تاريخ النشر ٢٦/٠٣/٢٠٠٩

شؤون محلية

أمّ الفحم ودولة إسرائيل

ميخال شفارتس

إذا استمرّت دولة إسرائيل في التعامل بتسامح مع مخلّي القانون اليهود وعدم التعامل مع مواطنيها العرب بعدالة ومساواة وعدم تخصيص ميزانيات لهم وعدم توفير أماكن عمل لهم ، فإنّها تهيّئ الفرصة لهبّات عنف لم ترَ لها مثيلاً. من المؤكّد أنّ المسيرة العنصرية في أمّ الفحم، التي هدفت إلى إذلال المواطنين العرب في إسرائيل، لا تشير إلى تغيير في هذا الاتّجاه.

قام مئة من المستوطنين المتطرّفين، يلوّحون بأعلام إسرائيل، بمسيرتهم الاستفزازية في أطراف مدينة أمّ الفحم في 24 آذار تحت حماية 2500 شرطيّ. إذًا، ما هي عناصر هذه القصّة؟ مسيرة استفزازية قامت بها ثلّة احترفت كراهية العرب، شباب عرب يرمون الحجارة، عشرات الجرحى، عدد من المعتقلين، الكثير من التصريحات المدوّية.

ماذا كان هدف هذا الحدث "التاريخي"؟

باروخ مرزيل وإيتمار بن چڤير وزمرتهم، يدّعون أنّ هدفهم كان الإثبات لسكّان أمّ الفحم أنّهم جزء من دولة إسرائيل، لأنّهم غير مخلصين للدولة. هذا الادّعاء مضحك. الحقيقة أنّ دولة إسرائيل ليست مخلصة لسكّان أمّ الفحم ولم ترَ فيهم أبدًا مواطنين متساوين حقيقيين. دولة إسرائيل هي التي سلبت جزءًا كبيرًا من أراضيهم وأحاطتهم ببلدات يهودية وبمعسكرات للجيش وبمحميات طبيعية، وجعلت من أمّ الفحم چيتو عربيًا.

لمعظم الوزارات الحكومية حضور في أمّ الفحم، إلاّ أنّ هذا الحضور كاذب ومذلّ ومميِّز ينكّد حياة سكّانها. تحرص وزارة الأمن الداخلي على أن يكون حضورها ملموسًا جيّدًا في أمّ الفحم، ولا تتوانى عن إطلاق نيران بنادقها الحيّة على سكّانها في مناسبات مختلفة.

وزارة الداخلية تحرص على عدم معالجة مشاكل هذه المدينة التي تعاني من الكثافة السكّانية العالية، ولا تمدّها بميزانيات التطوير التي تحتاجها. المدارس في أمّ الفحم، التي من مسؤولة وزارة التربية، هي من الدرجة الثانية ولا توفّر أيّة فعاليات اجتماعية لشبابها؛ وزارة الصناعة والتجارة والتشغيل لا تسعى إلى إقامة منطقة صناعية في أمّ الفحم أو تشجيع الصناعة المحلّية فيها، وتضطرّ سكّانها للعمل والتعلّق بالمناطق الصناعية في المدن اليهودية، حيث يكونون أوّل مَن يتعرّض للاستغلال وللفصل. لوزارة الصناعة والتجارة والتشغيل قسط كبير من المسؤولية عن الفقر الذي تعاني منه المدينة، وعن عدم استطاعة معظم نسائها إيجاد مكان عمل قريب؛ وزارة المواصلات لا تعالج مشاكل المواصلات في المدينة، فمَن لا يملك سيّارة لا يمكنه التدبّر، ومَن لديه سيّارة يعاني من السفر في أزقّتها الجبلية والضيّقة. وزارة الصحّة تحرص كلّ الحرص على عدم بناء مستشفى في المدينة، وتوفير علاج طبّي لسكّانها يرقى لمستوى عالٍ، وغير ذلك من التمييز.

