تاريخ النشر ٢٣/٠٦/٢٠٠٩

شؤون دولية

نظام ولاية الفقيه في مأزق تاريخي

يعقوب بن افرات

ما يحدث في ايران هو علامة بان شيء ما يتغير في العالم وان عهد المقاومة والصحوة الاسلامية على وشك الانتهاء. الشعوب تريد العمل، الصحة، المسكن والحرية الشخصية وهذا ما لم تتمكن الثورة الاسلامية من تحقيقه على مدى ثلاثين عاما من الحكم. اليوم، تقول الشعوب لحكامها، ان الوقت قد حان لزوالها.

انتهت الانتخابات في ايران ولكن الجدل حول نتائجها لا يزال مستعرا، مؤديا الى ازمة سياسية لم يشهدها النظام الايراني منذ تأسيس الجمهورية الاسلامية قبل 30 عاما. مئات الآلاف من المتظاهرين يخرجون الى الشوارع بهتافات "الله اكبر"، "سرقوا اصواتنا"، وترد عليهم الشرطة باطلاق الرصاص وقتل العشرات. لا شك ان هذه اكبر مظاهرة تشهدها ايران منذ سقوط الشاه، وهي تتحدى مرشد الجمهورية، علي خمنائي، الحاكم الاعلى في ايران. الجدل في ايران تجاوز السؤال حول من الفائز بالرئاسة، وبات يكشف شرخا كبيرا جدا في المجتمع الايراني حول النظام الاسلامي المتشدد الذي فرضه خمنائي من خلال رئيس الجمهورية الحالي، محمود احمدي نجاد.

حتى لو قبلنا بادعاءات النظام وأنصار احمدي نجاد بأنه فاز على منافسه الاصلاحي، مير حسين مساوي، بفارق كبير جدا، الا ان نتائج الانتخابات الرسمية نفسها، والتي ترفض المعارضة قبولها، تشير الى فوز الاصلاحيين في العاصمة طهران والمدن الكبرى الاخرى، في حين تشير الى ان احمدي نجاد حصد اصوات الريف الايراني الفقير. ويدل هذا بحد ذاته على انقسام كبير بين المدن حيث تتمركز الطبقة العاملة والوسطى والأثرياء وبين الريف، او بين ما يسمى شمال طهران الغني وبين جنوبها الفقير. المدن تريد الانفتاح، الديموقراطية، حرية التنظيم النقابي والسياسي، حرية المرأة، حرية الصحافة والرأي، بينما يدعم الريف الانغلاق والسلطة المتزمتة.

من خلال المناظرات السياسية التي بثها التلفزيون الايراني بدا الانقسام كبيرا بين مساوي وبين احمدي نجاد وبلغ الامر بالاثنين لدرجة تبادل الاتهامات الشخصية اللاذعة. ولكن حسب المراقبين انتهت المناظرات لصالح احمدي نجاد الذي عرف كيف يرد على كل الاتهامات، وهو نفسه اتهم انصار الاصلاح بالفساد والابتعاد عن الشعب. احمدي نجاد، الذي وُلد ونشأ في قرية صغيرة من قرى الريف الايراني، يجتهد للظهور بمظهر الإنسان الفقير الورع والقريب من الشعب، اما مساوي، وهو استاذ بالفنون وبعيد عن السياسة منذ 20 عاما، فيظهر كمثقف متعالٍ وقريب من الطبقة الوسطى والمثقفين.

لم يتوقع المراقبون، ولا احمدي نجاد نفسه، ان تكون هذه الانتخابات ساخنة لدرجة يمكن ان تهدد اعادة انتخابه. فقد تم انتخابه قبل اربع سنوات بفارق كبير عن المرشح الاصلاحي، وذلك بعد ان قررت الشرائح المثقفة الليبرالية التي دعمت التيار الاصلاحي الامتناع عن التصويت بسبب خيبة املها من اداء الرئيس الاصلاحي السابق محمد خاتمي. لقد خلق خاتمي توقعات عالية جدا بالنسبة لاصلاح النظام وجعله اكثر ديموقراطية، ولكنه تراجع امام معارضة خمنائي الذي يسيطر على الجيش والحرس الثوري.

ولكن اربع سنوات من حكم احمدي نجاد المتشدد ادت الى تذمر وسخط كبيرين في اوساط الشعب، ذلك ان سياسة احمدي نجاد زادت من تدهور الاوضاع المعيشية الاقتصادية داخل ايران وزادت في قمع الحريات العامة. كما أثارت السياسة الخارجية الاستفزازية التي انتهجها احمدي نجاد تجاه الغرب وأمريكا، ونفيه للهلوكوست، حفيظة الشرائح المثقفة والوسطى التي تخشى من العزلة الدولية المفروضة على ايران.

وفي محاولة لاسترداد الحكم من ايدي المتزمتين ترشح في الانتخابات الاخيرة مئات الاصلاحيين، نجح اربعة منهم فقط في الترشح كونهم مقبولين على النظام، وكان مساوي احد هؤلاء. ولكن لم يتوقع احد ان تؤدي هذه الانتخابات الى ازمة خطيرة، علما ان المرشحين جميعهم يعتبرون "ابناء الثورة" ومخلصين للنظام.

ورغم ان حسين مساوي لم يكن معارضا حقيقيا للنظام الا ان كونه منافسا لاحمدي نجاد وللمرشد العام خمنائي، منح فرصة للمعارضة لدعمه تعبيرا عن استيائها من النظام والعمل على تغييره. وتشمل المعارضة كل الطيف السياسي بما في ذلك الحزب الشيوعي الايراني "توده".

