تاريخ النشر ٣١/٠٣/٢٠٠٩

شؤون محلية

الاحزاب العربية: ازداد العدد ولم تزدد القوّة!لنبدأ من النتائج

سامية ناصر

تزامنت زيادة عدد أعضاء الكنيست العرب مع تقلّص حادّ في عدد مقاعد اليسار الإسرائيلي، ممّا يعني أنّ النشاط البرلماني من سنّ قوانين والتأثير على القرار السياسي سيكون محدودًا. وفي ظلّ فقدان البرامج السياسية لدى الأحزاب العربية واستمرار انعزالها عن المجتمع الإسرائيلي، فإنّ زيادة عدد مقاعدها في الكنيست لن تحلّ المشاكل الأساسية التي يعاني منها جمهور ناخبيها.

في حين انخفضت نسبة التصويت القطرية في الانتخابات الأخيرة التي بلغت 52% (مقارنة مع 56% في الانتخابات السابقة)، إلاّ أنّه رغم ذلك ورغم ارتفاع أصوات المنادين بالمقاطعة، مع إحساسهم أنّ الشارع العامّ يأس من إمكانية تحسين ظروف معيشته من خلال الكنيست، نجحت الأحزاب العربية الثلاثة باجتياز نسبة الحسم، وخاصّة التجمّع الوطني، وإدخال 11 عضو كنيست من الأحزاب العربية.

ما يستحوذ اهتمامنا في هذا الموضوع هو تأثير السياسة على المواطنين العرب في البلاد، وكيف نجحت الأحزاب العربية الثلاثة، رغم غياب النقاش السياسي في الساحة المحلّية، في زيادة قوّة تمثيلها في الكنيست. فقد تميّزت هذه الانتخابات عن سابقاتها بإحجام المصوّتين التاريخيين للأحزاب الصهيونية من منح أصواتهم لها وتحوّلهم إلى التصويت للأحزاب العربية في أعقاب المذابح التي شهدتها غزّة، الأمر الذي ألغى تقريبًا وجود حزب العمل في الوسط العربي، وزاد عدد أعضاء الكنيست من الأحزاب غير الصهيونية.

الأمر الذي بان جليًا في المعركة الانتخابية الأخيرة كان (وهذا ليس أمرًا جديدًا) غياب النقاش السياسي. فقد اتّفقت الأحزاب على دعم غزّة وترهيب المواطنين من ليبرمان، الذي كان له أثر مزدوج؛ فقد أدّى إلى ازدياد عدد المصوّتين لليبرمان، واستفادت هي بأن حازت على تعاطف الجماهير العربية، خاصّة التجمّع، خوفًا من هدر عشرات آلاف الأصوات.

الحرب والانتخابات

تزامنت الانتخابات للكنيست الأخيرة مع حدثين هامّين؛ الأزمة الاقتصادية التي هزّت أركان الاقتصاد العالمي والتي ما زالت آثارها تتفاقم وتزداد، والحرب على غزّة. إلاّ أنّ الأحزاب العربية تجاهلت الأزمة الاقتصادية وبنت حملتها الانتخابية على الحرب على غزّة.

لقد وفّرت الحرب الأخيرة برنامج عمل ومواضيع للنقاش للأحزاب الثلاثة. فانتقلوا من مظاهرة إلى أخرى وتمحور النقاش، خاصّة بين التجمّع والجبهة، في مَن هو الأكثر وطنية والأكثر دعمًا لحماس ومَن الذي يقبل ولا يقبل بحلّ الدولتين. فتنافست الأحزاب الثلاثة لتثبت ولاءها لحماس وتبنّيها النضال الفلسطيني، وبلغ الأمر إلى حدّ تبادل التهم بين التجمّع والجبهة بأنّ الحزب الآخر هو حليف لسلطة أبو مازن المتّهمة بالعمالة وبالتآمر على غزّة وحكومة حماس.

الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، الذي كان شعاره مقاطعة الانتخابات، اتّهم الأحزاب الثلاثة، وخاصّة الجبهة والجناح الجنوبي للحركة الإسلامية وبحقّ، بأنّها تستغلّ دماء الفلسطينيين لتبني حملتها الانتخابية. في مقابلة لموقع بانيت، نادى الشيخ كمال خطيب بعدم إقحام دماء قتلى غزّة في الانتخابات. ويقول كمال خطيب في هذا الصدد: "أنا لا أرضى بأن يلوّح ببطولات غزّة هؤلاء الذين كانوا يتهكّمون على حماس ويقولون إنّهم انقلابيون، وينعتونهم بميليشيا حماس وإمارة حماستان، كما يرد في أدبياتهم ومقالاتهم الآن ".

الحقيقة أنّ استغلال الأحزاب العربية للحرب على غزّة بدا واضحًا في حملاتهم الانتخابية؛ ففي اجتماع في الناصرة دعت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة إلى تأييدها بكلّ قوّة ليكون هذا ردًّا سياسيًا جماهيريًا على سياسة الحرب الإجرامية التي يشنّها حكّام إسرائيل وجنودها ضدّ شعبنا في غزّة (بانيت 18.1).

