تاريخ النشر ١٦/٠٦/٢٠٠٩

شؤون دولية

خطاب اوباما في القاهرة

السلام عليكم

يعقوب بن افرات

من الجملة الاولى التي افتتحت خطابه في جامعة الازهر بالقاهرة، نجح الرئيس الامريكي، باراك حسين اوباما، في إنهاء حرب الحضارات التي ادخلت العالم لحالة رعب منذ احداث 11 سبتمبر 2001. في كلمتي "السلام عليكم" بُعدٌ اوسع من معناهما الحرفي. فيهما مصالحة، اعتراف، تواضع، والاهم انهما مستوحتان من الاسلام والقرآن الكريم. قدِم اوباما الى القاهرة مسلّحا بآيات قرآنية عديدة، وتفسيرات حديثة، تثبت انه ليس هناك سبب حقيقي للخلاف العميق بين الاسلام وامريكا. قرر اوباما ان يحارب الاسلام الاصولي بسلاحه، بالقرآن، وذلك في محاولة لجذب ملايين المسلمين المؤمنين الى صفه بعد ان دعموا تنظيم "القاعدة" وهللوا لاحداث 11 سبتمبر. باراك حاول، ونجح في ذلك.

نجح، لانه من الجملة الاولى خرج بشكل حاد عن سياسة سابقه جورج بوش. الخطاب لم يأت فقط بهدف غزو قلوب الشعوب الاسلامية، بل ايضا لمحاسبة السياسة الامريكية كدولة استعمارية أثارت كراهية الشعوب ضدها. كلامه حاز بمصداقية كونه الرئيس الامريكي الاسود الاول، وبدا في خطابه كواعظ اسود يأتي ليخفّف آلام رعاياه. عرض اوباما نفسه كنموذج للامريكي الاسود الذي يعود اصله الى كينيا، وقضى طفولته في اندونيسيا، وشبابه في شيكاغو حيث انخرط في صفوف حركة السود بقيادة مارتين لوثر كينغ. نجح، لانه وحده القادر على اعطاء خطاب من هذا النوع. ريغان، كلينتون او بوش، ما كانوا ليقنعوا احدا لو قرأوا نفس الخطاب.

الامر الذي ساعد في تمرير الرسالة لم يكن المكان فقط بل الزمان ايضا. وصل اوباما الحكم في وضع تعبت فيه امريكا من الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات ضد "محور الشر"، وفي وضع تعجز فيه قوى الاسلام الاصولي ايضا عن تحقيق اي انجاز ملموس في الحرب ضد امريكا وحليفتها اسرائيل. انها حرب بلا منتصرين، الجميع فيها مهزوم. خطاب الرئيس الامريكي توجه الى ملايين الناس في العالم الذين خارت قواهم من "المقاومة" الاسلامية ومن الخطابات شديدة اللهجة للقادة الاسلاميين. ولكن لا اقل من ذلك، كان الخطاب موجّها ايضا للشعب الامريكي الذي تعب من الحرب الاختيارية التي بدأت بالكذب وجبت ثمنا غاليا جدا.

الشعب الامريكي انتخب اوباما الامريكي الاسود لكي ينقذه من اذرع اليمين المسيحي الاصولي، ذلك اليمين الذي أعلن حربا صليبية على الاسلام بهدف احتلال العالم، وفي نفس الوقت قدّس الاغنياء ومصالحهم وتجاهل الفقراء ومعاناتهم. انتُخب اوباما لان امريكا وصلت الى اسفل الدرك، وانهار اقتصادها، وباتت تجر العالم كله نحو ازمة اقتصادية لم يعرف مثلها منذ الحرب العالمية الثانية. الشعب الامريكي انتخب لاوباما ليحرره من انياب البنوك الكبيرة التي ابتلعت توفيرات العمال والموظفين وصادرت بيوتهم وتركتهم دون عمل ومستقبل. اوباما يعرف انه لن يتمكن من تحقيق وعده بإحداث التغيير دون ان ينهي الحرب التي بدأها سابقه وترفض ان تنتهي.

تل ابيب في حالة استنفار

عندما توجه اوباما للمسلمين في القاهرة دخلت تل ابيب الى حالة من الاستنفار. لم يكن هناك ادنى شك في ان الانقطاع الحاد عن سياسة بوش تعني تغييرا في العلاقات مع اسرائيل. نظرية "محور الشر" التي تبناها بوش، كانت في صلب السياسة الاسرائيلية. حماس، حزب الله، ايران وسورية كانت جميعها ذريعة ممتازة بيد الحكومات الاسرائيلية جميعها لرفض التوصل لحل سياسي. اسرائيل اعتادت ان يفتتح كل خطاب بالانجليزية بكلمة "شالوم"، والتي تعني حرفيا "السلام"، ولكن معناها الحقيقي عكسي: سلام للاسرائيليين وقمع واحتلال للعرب. مع انتخاب اوباما رفض الاسرائيليون الاستيعاب بان الواقع تغير. لم يتغير الرئيس فحسب، بل تغيرت امريكا كلها وتزعزعت هيمنتها المطلقة على العالم. خطاب اوباما عبّر عن هذا الوضع بوضوح، الامر الذي جعل اسرائيل تفهم ان قوانين اللعبة تغيرت.

