تاريخ النشر ٠٨/٠٩/٢٠٠٩

شؤون فلسطينية

دولة فلسطينية خلال عامين؟

يعقوب بن افرات

في صباح يوم الثلاثاء 25 آب عقد رئيس الحكومة الفلسطيني، سلام فياض، مؤتمرا صحافيا عرض فيه برنامجه لاقامة الدولة الفلسطينية خلال عامين. في وثيقة مطوّلة استعرض فياض الخطط العامة لاقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة في حدود ال1967، مع التركيز على التغييرات الداخلية المطلوبة في البنية التحتية التشريعية الاقتصادية والاجتماعية للدولة العتيدة. من غير الواضح ما الذي يدفع فياض لعرض برنامجه، خاصة في ظل الجمود الذي يخيم على العلاقات بين حكومة نتانياهو والسلطة الفلسطينية منذ نحو نصف عام. يبدو ان رئيس الحكومة الفلسطيني يسعى لتعزيز موقعه السياسي مستغلا رؤية اوباما بشأن اقامة دولة فلسطينية حتى نهاية ولايته.

يبدو غريبا ان يأتي هذا الطرح السياسي من فياض الذي لا يتمتع بأدنى دعم شعبي او حزبي، ويعتمد بالاساس على ابو مازن. فياض هو رجل الامريكان في المناطق الفلسطينية والمؤتمن على مصالحهم، وهم يشترطون اي دعم للسلطة الفلسطينية بان يقوم هو بادارة الاموال. ويثير هذا الشرط سخط كبار فتح الذين يطمعون بإدارة الميزانية العامة بأنفسهم، وهذا ما جعلهم يعارضون بحدة خطة فياض السياسية ويتهمونه بمصادرة الدولة الفلسطينية منهم، هم الذين كرّسوا سنوات من عمرهم في النضال من اجلها. وما يزيد من سخط الفتحاويين على فياض هو تركيز خطته على موضوع الشفافية، وتلميحه بذلك ان السلطة لم تقم خلال 15 عاما من وجودها باية خطوة جدية باتجاه بناء البنية التحتية لدولة فلسطينية قابلة للحياة.

حركة حماس خرجت هي الاخرى بتصريح ضد فياض، واتهمته بالتخلي عن المبادئ الوطنية وعلى رأسها حق العودة.

وما يزيد من غرابة خطة فياض هو توقيتها. فهي تأتي في ظل مؤتمر فتح، الذي كان دوره هو الخروج بخطة سياسية خاصة بعد انتخاب مؤسساته الجديدة، ولكن فتح لم تطرح اية خطة وتركت الساحة خالية لفياض للقيام بذلك.

انشقاق داخلي عميق

في الصراع على احتكار الدولة تبدو الاطراف الفلسطينية كمن يتصارع على جلد الدب قبل صيده. في الواقع الساحة الفلسطينية الداخلية منشقة على نفسها وتشهد نزاعا اعمق من اي وقت مضى، يجعل حلم الدولة الفلسطينية بعيد المنال. رغم حر آب شهدت الساحة الفلسطينية نشاطا سياسيا مكثفا، وفي مركزه مؤتمر فتح الذي انعقد في بيت لحم.

بعد اكثر من عقدين من الزمن تم تغيير القيادة القديمة بقيادة جديدة. نتائج المؤتمر وكذلك الصراع غير المحلول مع حماس، تدل على ان تصريحات فياض بشأن اقامة دولة مستقلة خلال عامين لا تعدو ان تكون مناورة سياسية.

من الاطلاع على اسماء الشخصيات التي تم انتخابها للجنة المركزية، وهي المؤسسة المقررة في فتح وتشمل 20 عضوا، يتبين ان الشخصيات التي كانت وراء اتفاقات اوسلو السيئة الصيت، هي التي سيطرت على فتح. في مقدمة هؤلاء ابو مازن الذي انتخب باجماع ودون ان يهدد موقعه احد. اما مندوبو الشتات فاختفوا عموما عن اللجنة المركزية الجديدة، وحلت محلهم القيادات المحلية من الضفة والقطاع. بذلك تكون حركة فتح قد أنجزت الانقلاب الذي بدأ مع توقيع اتفاقات اوسلو، وأدى الى تهميش الشتات الفلسطيني المقيم في الاردن، سورية ولبنان ونقل مركز قوة منظمة التحرير من المخيمات للضفة الغربية وقطاع غزة.

