تاريخ النشر ٢٩/٠٧/٢٠٠٩

شؤون اسرائيلية

مظاهرة الجبهة وميرتس ضد الميزانية تغطي على الانتهازية

اساف اديب

المظاهرة الاحتجاجية التي نظمتها الجبهة وميرتس في مطلع تموز ضد ميزانية الدولة كانت مجرد مسرحية. كلا الحزبين يدعمان رئيس الهستدروت، عوفر عيني، المسؤول عن تمرير الميزانية بالاتفاق مع رئيس الحكومة نتانياهو. لو كان الحزبان جادّين في افشال الميزانية، لاستخدما قوتهما السياسية حيث يمكنهما التأثير، ولكن هذا كان سيكلّفهما الوظائف والمناصب داخل الهستدروت. كان من الاسهل تنظيم مظاهرة احتجاجية والعودة في اليوم التالي للمقاعد المريحة لجانب عيني.

المظاهرة الاحتجاجية التي نظمها حزبا الجبهة وميرتس يوم 9/7 في تل ابيب، على مشروع الميزانية للعامين 2009-2010، كانت مجرد مسرحية. مندوبو كلا الحزبين نددوا بشدة بالميزانية، ولكنهم امتنعوا عن المس بتحالفهم مع عوفر عيني، الرجل الذي صاغ الميزانية مع رئيس الحكومة، بنيامين نتانياهو.

رئيس الجبهة، النائب محمد بركة، قال في المظاهرة ان "هذه يجب ان تكون بداية نضال جماهيري واسع النطاق. الكنيست الحالية عاجزة عن اسقاط مشروع ميزانية حكومة الرأسمالية والقمع والتمييز العنصري. انها مسؤولية كل مواطن في اسرائيل الاهتمام بان تقوم الميزانية على اسس العدالة الاجتماعية، المساواة والتضامن" (موقع الحزب الشيوعي). رئيس كتلة ميرتس، النائب ايلان جلؤون، اتهم الحكومة بالتخريب الاجتماعي، واضاف: "اننا في اوج صراع طبقي". النائب دوف حنين قال انه "في اول مئة يوم للحكومة، تسببت بدمار اجتماعي وبتهديد سافر للديمقراطية".

كلمات كحد السيف فعلا. فجدول عمل نتانياهو-فيشر (عميد بنك اسرائيل) اللذين يقودان السياسة الاقتصادية، لم يتغير في اعقاب الازمة الاقتصادية الكونية. النظرية التي لا تزال تحدد استراتيجية صانعي القرار في اسرائيل هي تلك المعتمدة على تفضيل رأس المال. ورغم التفاهمات التي اجراها نتانياهو مع رئيس الهستدروت، وتقلب مواقفه اثناء عملية تمرير الميزانية، الا ان الواضح ان نتانياهو يواصل تبني الخط النيوليبرالي الرأسمالي العنيف، الذي يسيء لجمهور العاملين في البلاد.

كيف يواجه حزبا الجبهة وميرتس هذا الوضع؟ هل يعملان على تجنيد مؤسسات الهستدروت ضد الخط الذي يقوده عيني، نتانياهو وارباب العمل؟ هل يتحديان اصلا قيادة عيني؟

ميرتس – شريكة كاملة في قائمة عيني

عمليا، ميرتس غير قائمة اطلاقا ككتلة مستقلة في الهستدروت. استعدادا للانتخابات الاخيرة للهستدروت التي اجريت في ايار 2007، انخرطت ميرتس في كتلة "عوجنيم" برئاسة عوفر عيني. بالمقابل حصلت ميرتس على حصة دسمة من كعكة الوظائف والامتيازات في الهستدروت.

ليس لميرتس اي تمثيل في لجان العمال او في اوساط العمال في البلاد. وليس للحزب اي نشاط نقابي في الميدان، ولا يقيم اية علاقات مع تيارات يسارية في الحركة العمالية في العالم. وجود ميرتس في الهستدروت معتمد على مجموعة من الخبراء والنشطاء السياسيين المختصين في العمل النقابي، والذين ينشطون من خلال الائتلاف. بإيجاز، ليس لقيادة ميرتس اية نية لبناء قيادة بديلة لعوفر عيني وجماعته.

