تاريخ النشر ٢٠/٠٧/٢٠٠٩

شؤون دولية

الحركة في ايران امتحان لليسار العربي

سامية ناصر

أحداث ايران وضعت العرب والقوى التقدمية واليسارية في العالم العربي على وجه الخصوص امام امتحان مصيري. فالمسألة التي طرحتها حركة الاحتجاج الجماهيرية في ايران في مظاهراتها ضد تزييف الانتخابات كانت نفس المسألة التي تشغل بال شعوبنا العربية – الطموح الى الديمقراطية الحقيقية وحرية الرأي وحق المرأة في المساواة. مطالب الشباب الايراني في شوارع طهران واصفهان هي نفس مطالب الشعوب العربية من المحيط الى الخليج. لكن ردود فعل المثقفين العرب جاءت معارضة للانتفاضة الشعبية الايرانية، وكانت تحليلاتهم عبارة عن قراءة مشوهة تربط المتظاهرين مع امريكا واسرائيل وتقدم الدعم السياسي للنظام الاستبدادي ليس لسبب سوى خطابه المعادي للاستعمار.

في مقاله بصحيفة "القدس العربي" علّق الاديب اللبناني الشهير الياس خوري على الهاوية التي وصلها المثقفون العرب ازاء الحدث الهام في ايران ودعاهم للتوقف عن دعم النظام الايراني لمجرد اطلاقه شعارات راديكالية لا رصيد لها: "ان ايران لا تختصر على طريقة الاعلام الغربي الغبي باحمدي نجاد وحماقاته، ايران تمثل ثقافة كبرى وشعبا يقاتل دفاعا عن حريته والخطأ الذي يقع فيه الاصوليون هو اعتبار التحول الديمقراطي خضوعا لامريكا واسرائيل". واضاف ايضا ان "غياب النقاش العربي يشير الى الهاوية التي سقط فيها الفكر العربي منذ ان صارت الهزيمة نظاما سياسيا وفكرا مسيطرا". (23/6)

هل يقف احمدي نجاد ضد الاستعمار؟

لقد كشفت التظاهرات التي أعقبت الانتخابات الايرانية عمق الازمة التي يعيشها النظام الايراني برئاسة احمدي نجاد، والشرخ الذي سببته سياساته طيلة السنوات الاربع الماضية. كما كشفت دكتاتوريةَ هذا النظام الذي لم يوفر لشعبه الحد الادنى من التقدم والازدهار الاقتصادي. بدل وضع برنامج لتلبية طموح الشباب لحرية التعبير عن الرأي والحق في التنظيم والديمقراطية وفرص العمل، لجأ النظام الايراني للخطابات النارية التي دغدغت غرائز الشعوب العربية والاسلامية لدرجة جعلتها تعتبر نجاد وقنبلته النووية القوة العظمى التي ستهزم امريكا واسرائيل.

الاهتمام بأحداث ايران ينبع بلا شك من طبيعة المظاهرات العميقة التي كانت الاخطر منذ ثورة الخميني واعلان الجمهورية الاسلامية عام 1979. ولكن الاهتمام بما يحدث في هذا البلد زاد على خلفية تبني ايران بقيادة احمدي نجاد منذ عام 2005 خيار المقاومة ودعمها العلني لحزب الله وحماس. ويبقى الامر الرئيسي الذي زاد من ثقل ايران في المنطقة هو تغلغل نفوذها الى العراق منذ إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام فيه عام 2003، وتحول ايران لقوة عظمى اقليمية رئيسية.

في ظل هذه التطورات اجبرت دول المنطقة وتياراتها السياسية منذ ذلك الوقت على تحديد موقفها من ايران، وباتت تحدد هويتها حسب انتمائها لاحد المحورين: الايراني-السوري (وله ينتمي حزب الله وحماس)، او محور الانظمة العربية "المعتدلة" او المدجّنة امريكيا واسرائيليا.

يجب التنويه هنا الى التناقض في موقف ايران. ففي الوقت الذي ادعى فيه احمدي نجاد بانه القائد الثوري الذي يقف على رأس المحاربين ضد امريكا، في الواقع تعاون نظامه والطائفة الشيعية الموالية لايران مع قوات الاحتلال الامريكية في العراق، وسمح بالتالي بسقوط نظام صدام واحتلال العراق مما شكل ضربة ماكنة للعالم العربي بأسره.

على الصعيد الاقتصادي يسير النظام الايراني بالاتجاه الرأسمالي الامريكي. فهو يتعاون مع صندوق النقد الدولي وينفذ برنامج لخصخصة الاقتصاد لصالح شركات رأسمالية محلية وعالمية، ويقمع بيد من حديد كل محاولة لتنظيم العمال.

