تاريخ النشر ٢٩/٠٣/٢٠٠٩

شؤون اسرائيلية

براك ينقذ اليمين

يعقوب بن افرات

حاول براك أن يستفيد من الحرب على غزّة حين استعاد مكانته كقائد عسكري قدير. إلاّ أنّ الحماس القومي في إسرائيل رفع من مكانة الأحزاب اليمينية المتطرّفة، في الوقت الذي فقد اليسار فيه رصيده الانتخابي. وإذا كانت خطوة براك قد أدّت إلى تصفية حزب العمل كبديل سلطوي، جاءت خطوة عوفر عيني بمثابة تصفية لدور الهستدروت كنقابة تدافع عن العمّال أمام الحكومة الرأسمالية وأرباب العمل.

صرّح زعيم حزب العمل إيهود براك ليل الهزيمة النكراء بأعلى صوته، بعد أن اتّضحت نتائج الانتخابات الأخيرة، بأنّ الجمهور الإسرائيلي يريد أن يرى حزب العمل في المعارضة. ولكنّه ومنذ تلك اللحظة بدأ بخطواته الحثيثة من أجل إدخال حزب العمل إلى الائتلاف الحكومي وضمان حقيبة وزير الدفاع لنفسه. النفاق السياسي أصبح ميزة ثابتة لدى حزب العمل، والكلام لا يعبّر أبدًا عن نيّة قائليه؛ فزعامة هذا الحزب مستعدّة للتضحية بكلّ مبدأ من أجل كرسي الوزير، والأمر لا يقف عند حدّ ببراك، بل يتعدّاه إلى وزراء كفؤاد بن إليعيزر وشالوم سمحون ويتسحاق هرتسوچ.

كانت نتيجة الانتخابات واضحة للجمهور الإسرائيلي؛ فقد حازت كتلة اليمين على أغلبية مطلقة، 65 مقعدًا من أصل 120. ولكنّ هذه النتيجة هي تعبير عن عقدة من الصعب حلّها. فقد حصل حزب الليكود على 27 مقعدًا فقط، أقلّ من كاديما، بينما حصل حزب أڤيچدور ليبرمان "إسرائيل بيتنا" على 15 مقعدًا، وحازت الأحزاب الدينية وحزب المستوطنين المتطرّف على بقية المقاعد. فرضت هذه النتيجة على الليكود تشكيل حكومة يمينية متطرّفة يوحّدها مبدأ الرفض المطلق لكلّ تسوية مع العرب والفلسطينيين.

مناورات براك

لقد تعلّم نتانياهو من تجربته السابقة كرئيس للحكومة بأنّ حكومته ستبقى مشلولة وستسقط دون إتمام مدّتها القانونية كما حدث في سنة 1999، إذا خاض أيّ نوع من المفاوضات مع العرب. ولكن كيف يمكن لأيّ حكومة إسرائيلية أن تعلن رفضها لكلّ مفاوضات أو تنازل وانسحاب من الأراضي المحتلّة في الوقت الذي بدأت فيه الإدارة الأمريكية الجديدة، ومنذ أوّل يوم، بتحرّكات سياسية هدفها حلّ القضية الفلسطينية على أساس "دولتين للشعبين"؟ نتائج الانتخابات الواضحة خلقت وضعًا سياسيًا معقّدًا لا يتيح تشكيل حكومة مستقرّة إلاّ إذا انضمّ إليها أحد أحزاب الكتلة اليسارية كحزب العمل أو كاديما.

وكان موقف تسيپي ليڤني زعيمة كاديما واضحًا بعد أن أدركت أنّ نتانياهو موجود في ورطة، وطلبت مقاسمته بالتساوي في كلّ شيء؛ تناوب على رئاسة الحكومة واعترافه الصريح بمبدأ الدولتين للشعبين. كانت هذه بمثابة مناورة لتفكيك الكتلة اليمينية أكثر منها نيّة حقيقية للتعاون مع الليكود. في الواقع قرّرت تسيپي ليڤني أن تحذو حذو نتانياهو عندما انتظر في المعارضة حتّى سقطت حكومة أولمرت الحالية.

في هذه الأثناء جاء براك ليحبط مخطّط تسيپي ليڤني في اقترابه من نتانياهو باحثًا عن مكان له في الائتلاف. وكان براك هو من بدأ بإسقاط حكومة أولمرت عندما اشترط بقاءه في الحكومة باستقالة أولمرت، هذا بعد أن قرّر المستشار القضائي للحكومة تقديم لائحة اتّهام ضدّه. وقام براك بهذه الخطوة بتنسيق كامل مع ليڤني ، التي خلفت أولمرت في رئاسة حزب كاديما، وحاولت بدون نجاح تشكيل حكومة جديدة تحكم حتّى إتمام مدّتها القانونية. وكان أحد أسباب فشلها، تضييع الوقت في المفاوضات الطويلة مع براك، الذي طالب بمنحه امتيازات في الحكومة، الأمر الذي أغضب حزب شاس وأدّى إلى انسحابه من الائتلاف بتنسيق مسبق مع نتانياهو.