فحص اضافي لاسماء الشخصيات المنتخبة يشير الى ان محمد دحلان، جبريل الرجوب، توفيق الطيراوي وحسين الشيخ، قادة الاجهزة الامنية في المناطق المحتلة، قد عادوا للحياة كما العنقاء. ان هؤلاء هم قادة الجهاز الذي أسسه الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، الجهاز الذي يعتمد على الفوضى الامنية، الفساد السياسي والاقتصادي، وعلى التعاون الكامل مع الجنرال الامريكي دايتون والتنسيق الوثيق مع المخابرات الاسرائيلية.

القادة الميدانيون الذين سيطروا على فتح، هم انفسهم الذين خلقوا في المناطق المحتلة واقعا عصيبا ادى في نهاية المطاف الى فوز حماس في الانتخابات الاخيرة والى الحرب الاهلية التي شقت المناطق الفلسطينية الى ضفة وقطاع. مؤتمر فتح لم يحاسب هؤلاء على الفشل في الانتخابات، لا على ما سبقها من اتفاقات ولا على ما تبعها من استحقاقات. بالعكس، منح المؤتمر الشرعية الكاملة للسياسة التي تتبعها السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها. الوحيد الذي خرج عن هذه القاعدة كان فاروق القدومي، "وزير خارجية" منظمة التحرير، الذي اتهم ابو مازن ودحلان بالتخطيط لقتل عرفات اثناء لقائهما باريئل شارون بعد اندلاع الانتفاضة الثانية.

لا غرابة اذن في ان تكون المحادثات بين فتح وحماس بوساطة مصرية في القاهرة قد دخلت الى جمود عميق. فمؤتمر فتح كان مثابة اعلان حرب على حماس، ذلك ان نفس الاشخاص الذين فعلوا كل ما بوسعهم لاسقاط حكومة اسماعيل هنية تحولوا اليوم الى اصحاب القول الفصل في فتح. حماس التي ادركت اتجاه الامور رفضت السماح لاعضاء فتح المقيمين في غزة بالخروج من القطاع للمشاركة في المؤتمر. جاء هذا في حين سمحت اسرائيل بدخول مندوبي فتح من مخيمات اللاجئين في سورية ولبنان.

والملاحظ ايضا انه لم يتم انتخاب اية شخصية يمكن ان تعتبر همزة وصل بين كلا المعسكرين المتناحرين. بل تم انتخاب الشخصيات التي تسعى الى اسقاط نظام حماس في غزة وتدعم (بشكل غير علني) الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض على غزة على امل ان يؤدي الى سقوط حكومة هنية. وقد يرى البعض في انتخاب مروان البرغوثي المعتقل في اسرائيل اشارة الى تغيير نوعي داخل فتح، غير ان هذا لا يغير الصورة العامة للامور وموجزها ان مؤتمر فتح هو عمليا تسليم بالامر الواقع واعتراف بانه غير قابل للحل.

واذا كانت حركة فتح قد كرّست نظام الفساد والفوضى الامنية وسياسة التبعية لاسرائيل وامريكا، فلا يعني هذا ان حركة حماس تحمل البشائر للشعب الفلسطيني. حماس تواصل سياستها التي تهدف لازالة الحصار تدريجيا عن القطاع لتعزيز سلطتها هناك، انها عمليا تكتفي بغزة امارة اسلامية لممارسة نفوذها. لهذا الغرض تؤجل مشروع المقاومة، وتحافظ على الهدنة مع اسرائيل وتعمل بدأب من اجل الوصول الى تسوية في قضية الجندي جلعاد شليط.