ان الهدف الاساسي لنظام ولاية الفقيه الايراني هو فرض نمط الحياة المتعصب على البلدان المجاورة مثلما ما فعل في ايران، وهو يستعمل بشكل ديماغوجي مسألة المقاومة المسلحة كحل سحري لكل شيء. لكن ما رأيناه في السنوات الاخيرة في لبنان وفلسطين يدل على محدودية خيار المقاومة ووصوله الى طريق مسدود. ففي لبنان وفلسطين تقف اليوم الحركات المنتمية لمحور ايران، سواء حزب الله او حماس، امام استحقاقات سياسية معقدة بعد ان دخلت الى حرب اهلية مع خصومها في الساحة المحلية. غير ان النظام الايراني بخطاباته النارية يستمر في سعيه لاقحام الشعوب في المزيد من الكوارث خدمة لمشروعه التعصبي نشر نظامه السياسي والمذهبي، وكي يغطي على عجزه عن توفير الحلول الملموسة في الداخل.

ان التظاهرات التي بدأت باتهام النظام بتزوير نتائج الانتخابات، والتي تطورت للمطالبة بإعدام خامنئي ولهتاف المتظاهرين بشعار "الموت للدكتاتور"، وضعت النظام في اكثر المواقف حرجا منذ الثورة الايرانية وسقوط الشاة عام 1979. ومن اعتقد قبل الانتخابات ان ايران جسم واحد مجنّد وراء النظام، كشفت له الاحداث ان ايران ايضا كانت على شفا حرب اهلية، قُمعت بالقوة. التمرد في ايران اثبت خطأ الموقف الداعم للانظمة الاستبدادية لمجرد عدائها اللفظي لاسرائيل وامريكا، وتجاهل دكتاتوريتها وقمعها لشعوبها.

ان ما يحدث في ايران هو انتفاضة لشريحة كبيرة من الشعب ضد قمع الحريات الديمقراطية. وهي، لا اقل، ثورة على الواقع الاقتصادي المزري الذي تزيد فيه نسبة البطالة على 20% في المدن الرئيسية و50% في مناطق الاطراف، بالاضافة لبلوغ نسبة الامية 22% ووصول التضخم وارتفاع الاسعار لنسب غير مسبوقة. مئات آلاف المتظاهرين الذين خرجوا الى الشوارع متحدّين الخوف ومخاطرين بحياتهم، ليسوا عملاء لامريكا واسرائيل بل ابناء الشعب الايراني الطامح للحرية، مثله مثل شباب دمشق والقاهرة وعمان والناصرة.

الاحزاب العربية تدعم احمدي نجاد

ولكن، متجاهلةً كل هذه المعطيات، تبنت الحركات القومية والاسلامية في العالم العربي رواية النظام الايراني، واتهمت المتظاهرين بالعمالة للغرب. الامين العام لحزب الله، حسن نصر الله، لزم الصمت طيلة خمسة ايام، بعدها خرج عن صمته وصرّح ان "ايران تحت عباءة الولي الفقية ستجتاز هذه الازمة"، وبعث برسالة تهنئة للمرشد الاعلى للثورة ولاحمدي نجاد يهنئه فيها بفوزه مجددا بولاية ثانية، معتبرا ان هذا الفوز "يعزز منطق المقاومة والتصدي للمشاريع الاسرائيلية والامريكية في المنطقة".

في ساحة الجماهير العربية في اسرائيل تبنى حزبا التجمع الوطني والجبهة هذا الموقف بشكل كامل الامر الذي يثير السؤال: هل يريد هذان الحزبان ان نعيش في ظل ولاية الفقيه؟ هل يريدان لنسائنا مصير النساء في ايران؟ هل يقبلان ان يكون مصيرنا كأقلية كمصير الاقليات في ايران؟ ان هذه الاحزاب التي تدعي العلمانية والتنور، ادخلت نفسها الى وضع لا تحسد عليه.
صحيفة "فصل المقال" التابعة للتجمع الوطني نشرت مقالة لخالد خليل بعنوان "انها انتفاضة الاغنياء" جاء فيها: "هذه الانتفاضة ليست انتفاضة فكرية او انتفاضة ديمقراطية ضد "القمع والديكتاتورية" ولا هي نزاع بين المحافظين والاصلاحيين بالمفهوم الديني ولا هي ثورة على مفهوم الولي الفقيه". (26/6)

الامين العام للحزب الشيوعي، محمد نفاع، كتب في صحيفة "الاتحاد" مقالة بعنوان "هذا العهر الغربي تجاه ايران"، شكك فيها بالحركة واتهم الاصلاحيين بان ما يريدونه هو "اصلاح ذات البين مع الغرب، ولو قليلا وبالتدريج ولذلك هذا التعاطف، وعلى الاقل تشجيع المعارضة لخلق صعوبات داخلية في ايران" (الاتحاد 25/6)

ومع ان الكاتب نفاع يعترف في المقالة ذاتها بانه لا يعرف كثيرا عن النظام الداخلي في ايران، الا ان هذا لم يمنعه من ان يكتب ويعلق ويستنتج ويشكك في ملايين الايرانيين الذين نزلوا للشوارع متحدين الموت ومطالبين بالموت للدكتاتور وبانهاء ولاية الفقيه.