يشعر سكّان أمّ الفحم جيّدًا بكونهم مواطنين في دولة إسرائيل، لكنّهم مواطنون من الدرجة الثانية. لا حاجة لتذكيرهم بذلك كّل مرّة من جديد. ما هو وجه العجب إذًا في انسياقهم وراء الشعارات المتطرّفة، بعد عقود من سياسة التمييز والفقر؟

أعضاء الكنيست العرب الذين لا يفوّتون فرصة لمواجهة اليمين المتطرّف، الذي يوفّر لهم من جهته فرصًا كثيرة لذلك، يدّعون أنّ ما يقف وراء هذه الأحداث مؤامرة الترانسفير المعهودة. إلاّ أنّه في الواقع الذي نعيشه في سنة 2009، الذي فيه أوباما رئيس الولايات المتّحدة وهناك الرأي العامّ الأوروبي والتعاون القائم بين إسرائيل ومصر والأردن والسعودية، وكاميرات السي. إن. إن والجزيرة، فإنّ آخر أمر يمكن أن تقوم به أو ترغب فيه إسرائيل هو طرد السكّان العرب. تكتفي دولة إسرائيل بتركهم في هامش المجتمع الإسرائيلي وتجاهلهم.

تدّعي المحكمة العليا والشرطة أنّهما تحميان الديمقراطية الإسرائيلية. حسب هذا المنطق، المجتمع الذي يمنح شرعية واحترامًا للمستوطنين، لا يمكنه منعهم من القيام بمسيرة "في كلّ مكان في دولة إسرائيل". تشير مثل هذه الحماية للديمقراطية فقط إلى مدى تحوّل المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع يميني في السنوات الأخيرة، وإلى حقيقة أنّ الكراهية للعرب ليست مشروعة فحسب، بل تلقى رواجًا أيضًا.

المستوطنون يشكّلون خطرًا، ليس على سكّان أمّ الفحم بالذات، وإنّما على المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي يستسلم لهم ويغضّ الطرف عن جرائمهم. في طريقهم إلى المسيرة، المستوطنون الذين يدّعون أنّ سكّان أمّ الفحم مخلّين بالقانون، كانوا يردّدون أغاني مدح وثناء ليچئال أمير، اليهودي الذي قتل رئيس حكومة إسرائيلي لأنّه تعاون مع أحزاب عربية.

عمليًا يتّخذ المستوطنون أمّ الفحم ذريعة لإثبات وجودهم في الساحة السياسية في إسرائيل والحصول على شرعية بعد أن كانوا على الهامش سنوات كثيرة. عندما يهاجمون سكّان الخليل لا يحظى ذلك بأيّ عنوان في الإعلام الإسرائيلي، لكن عندما يأتون لإذلال سكّان أمّ الفحم، في قلب الدولة، يحظون بشرعية المحكمة وبحماية آلاف الشرطيين وكذلك بتأييد جماهيري. إلاّ أنّ ليبرمان كان قد اكتشف هذه المعادلة من قبلهم.

وراء مطالبهم الديمقراطية المزعومة تتوارى أيديولوجية متسلّطة وغير ديمقراطية ودينية متطرّفة. إنّهم فاشيّون يرون في اليساريين خونة، وهم على استعداد للذهاب إلى أبعد من أمّ الفحم لإسكاتهم.

إذا استمرّت دولة إسرائيل في التعامل بتسامح مع مخلّي القانون اليهود وعدم التعامل مع مواطنيها العرب بعدالة ومساواة وعدم تخصيص ميزانيات لهم وعدم توفير أماكن عمل لهم ، فإنّها تهيّئ الفرصة لهبّات عنف لم ترَ لها مثيلاً. من المؤكّد أنّ المسيرة العنصرية في أمّ الفحم، التي هدفت إلى إذلال المواطنين العرب في إسرائيل، لا تشير إلى تغيير في هذا الاتّجاه.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__301/أمّ_الفحم_ودولة_إسرائيل
20.11.2017, 15:11