من جهة اخرى، وعلى صعيد الوضع الداخلي، زادت حماس في إحكام قبضتها على مواطني القطاع. الامر الاخير الذي أصدرته بإلزام الفتيات ارتداء الجلباب كشرط لقبولهن للمدارس هو اشارة واضحة ان حماس تسعى لفرض انظمة الشريعة بشكل تدريجي. قوانين الفصل بين النساء والرجال تبث اجواء من الخوف والظلامية، تمكّن النظام من التدخل في حياة الافراد والتحكم بنهج حياتهم.

شيئا فشيئا اخذ يتشكل امامنا كيانين منفصلين في المناطق المحتلة: اولهما علماني وعاصمته رام الله والثاني اسلامي اصولي وعاصمته غزة. ولعل هذا بحد ذاته اكبر خطر على امكانية تحقيق الدولة الفلسطينية، عندما يقبل الفلسطينيون انفسهم بتقسيمها ويحققون بذلك الحلم الاسرائيلي القديم بان تقوم الدولة في غزة فقط، مع ابقاء الضفة تحت السيطرة الاسرائيلية من خلال ضم الكتل الاستيطانية. على ضوء ذلك تبدو خطة فياض لاقامة دولة خلال عامين قراءة غير واقعية وتسجيل موقف في افضل الاحوال.

لا شك ان الطريق المسدود الذي وصلته المفاوضات العقيمة والتنازلات المجانية التي اتبعتها فتح من جهة والمقاومة المتطرفة في غير آوانها التي اتبعتها حماس، والتضارب بين كلا البرنامجين والصراع على السلطة، هي التي ادخلت الشعب الفلسطيني الى الحال الداخلي الخطير، الامر الذي يجعله بأمس الحاجة الى قوى سياسية بديلة تتبنى برنامجا واقعيا يحمي الحقوق الوطنية ويجنّب الشعب المزيد من الضربات.

اسرائيل تستغل الضعف الفلسطيني

الوضع العصيب الذي تشهده الساحة الفلسطينية لا يجب ان يسر اسرائيل. تصريحات وزير الخارجية الاسرائيلي، افيغدور ليبرمان، بان حل النزاع مع الفلسطينيين لن يتم حتى بعد 16 عاما، تبدو للاسف قريبة من الحقيقة. فإذا تبين ان ليبرمان محق وفشل الرئيس اوباما في تحقيق رؤيته بشأن الدولة الفلسطينية، فان السرعة التي يتم بها بناء وتوسيع المستوطنات، سترفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية الى زهاء نصف المليون. ويعني هذا دفن الحلم الفلسطيني باقامة دولة فلسطينية، وتحول الضفة الغربية الى منطقة خاضعة عمليا للسيطرة الاسرائيلية.

غير ان دفن الحلم الفلسطيني يعني في نفس الوقت دفن الدولة اليهودية. اذ ان وضعا كهذا سيجعل من اسرائيل دولة ابارتهايد بالفعل، الامر الذي سيُفقدها حقها في الوجود كدولة "يهودية ديمقراطية" كما تدعي، ويفقدها الشرعية التي تتمتع بها في العالم، ويهدد بان يؤول مصيرها الى مصير نظام الابارتهايد في جنوب افريقيا. محاولة اسرائيل الاستفادة من ضعف الفلسطينيين وادعاء نتانياهو وبراك بعدم وجود شريك للسلام كذريعة للامعان في الاستيطان ومواصلة التحكم بمصير الشعب الفلسطيني، ستجلب الكارثة ليس على الفلسطينيين فحسب، بل على الاسرائيليين انفسهم.

وليس هذا مصدر الكارثة الوحيد الذي يتربص بالاسرائيليين. ففي ظل الجمود على الجبهة الفلسطينية، يبدو ان ما يهم الاسرائيليين هو الوضع الاقتصادي الذي شهد زلزلة في الآونة الاخيرة ومن غير المتوقع خروج الاقتصاد المحلي منها في الفترة المنظورة. ان ما اعتبر نقطة قوة الاسرائيليين، اي الاقتصاد، يمكن ان يتحول الى نقطة ضعف استراتيجية تضع علامة استفهام كبيرة حول مستقبل الدولة وامكانيات صمودها.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__329/دولة_فلسطينية_خلال_عامين؟
15.12.2017, 21:12