صحيفة "الاتحاد" الناطقة بلسان الحزب الشيوعي سبقت مجلس صيانة الدستور الايراني، وحسمت نهائيا نتائج الانتخابات بالقول ان "الشعب الايراني قد حسم معركة الرئاسة بشكل لا يقبل التأويل وحصل الرئيس نجاد على اكثر من 11 مليون مقترع على منافسه موسوي. وعلى الجميع ان يحترم الحسم الديمقراطي للشعب". (15/6)

في موقف يدل على البلبلة والتناقض في مواقف الحزب الشيوعي الاسرائيلي، نشر موقعه باللغة العبرية مقالات وبيانان لحزب "توده" الايراني تؤيد حركة الاحتجاج الايرانية، كما ابرزت في نهاية حزيران حملة النقابات العمالية الدولية التي اعلنتت يوم 26/6 كيوم تضامن مع عمال ايران على خلفية اعتقال المئات منهم، على اثر محاولاتهم إحياء الاول من ايار في طهران. اما صحيفة "الاتحاد" باللغة العربية فأبرزت مواقف مؤيدة للنظام الايراني وللرئيس احمدي نجاد. يبدو ان الحزب الشيوعي الذي فاخر دائما بامميته اصبح اليوم حزبا منشقا على نفسه بين لغتين وموقفين.

يبدو ان عرب الحزب الشيوعي فضلوا تجاهل موقف حزب "تودة" الشيوعي الايراني من النظام، وكذلك موقف النقابات العمالية في ايران والعالم. فقد ايدت النقابات العمالية احتجاجات الايرانيين على نتائج الانتخابات، كذلك دعم حزب تودة الشيوعي الايراني المتظاهرين، ودعا من خلال بيان الى "مواصلة النضال ومواجهة المرشد الاعلى ونظامه الظلامي لفرض الالغاء التام لنتائج الانتخابات غير الشرعية واسقاط مباركتها واطلاق سراح من جرى اعتقالهم واطلاق سراح السجناء السياسيين". وأضاف البيان: "ان تهديدات المرشد الاعلى ليست جديدة على شعبنا، فهو يعرف الطبيعة القمعية للنظام وهذه المعرفة هي التي تدفعه الى مزيد من النضال" .

افلاس سياسي

الاحزاب العربية في اسرائيل وجدت نفسها في صف الداعم بحرارة للمحور الايراني-السوري تحديدا منذ انتفاضة عام 2000، وكانت بذلك تنجر انجرارا وراء المزاج الشعبي المتقلّب، الذي هلّل بدايةً لاتفاق اوسلو ثم انتفض ضده بعد ان اكتشف زيفه.

ان الاحزاب التي تسمي نفسها تقدمية ويسارية تعرف انه في ظل نظام ولاية الفقيه مكان اعضائها هو السجون او حتى المشنقة، وان النقابات العمالية والاصوات الناقدة لا يمكن ان تنشط الا تحت الارض. ويبقى دعم هذه الاحزاب للنظام الاصولي الايراني ولكل الحركات الدينية المتشددة بحجة انها تتحدى امريكا واسرائيل غير مقنع، لان الحقيقة ان هذه الانظمة تخاطب غرائز الشعوب، بدل ان تطرح حلولا تمكّن شعوبها من العيش الكريم. والاحزاب العربية تفعل الشيء نفسه عندما تخاطب الشارع الذي يدعم كل حركة تعارض امريكا بغض النظر عن اهداف هذه الحركة، وكل هدفها هو الحفاظ على شعبيتها بين الاوساط الشعبية.

النظام الايراني هو جزء من النظام الرأسمالي الذي تعيش في ظله اقلية قليلة في بذخ وغنى فاحش على حساب الاغلبية العظمى التي تعاني الجوع، الفقر والبطالة. المظاهرات في ايران ينبغي ان تُفهم في سياق الحاجة الى التغيير، وهي وإن قمعتها يد النظام فلا بد لها من الانفجار مرة اخرى، ولا بد للشعوب في كل مكان ان تهب لترفع الظلم عنها وتتخلص من انظمتها القمعية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__325/الحركة_في_ايران_امتحان_لليسار_العربي
18.10.2017, 14:10