هناك انسجام في المواقف السياسية ايضا بين ميرتس وعيني من حزب العمل. فكلاهما يتبنيان الموقف الامريكي العام من القضية الفلسطينية، والذي لا يشمل انسحابا كاملا لحدود ال67. كما اقتربت ميرتس اكثر من معسكر عيني في الحرب الاخيرة على غزة، عندما اعلنت عن دعمها للحرب الاسرائيلية رغم التقتيل والدمار الشنيع الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني.

لذلك، ليس من المفاجئ الا تخرج ميرتس ضد عيني في مسألة الميزانية. ميرتس تكتفي ب"الانجازات" التي توصل اليها عيني مثل بعض التعديلات في القانون والغائه عدة مشاريع لتقليصات في برنامج الرفاه. "انجازات" عيني ضمنت سكوت ميرتس على الميزانية. وحتى لو قررت ميرتس معارضة الميزانية في الكنيست، فليس من المؤكد ان رجالها في الهستدروت كانوا سيقبلون بحفاوة معارضة حزبهم.

ولا تقف الامور عند هذا الحد، بل ان النائب السابق عن حزب ميرتس، افشالوم فيلان، كان شريكا في التوصل لاتفاق مع وزارتي الزراعة والمالية على الغاء التقليص في عدد العمال الاجانب للزراعة. فيلان، الذي تم تعيينه لمنصب سكرتير اتحاد المزارعين بعد فشله في دخول الكنيست، تصرف في قضية العمال الاجانب كمندوب عن اصحاب المصالح في اوساط المزارعين الكبار وشركات القوى البشرية التي تتاجر بما صار يعرف ب"العبيد الجدد". كما هو معروف، طالبت المنظمات الاجتماعية بالوقف الفوري للظاهرة المخجلة التي تمس بقوة العمل المحلية وبالعمال التايلانديين انفسهم. مشاركة رجل ميرتس، فيلان، في الصفقة مع وزيري الزراعة والمالية ورئيس الحكومة، لم تثر اي رد فعل من طرف كتلة ميرتس في الكنيست. هذا مجرد نموذج لاسلوب عمل ميرتس: من جهة تدعم الميزانية النيوليبرالية وتقر مواصلة استيراد العمال الاجانب وتضرب بذلك قوة العمل المحلية، تساهم في زيادة الفجوات واتساع دائرة الفقر، ومن الجهة الاخرى تنظم مظاهرة احتجاجية ضد الميزانية.

الجبهة وعيني – ترتيب مريح للطرفين

خلافا لميرتس، خاضت الجبهة الانتخابات للهستدروت بقائمة مستقلة، ولكن لم يكن ذلك اختياريا بل اضطراريا. فقبل الانتخابات الاخيرة للهستدروت، بادر عيني الى اتفاق مع كل الكتل داخل الهستدروت، حسبه يتم توزيع الميزانيات والمناصب بين جميع الكتل بالاتفاق، مقابل الغاء الانتخابات. رحبت الجبهة حينها بالاقتراح واعلنت موافقتها عليه مقابل وعد من عيني بحصولها على مناصب مؤثرة وميزانيات.

ولكن الاتفاق لم يخرج لحيز التنفيذ بسبب اعلان ليئون بن لولو من الليكود عن ترشحه لرئاسة الهستدروت مقابل عيني، ومطالبته باجراء الانتخابات في موعدها المقرر. في هذه المرحلة، نيسان 2007، تلقت الجبهة بلاغا احادي الجانب من عيني يشير الى ان قائمته "عوجنيم" غير معنية بالتحالف معها. ولم يبق امام الجبهة الا الاعلان عن خوضها الانتخابات بقائمة مستقلة، مع مراعاة عدم ترشيح اي شخص لرئاسة الهستدروت، كيلا تمس بعلاقاتها مع عيني.

هذا الموقف كان سببا في انشقاق داخلي غير معلن في الجبهة عشية الانتخابات. افراييم دافيدي، عضو قيادة الهستدروت عن الجبهة، نادى للتصويت بورقة بيضاء لرئاسة الهستدروت، مدّعيًا عدم وجود فرق بين عيني وبن لولو. في مقالة نقدية نشرتها باسمه صحيفة "هآرتس" (14/5/2007)، كتب دافيدي: "بين كوكاكولا وببسي كولا، افضّل شرب الماء".

