلمتين – "انا متفائل". أعقب التصريح قرار منه برفع فوري لنسبة الفائدة ب0.25%. بذلك يكون فيشر قد نصّب نفسه قائدا لموجة التفاؤل العالمية، وكأول مصرفي في العالم يجرؤ على رفع نسبة الفائدة. في نفس الوقت، اجتمع مدراء البنك الفيدرالي (المركزي) الامريكي وقرروا الابقاء على نسبة الفائدة التي تقارب الصفر "لمدة اطول"، لان الولايات المتحدة، خلافا لما يحدث هنا، لا تزال تشهد ركودا وارتفاعا في نسبة البطالة.

وما كاد ينصرم شهر آب واذا بالاقتصاد الاسرائيلي يدخل مجددا الى قلق عميق. عملاق رأس المال الكبير ليف ليفاييف الذي تمكن من جمع ثروة تفوق سبعة مليارات دولار، أعلن ان شركته "افريكا يسرائيل" عاجزة عن سداد ديونها للمستثمرين. يأتي هذا متزامنا مع اعلان الصناعيين المتواصل بان مصالحهم في خطر متزايد بسبب هبوط قيمة الدولار، وان التصدير الاسرائيلي قد تراجع بنسبة 30%.

برنانكي "أنقذ" العالم

ولكن مع هذا، فالعميد فيشر، كما ذكرنا، متفائل. انه يعتمد على الارتفاع الجنوني في مؤشرات البورصة التي تعتبر الدلالة على ما يحدث في "الاسواق". وبما ان "الاسواق" هي "الرجل الحكيم" الذي يدير الاقتصاد، فان ارتفاع المؤشرات يؤكد ان الاقتصاد في طريقه للانتعاش. ليست البورصة الاسرائيلية الوحيدة التي تشهد انتعاشا، بل سبقتها اختها الكبرى وولستريت التي بدأت تبلغ قمما جديدا. كل البنوك الامريكية التي كانت بالأمس تستجدي المساعدة من الادارة الامريكية لانقاذها من الافلاس، وحصلت على دعم بمليارات الدولارات، عادت اليوم لتحقق ارباحا طائلة.
تثمينًا "لجهوده" المبذولة لانقاذ الاقتصاد العالمي، قام الرئيس الامريكي، براك اوباما، بإعادة تعيين بن برنانكي لعمادة البنك المركزي. يعتبر برنانكي خبيرا في موضوع ازمة عام 1929 التي ادخلت الولايات المتحدة الى الركود الكبير، ولكنه هو ايضا شريك كبير في المسؤولية عن ادخال بلاده الى اعمق ركود تشهده منذ الحرب العالمية الثانية. افتراض اوباما بان من سبّب الضرر قادر ايضا على الاصلاح، حظي بدعم المحرر الاقتصادي ل"يديعوت احرونوت"، سفير بلوتسكر، الذي ادعى ان سياسة برنانكي في العام الاخير "انقذت العالم".

اعادة تعيين برنانكي تكشف طبيعة ادارة براك اوباما. الشعار الذي حظي بشعبية كبيرة "نعم، نحن نستطيع!" استبدلت خلال وقت قصيرة بالشعار العكسي "لا! لا نستطيع!"، ذلك ان اوباما وقف عاجزا امام وولستريت. ما الحكمة الكبيرة التي يقدمها برنانكي؟ توجيه تريليون دولار من اموال دافعي الضرائب لصالح البنوك المنهارة بهدف انقاذها. يشبه هذا حال المقامر الذي خسر كل امواله في الكازينو، وحصل من صاحب الكازينو على سلفة لمواصلة المقامرة. عندما سئل المقامر عن الوضع، اجاب: "هناك اسباب للتفاؤل".

الحقيقة ان هذا الوضع لا يجب ان يفاجئ احدا. منذ دخوله البيت الابيض أحاط اوباما نفسه بمستشارين اقتصاديين امثال لاري سامرس وبول وولكر، المقربين من البنوك الكبرى. مباشرة بعد انتخابه للرئاسة نجح اوباما في تشخيص وولستريت كسبب رئيسي للازمة، ولكنه في نفس الوقت وضع آماله فيها على اعتبار انها الرافعة الاساسية لانقاذ الاقتصاد الامريكي. بذلك يكون اوباما قد مهّد الطريق امام الانهيار القادم، والذي سيكون اكثر ايلاما من سابقه كما يتوقع المعلّقون.

لقد فوّض الشعب الامريكي اوباما بقطع رؤوس المصرفيين الكبار الذين خدعوه، سرقوه واستغلوا اقتصاد الولايات المتحدة لصالحهم خلال ثلاثين عاما. كان على الرئيس الجديد ان يفكك نظام رونالد ريغان ويطرح الاسس لنظام جديد. ولكن بدل ذلك، رهن مستقبل امريكا لصالح المصرفيين. لا غرابة اذن انه بدأ يفقد شعبيته ويواجه صعوبات في تمرير القرارات الاستراتيجية التي التزم بها امام ناخبيه، وعلى رأسها برنامج التأمين الصحي الحكومي.