وبعد أن أسقط حكومة أولمرت لم يكتفِ براك بمناوراته السياسية، بل حاول الاستفادة من الحرب الأخيرة على غزّة، التي حظيت بإجماع قومي واسع النطاق، واستعاد مكانته كقائد عسكري قدير. إلاّ أنّ الحماس القومي في إسرائيل رفع من مكانة الأحزاب اليمينية المتطرّفة وعلى رأسها حزب ليبرمان، في الوقت الذي فقد اليسار فيه رصيده الانتخابي، وقد فقد حزب العمل تحديدًا 6 مقاعد، ثلث تمثيله البرلماني. المصوّتون التقليديون لحزب العمل انتقلوا إلى حزب كاديما الذي أصبح الحزب البديل لليكود، بينما فقد حزب العمل هذه المكانة التي احتكرها لمدّة ثلاثين عامًا.

وتعتبر المناورة الأخيرة انتحارًا سياسيًا، ليس بسبب النفاق والسعي إلى تحقيق أهداف شخصية ضيّقة فحسب، بل لأنّ الانضمام إلى حكومة اليمين المتطرّف أحدث انشقاقًا عميقًا في حزب العمل إلى معسكرين، لا شيء يربط بينهما سوى اسم الحزب. فما قام به براك هو بالنسبة لمعارضي الانضمام إلى الحكومة، تصفية لحزب العمل كبديل سلطوي لليمين يسعى إلى الوصول لقيادة الدولة كما فعل في السنوات السابقة. وفي حين أنقذ براك نتانياهو بانضمامه إلى حكومته، فقد فتح الساحة السياسية واسعًا لحزب كاديما ليكون المعارضة الوحيدة لحكومة اليمين والبديل السلطوي الوحيد ليحلّ مكانها في المستقبل.

وقد استخدم براك كلّ الأساليب الممكنة من أجل إجبار حزبه على الموافقة على خطوته، فقد جنّد رئيس الهستدروت عوفر عيني من أجل تبرير موقفه. تدخّل رئيس الهستدروت عند نتانياهو بذريعة الوضع الاقتصادي الصعب وضرورة إنقاذ البلاد من الكارثة الاجتماعية ومن البطالة، والطريق الوحيد لذلك هو التعاون مع نتانياهو وضمان نجاحه في منصبه. نرى زعيم الهستدروت قد بدأ بتهيئة مستقبله السياسي، وعرض نفسه كمنقذ للدولة وللطبقة العاملة، وبذلك رفع من مكانته وشعبيته. وفي حين أدّت خطوة براك إلى تصفية حزب العمل كبديل سلطوي، كانت خطوة عوفر عيني بمثابة تصفية لدور الهستدروت كنقابة تدافع عن العمّال ضدّ الحكومة الرأسمالية وأرباب العمل الذين يسعون بكلّ الوسائل للحفاظ على أرباحهم.

أزمة قيادية

ما تمخّض عن كلّ هذه المناورات السياسية هي حكومة غريبة الأطوار، يشغل فيها الحزب الحاكم مناصب وزارية هزيلة مقارنة بشركائه في الائتلاف، الأمر الذي سيؤدّي حتمًا إلى إثارة مشاكل داخل حزب الليكود نفسه من قبل العناصر التي استثنيت من الحكومة. من ناحية أخرى، الانشقاق في حزب العمل ستكون له آثار كبيرة أيضًا، لأنّ عدد الحقائب الوزارية التي منحت له هو أكثر من عدد أعضاء الكنيست الذي سيدعمون الحكومة. فمن أصل 13 عضوًا ستّة فقط سيدعمون الحكومة دعمًا كاملاً، وهؤلاء هم الذين سيشغلون المناصب الوزارية.

من هنا، ما حصل مع انضمام حزب العمل إلى حكومة نتانياهو هو أزمة كبيرة في حزب العمل، وأزمة مستقبلية داخل حزب الليكود، واختفاء دور الهستدروت كنقابة تدافع عن العمّال في خضمّ الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تهدّد بازدياد نسبة البطالة والفقر، وغموض كامل حول موقف الحكومة إزاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وسياستها لمعالجة الأزمة الاقتصادية. فعاجلاً أم آجلاً ستظهر الخلافات بين ليبرمان المتطرّف كوزير للخارجية وبراك كوزير للدفاع حول قضايا جوهرية، وبين كلّ أحزاب الائتلاف التي هدفها الأساسي هو التواجد في الحكم وشغل المناصب الوزارية والحصول على ميزانيات أكبر، وليس تنفيذ برنامج سياسي واقتصادي واضح ينقذ إسرائيل من الورطة التي وقعت فيها.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__300/براك_ينقذ_اليمين
23.10.2017, 09:10