ان اعتماد احمدي نجاد على الفقراء يدل هو ايضا على احد اهم الاسباب التي ادت الى هذه الهبة الجماهيرية ضد النظام. فبعد 30 عاما من الحكم الاسلامي الاصولي، اتسعت رقعة الفقر وارتفعت نسبة البطالة وغلاء المعيشة والتضخم المالي. ان استناد نظام الحكم على الفقراء لا يدل على انه قريب منهم بل يشير الى انه يعرف كيف يكسب الولاء من خلال المؤسسات الخيرية الفاسدة، والزيارات التفقدية للقرى النائية وتبني خطاب راديكالي مناهض لامريكا واسرائيل بهدف استقطاب الشعب وإلهائه عن عجز النظام عن توفير حاجاته الحقيقية. وبمعنى آخر، الشعب لا ينتخب النظام لانه ثوري بل لانه يعرف كيف يستفيد من الفقر ويحوله الى اهم معقل لبناء نفوذه.

واذا اخذنا الفقر والبطالة من جهة، وملاحقة الاقلام الحرة والمطالبين بالديموقراطية والتخلص من نظام "ولاية الفقيه" الذي يمنح صلاحيات مطلقة للمرشد العام خمنائي والحوزة في قُم، ندرك من اين جاءت هذه الهبة الجماهيرية التي تغلبت على الخوف والارهاب المنظم، وباتت تتحرك في الشوارع وتطالب بالديموقراطية. ايران ليست الريف والفقراء بل ايران هي المدن الرئيسية والقوى السياسية والاجتماعية، هي النقابات والطلاب، الذين يرفضون النظام الاستبدادي. ايران بعد هذه الانتخابات لن تعود الى ما كانت عليه.

ان نهج احمدي نجاد لم يفشل في ايران فحسب، بل فشل في كل المواقع. ان نهج المقاومة الذي احتفل بالانتصارات الوهمية في كل من لبنان وفلسطين، انتهى بحرب اهلية ومعاناة كبيرة للشعب اللبناني والفلسطيني. ايران التي تدعي مجابهة الغرب وامريكا، دعمت الاحتلال الامريكي في العراق وتحاول الاستفادة من الانقسام في العالم العربي لتوسيع رقعة نفوذها، كما تتغذى من الانقسامات الداخلية في كل من لبنان وفلسطين. ولكن من الواضح بان هذا النهج وصل الى طريق مسدود، فهو لا يهزم اسرائيل كما يتباهى اصحابه، بل يجلب الكوارث مرة بعد مرة على الشعوب. اليوم يدفع النظام الايراني ثمن مغامراته الاقليمية والدولية، بخلاف داخلي عميق.
ولا شك ايضا ان التغيير الكبير الذي طرأ على الولايات المتحدة بانتخاب باراك اوباما والعدول عن سياسة بوش المتشددة تجاه العالم والعالم الاسلامي خصوصا، خلق اجواء سياسية عالمية مهّدت الطريق لإحداث تغيير ملائم في ايران ايضا، حيث ان احمدي نجاد يمثل الرد المتشدد لسياسة بوش المتشددة، وترى القوى الديموقراطية ان التغيير في ايران صار امرا لا بد منه ولا حاجة بعد لمواصلة الاحتدام بنفس الاسلوب مع امريكا.

الحركة الجماهيرية في ايران تطالب الديموقراطية والحد من نظام ولاية الفقيه، انه المطلب بإحداث تغيير جذري للنظام. ولا شك ان هذا الموقف بعيد جدا عن موقف مير حسين مساوي الذي يريد اصلاح النظام ولكن يرفض الاطاحة به وبناء نظام ديموقراطي يجيز التعددية الحزبية. ومع ذلك، فالأنظمة العربية الاستبدادية مثل السعودية ومصر التي تعارض بشدة احمدي نجاد، تخشى من الهبة الشعبية التي اذا نجحت يمكنها ان تتحول الى نموذج للشعوب العربية ودرس حقيقي في مقاومة الاستبداد مهما كان اصله مذهبيا او دستوريا.

ليس السلاح النووي الذي تطمح ايران لامتلاكه هو ما يخيف أمريكا وإسرائيل، بل الديموقراطية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي هما عدوهما الحقيقي. السلاح النووي هو مجرد وهم، كما سبق ان حدث في باكستان والهند اللتين لا تزالان تعانيان من الفقر والانقسام الداخلي، ولم ينفعهما النووي في حل مشاكلهما العضال. ما تخشى منه امريكا واسرائيل هو حدوث تحول شعبي نحو الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، تحول يمكن ان يُنهي الانقسام العربي والحروب الاهلية وان يوظف كل الطاقات للبناء الداخلي والتضامن الحقيقي مع بقية الشعوب المضطهدة في العالم.

ما يحدث في ايران هو علامة بان شيء ما يتغير في العالم وان عهد المقاومة والصحوة الاسلامية على وشك الانتهاء. الشعوب تريد العمل، الصحة، المسكن والحرية الشخصية وهذا ما لم تتمكن الثورة الاسلامية من تحقيقه على مدى ثلاثين عاما من الحكم. اليوم، تقول الشعوب لحكامها، ان الوقت قد حان لزوالها.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__320/نظام_ولاية_الفقيه_في_مأزق_تاريخي
18.10.2017, 14:10