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يفسّر لنا مَن يدعو للتصويت للجبهة كردّ على الحرب، وجوده في ائتلاف مريب في الهستدروت التي دعم رئيسها عوفر عيني الحرب، ووجوده في ائتلافات في البلديات المختلفة مع حزب العمل وكاديما ولم ينسحب حتّى كاحتجاج على تأييد رؤساء هذه البلديات للحرب؟

التجمّع، على سبيل المثال، يقترح إعادة بناء لجنة المتابعة العليا وإقامة صندوق قوميّ النهج لبناء المجتمع العربي، لكن دون التطرّق إلى قضية انتخاب رؤساء السلطات المحلّية لانتماءاتهم العائلية أو الطائفية، ودون التطرّق للمعارك الطاحنة التي ترافق الانتخابات المحلّية، والتي يحبس المجتمع العربي فيها أنفاسه إلى أن تمرّ بسلام. هذه المعارك الطاحنة التي سيقبل نتائجها مَن سيسيطر على الميزانيات التي تأتي من الحكومة، وسيرفضها وسيشعلها نارًا مَن لم تتّفق نتائجها الديمقراطية مع طموحاته الشخصية.

انتهت الانتخابات، لكنّ الجبهة والتجمّع يبدوان كمَن يستعدّ للانتخابات القادمة، فالنقاش بينهما لا يزال في أوجه، ويتسابق كلّ منهما على استفزاز ليبرمان واليمين المتطرّف. نرى حنين زعبي تقسم يمين الولاء للدولة في مراسيم دخولها الكنيست وتغادر بحركة استفزازية القاعة عند سماعها النشيد الوطني للدولة "هتكڤا". فلا تنفكّ زعبي ومَن معها باتّهام الدولة ومؤسّساتها بكلّ مشاكل المجتمع العربي، وأنّ الاحتلال هو علّة كلّ هذه المشاكل، وكلّما علا صوتها ضدّه ارتاح ضميرها.

ما ميّز هذه الأحزاب في الانتخابات الأخيرة، وبدون استثناء، دعمها للمقاومة الفلسطينية واستعمالها نفس الخطاب، الذي يقود إلى عزل الجماهير العربية ويسهّل على الأحزاب اليمينية التحريض على العرب. إنّ دعم العرب والأحزاب للمقاومة صوّرهم كالمتطرّفين وأدّى إلى تهميشهم أكثر فأكثر عن المشهد الإسرائيلي العامّ، دون أن يحقّق ذلك أيّ حلّ لا للقضية الفلسطينية، ولا للقضايا الأساسية التي تعصف بهذا المجتمع، وأهمّها البطالة والفقر والاستغلال.

الفساد وانعدام العمل الميداني

رغم الشعارات القومية الرنّانة التي تطلقها هذه الأحزاب، إلاّ أنّها تفتقر لبرنامج عمل واقعي لحلّ القضايا الحياتية الأساسية التي تواجه المجتمع العربي، وقد تنازلت عن جَسْر الهوّة بين العرب واليهود في المجتمع الإسرائيلي، والبحث عن حلفاء لها من بين صفوفه. لقد تنازلت كلّ هذه الأحزاب عن إحداث تغيير جذري في المجتمع وسلّمت بالأمر الواقع، لا بل وسعت للاستفادة قدر الإمكان من أمراضه الطائفية والعائلية ومن تطرّفه وغير ذلك.

تكمن المأساة الحقيقية في تذليل كلّ الوسائل، حتّى غير المشروعة منها، لاجتذاب الأصوات في هذه الانتخابات. فقد نابت هذه الأحزاب عن الناخبين الذين لم تشجّعهم حالة الطقس يوم الانتخابات للخروج للإدلاء بأصواتهم بشرائها مقابل كوبونات البنزين.

يشير كلّ هذا إلى أنّ هذه الأحزاب المبنية على فساد المجتمع وتحويل المصلحة الشخصية فيه إلى قيمة عليا، شريكة مع الدولة في ترسيخ مفاهيم أدّت بهذا المجتمع إلى حالة من التفسّخ الاجتماعي وانتشار الجريمة التي معدّلها حالة قتل أو محاولة قتل يومية في الوسط العربي.

باتت معالم الصفقة واضحة: فالأحزاب تجنّد الأصوات للكنيست من المجتمع القبلي الحمائلي، وهي بدورها تدعم هذه الحمائل في انتخابات المجالس المحلّية، وهكذا يحصل كلّ من الطرفين على مبتغاه. تستمرّ الحناجر من كلّ منبر في الكنيست وغيرها في إصدار التصريحات المتطرّفة، فتُلتقَط صورة لعضو الكنيست وبذلك يبني شعبيته.

أضِف إلى ذلك الاستياء العارم بسبب غياب العمل الميداني، والاكتفاء عوضًا عنه بالكنيست كمنبر وحيد للنضال والنشاط السياسي. ولكنّ الفشل الميداني قد جرّ وراءه أيضًا فشلاً برلمانيًا؛ فقد همّش الأحزاب العربية داخل الكنيست. لو وضعت هذه الأحزاب برامج عمل واقعية لوجدت أنصارًا وشركاء لها في الشارع الإسرائيلي. ولكن غياب هذه البرامج، التي يمكن أن تحقّق مكاسب ولو متواضعة، يهدّد عمليًا بهدر عشرات آلاف الأصوات التي أتاحت لها دخول الكنيست.

تزامنت زيادة عدد أعضاء الكنيست العرب مع تقلّص حادّ في عدد مقاعد اليسار الإسرائيلي، ممّا يعني أنّ النشاط البرلماني من سنّ قوانين والتأثير على القرار السياسي سيكون محدودًا. وفي ظلّ فقدان البرامج السياسية لدى الأحزاب العربية واستمرار انعزالها عن المجتمع الإسرائيلي، فإنّ زيادة عدد مقاعدها في الكنيست لن تحلّ المشاكل الأساسية التي يعاني منها جمهور ناخبيها.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__304/الاحزاب_العربية_ازداد_العدد_ولم_تزدد_القوّة!لنبدأ_من_النتائج
11.12.2017, 02:12