"احتفالات" باتجاه الازمة القادمة

الاموال التي تدفقت الى وولستريت والاعتماد الرخيص خلقت فقاعة مالية جديدة. المدراء الذين أوصلوا شركاتهم الى شفا الافلاس، يؤسسون اليوم شركات جديدة ويعودون الى سابق عهدهم. الاقتصاد الخيالي المحَوسب يُدار بطرق جديدة تدعى "التجارة الالجوريتمية"، حسبها تقوم كومبيوترات شديدة الذكاء بالتجارة باوراق مالية، عملات، عقود وغيرها، وتؤدي عمليات لانهائية من الشراء والبيع خلال فترة زمنية قياسية وتجني ارباحا خيالية. المضاربة المحوسبة تحول الاقتصاد الحقيقي، ذلك الذي يعيل اكثر من مليار عامل ومستخدم في انحاء العالم، الى امر هامشي وعديم الاهمية. كلما زادت الفجوة بين الواقعي والخيالي، كلما ارتفعت نسبة البطالة وتضخمت ارباح البورصة، كلما تضخمت الفقاعة واقتربت من الانفجار.

العوامل التي ادت للازمة الاقتصادية الحالية لم تختف، بل زادت وتعمقت. بين هذه العوامل - نقل الصناعات الاساسية للصين؛ اعتماد السوق الامريكية على اسواق المال كمحرك اساسي للاقتصاد؛ مستوى الاجور المنخفض على اثر اختفاء النقابات؛ تفضيل البنوك على الصناعيين؛ ونمو المجتمع الاستهلاكي بمقاييس لا تلائم القوة الشرائية الحقيقية. مواضيع رئيسية لكل مجتمع سليم بينها الصحة، السكن، التعليم والعمل، تواجه في امريكا ازمة عميقة جدا. غير ان كل هذا لا يمنع البورصة الامريكية من الاحتفال ولا يمنع المصرفيين من توزيع الهبات لانفسهم بقيمة سبعة مليارات دولار، وكأن شيئا لم يحدث. واوباما يعيد تعيين بن برنانكي لمنصبه، كأن شيئا بالفعل لم يحدث.

حتى لو لم تعترف الادارة الامريكية وستانلي فيشر بالوضع، فان الحقائق تشير الى ان شيئا كبيرا جدا قد وقع. الاقتصاد العالمي انهار وشطب بجرّة قلم 30 تريليون دولار. الادارة الامريكية اضطرت للسيطرة على اكبر شركة للسيارات وعلى شركة التأمين الكبرى وبنوك الرهن العقاري الرئيسية، كما تُخضع الاقتصاد الامريكي للعلاج في غرفة الانعاش.

الاقتصاد الامريكي يمر بعملية تأميم، ولكن فيشر ووزير المالية الاسرائيلي شتاينتس في اعقابه، يواصلان وضع ثقتهما العمياء بالاسواق. الرأسماليون الكبار يسقطون، ولكن اصوليو السوق الحرة، منظّرو الخصخصة، يواصلون الاصرار على ان الحكومات لا تعرف كيف تدير الاقتصاد وان الرأسماليين وحدهم جديرون بالمهمة.

الادارة الامريكية الجديدة تخشى الدخول في صدام مع البنوك الكبرى ووضع حد للرأسمالية المفرطة. من الجانب الآخر، الجمهوريون، رجالات بوش وريغان، يستعدون للعودة للحكم. هؤلاء لا يكتفون بالضرر الذي سبّبوه بل يريدون العودة لتجربة قوتهم من جديد. وقد يكون هذا سبب تفاؤل فيشر. فاذا كان هناك احتمال لعودة النيوليبراليين للحكم، فيعني هذا ان اسرائيل قد تعود مجددا لايام مجدها. من هنا يمكننا الجزم بان تفاؤل فيشر هو موقف سياسي هدفه اعادة ثقة الجمهور بالسياسة الاقتصادية الفاشلة.

غير ان الآمال الوهمية التي تعتمد على عقيدة غيبية، لا يمكن ان تغير الواقع. الاقتصاد يتراجع ومعه تطفو على السطح الازمات الاجتماعية. براك اوباما فوّت فرصة تاريخية لخلق نظام اقتصادي واجتماعي جديد، وأثبت بذلك ان الحزب الديمقراطي عاجز عن طرح برنامج سياسي حقيقي للتغيير. طالما ان نظام الحزبين يبقى الاطار السياسي السائد في الولايات المتحدة، يبقى مصير الامبراطورية الى افول.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__330/تفاؤل؟_مسألة_سياسية_لا_اقتصادية
22.10.2017, 06:10