ولكن مندوب الجبهة الآخر في الهستدروت، جهاد عقل، كتب في مقال رئيسي في صحيفة "الاتحاد"، نُشر يوم الانتخابات، ان من واجب كل عضو جبهة التصويت لعوفر عيني للرئاسة. في مساء يوم الانتخابات، أظهرت صناديق الاقتراع في البلدات العربية عن دعم مطلق لعيني.

العلاقات الحميمة بين الجبهة وعيني استمرت بعد الانتخابات. والحال ان الجبهة تعتبر رسميا في المعارضة، ولكن سياسيا وعلى ارض الواقع تدعم عوفر عيني. قيادة الجبهة في الوسط العربي اثبتت لعيني ولاءها وحفاظها على التحالف معه. لذا فليس من المستغرب ترقية جهاد عقل الى منصب رئيس غرفة العمليات داخل الهستدروت. هذا الوضع يعتبر مثاليا بالنسبة للجبهة، فمن جهة تظهر كمعارضة دون ان يحرمها ذلك من المشاركة في كعكة المناصب، الامر الذي يمنع النقاش الداخلي في الحزب.

الاتفاق الغريب مع عيني، رجل براك، يمكّن الجبهة من التستر على التناقض السياسي بينها وبينه، علما ان الجماهير العربية فقدت ثقتها ببراك وبحزب العمل. وجود الجبهة رسميا في المعارضة لا يلزمها بتفسير تعاونها مع عيني. هذا الترتيب مريح ايضا لعيني الذي قدم قائمة "نظيفة" من العرب، ولا يحتاج ان يفسر تعاونه معهم.

موقف انهزامي

لا ندّعي مبدئيا عدم جواز مشاركة حزب يساري في الهستدروت، بل نسعى لاثارة النقاش حول ما اذا كان استخدام الاطر القائمة يتم بطريقة عقلانية وحكيمة لخدمة اجندة معينة. للاسف ما نشهده يشير الى ان هذه الاطر تستغل اليوم بغرض تحقيق مصالح ضيقة لبعض مندوبي الاحزاب اليسارية، والحصول على مزيد من الميزانيات والمناصب. اما التصريحات، والمقالات والمظاهرات فتأتي لتمويه حقيقة المواقف الانتهازية.

طيلة عقود من عضويتها في الهستدروت، كانت الجبهة في المعارضة. في الخمسينات والستينات اتخذت مواقف سياسية واجتماعية مناقضة لمواقف قيادة الهستدروت برئاسة حزب "مباي" ولاحقا حزب العمل، ودفع نشيطو الجبهة ثمنا باهظا على هذه المواقف. الجماهير العربية، والقوى التقدمية في المجتمع الاسرائيلي، قدّرت عاليا هذا الموقف المبدئي للجبهة، ودعمتها. التغيير الجذري الذي طرأ على السياسة النقابية للجبهة في مطلع التسعينات، حوّلها من حزب معارض الى حزب شريك بشكل علني في الائتلاف. الانقلاب المدمر الذي قام به حاييم رامون كرئيس للهستدروت مع نائبه عمير بيرتس في 1994، لم يغير من موقف الجبهة التي لم تحاول ابدا ان تفسر لاعضائها اسباب الانقلاب في موقفها.

في فترة النشوة من اتفاقات اوسلو مع الفلسطينيين، تذرعت الجبهة بان مشاركتها في الائتلاف مع رامون وبيرتس في الهستدروت، يأتي بسبب موقفهما الحمائمي كمندوبي حزب العمل. ولكن منذ الانتفاضة الثانية، وحرب لبنان الاخيرة ثم حرب غزة، ومنذ انتقال الهستدروت الى قيادة عوفر عيني، فقدت الجبهة ذريعة التعاون مع حزب العمل.

وعودة الى المظاهرة الاخيرة ضد الميزانية نقول، انه لا شك ان المظاهرة افتقرت الى استراتيجية النضال وكانت مشبعة بروح انهزامية. من يريد التصدي لليمين الاسرائيلي المتطرف وللنيوليبرالية، عليه اتخاذ موقف واضح من العلاقة مع عيني وبراك اللذين يشكلان اليوم اعمدة اساسية في حكومة نتانياهو. وحتى تتخذ الجبهة وميرتس موقفا في هذا الاتجاه، سيبقى احتجاجهما شكليا وعقيما.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__327/مظاهرة_الجبهة_وميرتس_ضد_الميزانية_تغطي_على_الانتهازية
18.10.2017, 11:10