صعوبة اسرائيل في استيعاب التغيير في امريكا، تبدو بوضوح في تركيبة حكومتها الجديدة. بيبي نتانياهو شكّل حكومة يمينية على اساس الرفض الواضح لبرنامج دولتين لشعبين، والوعد بمواصلة البناء في المستوطنات. ايهود براك الذي اثبت عدم فهمه بالسياسة، سارع للانضمام للائتلاف اليميني متجاوزا حتى حزب "كديما" اليميني المركزي. لا شك ان برنامج اوباما ملائم لحكومة من نوع آخر تشمل الليكود، العمل وكديما، وتهمّش اليمين الاسرائيلي المتطرف. ولكن بين انتخاب اوباما وبين خطابه في القاهرة مرّت خمسة اشهر، تغلبت فيها الاعتبارات السياسية الضيقة على الاعتبارات بعيدة المدى. واضطر نتانياهو للمناورة بهدف الوصول الى صيغة تنقذ حكمه، وتخلق نوعا من التعايش بين اوباما من جهة وبين اليمين الاسرائيلي من جهة اخرى، بين العنصرية ضد العرب التي يمثّلها ليبرمان ويشاي وبين الرئيس الامريكي الاسود الاول.

المطلوب ثورة

غير ان هذا الخطاب التاريخي الذي أحرج اسرائيل واجبر حماس على التخفيف من حدة خطابها، يمكن ان يضيع في غمرة الاحداث حتى لا يبقى منه الا اعلان النوايا فقط. اوباما جاء مسلحا بالقرآن في محاولة لانتزاع السلاح الاساسي من ايدي المتطرفين، ولكنه اخطأ التقدير. فالسلاح الاساسي بيد قيادة الاسلام الاصولي هو الفقر، الجوع، الجهل، انتهاك حقوق الانسان، فقدان المستقبل والانظمة الدكتاتورية الجائرة. من هذا الوضع التعيس يتغذى التطرف.

بمقدور اوباما ان يضع حدا لحرب الحضارات بكلمة واحدة، ولكن كيف يضع حدا للحرب بين اولئك الذين يملكون كل شيء وبين المعدمين؟ كيف يستأصل الراديكالية الاسلامية دون استئصال الاسباب التي ادت الى نموّها؟ كيف يمكن مصالحة الشعوب المعدمة، وفي نفس الوقت مواصلة دعم الانظمة العربية التي تدوس على الحقوق الاساسية لشعوبها؟

على امريكا ايجاد الطريق للخروج من ازمتها العويصة في الشرق الاوسط. الهدف هو عام 2012، العام الذي سيرشح فيه اوباما نفسه لولاية ثانية. الاهداف التي وضعها اوباما نصب عينيه كبيرة جدا، والطريق الى تحقيقها شائكة وصعبة. حتى عام 2012 سيكون على الجيش الامريكي الانسحاب نهائيا من العراق، وهذا يتطلب تغييرا في الظروف الموضوعية في المنطقة. سيكون على اوباما ايضا انهاء النزاع العربي الاسرائيلي على اساس دولتين لشعبين، ان يهزم طالبان في افغانستان، ان يمنع استيلاء المتطرفين على الذرة في باكستان، ان يصلح بين الشيعة، السنة والاكراد في العراق، ان يمنع اتساع النفوذ الايراني، ان يجبر حماس على الاعتراف باسرائيل، وان يعيد الوحدة بين غزة والضفة. مهمات صعبة ومعقدة، وغير قابلة للتحقيق. بيبي نتانياهو يركن الى ان رؤية اوباما ستتحول مع الوقت الى ذكرى حالمة لم تتحقق.

غير ان التحدي الحقيقي امام اوباما ليس المصالحة مع العالم الاسلامي وتحقيق السلام العالمي. المهمة الصعبة والحقيقية امامه هي إخراج امريكا من الازمة العميقة التي دخلتها، هذا ما انتخب لأجله. الازمة الاقتصادية الرأسمالية هي التهديد الرئيسي على السلام العالمي. ليس الاسلام الاصولي هو ما يهدد العالم، بل سيطرة اقلية من اصحاب المليارات التي تلعب بمصائر البشرية في اسواق المال العالمية. عدو الشعب الامريكي ليس شيخا متطرفا يختبئ في كهوف تورا بورا، بل البنوك الامريكية التي تسيطر على السياسة والاقتصاد في الولايات المتحدة والعالم. انها هي السبب الرئيسي للفقر، لانعدام الديمقراطية، لانتهاك حقوق الانسان. باسمهم ولاجلهم شن بوش حربه الشعواء على العالم.

الامبراطورية تغرب، وخطاب اوباما يعبر عن هذا الامر باكثر من طريقة. انها تغرق في الديون وتلاقي صعوبة في السيطرة على النزاعات التي خلقتها بنفسها في انحاء العالم. الشعب الامريكي يريد العمل، التعليم، الصحة، امورا اساسية عجز قادته عن توفيرها له. كيف ستحارب امريكا الفقر في العالم، اذا كان ملايين العمال والموظفين على ارضها هي يُلقَون للبطالة ويفقدون بيوتهم؟

اوباما هو خطيب بارع وثقافته واسعة، ولكنه لم يوفّق في جلب الاشخاص الملائمين للعمل معه في البيت الابيض لتحقيق ما وعد به. ممثّلو البنوك هم الذين يقررون السياسة في الادارة الامريكية، واوباما يريد انقاذ النظام الاقتصادي، اقتصاد السوق الحرة، لا تغييره. من هنا خيبة الامل كبيرة من القائد الذي كان بمقدوره ان يتوجه الى شعبه والى العالم بكلمات واضحة والقول ان النظام الاقتصادي انهار، ان الرأسمالية قادتنا الى كارثة، وان المطلوب ليس مجرد "تغيير" بل ثورة بكل المفاهيم.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__318
21.11.2017, 23:11