العدد ٢١١, تشرين اول ٢٠٠٧

فكر ورأي

إجماع جديد

اقترب مؤتمر انابوليس، حتى وإن لم يتعين موعده بعد ولم تُحدَّد قائمة المدعوين اليه. فالامر الوحيد المؤكد هو ان الولايات المتحدة مصممة على عقده، والخروج منه باتفاق مبادئ من ورقتين. يشمل الاتفاق الخطوط العريضة للحل النهائي، دون الخوض في التفاصيل المتعلقة بالقضايا الجوهرية أي الحدود والقدس واللاجئين. الهدف الاساسي من المؤتمر خلق افق سياسي لإقامة الدولة الفلسطينية، وستكون هذه المرة الاولى التي يذكر فيها مصطلح "الدولة الفلسطينية" في وثيقة رسمية تلزم اسرائيل والسلطة الفلسطينية.

ومن المفترض ان يكون هذا الاتفاق مقدمة لمفاوضات تفصيلية بين اسرائيل والفلسطينيين، حول القضايا الجوهرية التي تم تجاهلها في اتفاق اوسلو وبقيت عالقة منذ ذلك الحين. هذه المرة ستكون المفاوضات على الحل النهائي، وليس على اتفاق مرحلي كما ارادت اسرائيل. شعار اسرائيل اقامة "دولة فلسطينية في حدود مؤقتة"، شُطب من جدول الاعمال، وحل محله مصطلح الدولة الثابتة مع الحدود الواضحة، وهو بلا شك انجاز للفلسطينيين.

انجاز جزئي ومحدود. ففي المقابل سيكون على الفلسطينيين تقديم تنازلات مبدئية حسبما ينص اتفاق المبادئ المطروح في انابوليس. التنازل الاول يرد تحت عنوان "تبادل الاراضي"، ويفرض على الفلسطينيين قبول وعد بوش لشارون بضم الكتل الاستيطانية للسيادة الاسرائيلية وتعويض الفلسطينيين باراض بديلة داخل الخط الاخضر. الشيء الوحيد الذي سيتم التفاوض عليه في هذا الشأن بعد المؤتمر، هو مساحة الكتل الاستيطانية، فهل تكون 8% من ارض الضفة الغربية او ان اسرائيل ستكتفي ب6%؟

التنازل الثاني يتعلق بالقدس. توافق اسرائيل على "التنازل" للفلسطينيين عن بعض الاحياء العربية مثل جبل المكبر والولجة. ولكن هذه القرى المحيطة بالقدس لم تكن اصلا جزءا منها زمن الحكم الاردني، اما القدس الاصلية التي تشمل الاماكن المقدسة فستبقى تحت السيطرة الاسرائيلية.

غني عن البيان ان هذا التنازل الفلسطيني الكبير والتاريخي، سيحول الدولة الفلسطينية الى مجمّع اقليمي مشوّه، محاصر بالمستوطنات منزوع السيادة والسلاح. ولكن حتى هذا التنازل لا يكفي لتنفيذ اتفاق المبادئ المتوقع في انابوليس. فالاتفاق يعتمد على "خريطة الطريق" التي تعتبر جزءا لا يتجزأ منه. هذه الخريطة التي وافق عليها الفلسطينيون قبل عدة سنوات وصلت الى طريق مسدود، لانها اشترطت تنفيذ الخطوات الاسرائيلية بقيام السلطة الفلسطينية بالقضاء على الارهاب اولا. وهو امر كان مستحيلا زمن عرفات، ومستحيل اليوم اكثر خاصة بعد أحداث غزة التي انقلب فيها "الارهاب" على السلطة الفلسطينية وطردها من القطاع.

لماذا اذن كل هذه الضجة حول مؤتمر انابوليس، وما الضرورة لجلب نصف العالم العربي واوروبا الى مؤتمر لا يضمن احد نتائجه؟ يمكن في هذا الشأن الاستفادة من اجابة الوزير حاييم رامون والمفاوض الفلسطيني صائب عريقات، وكلاهما يشيران الى ان اهداف المؤتمر هي سياسية اكثر منها عملية.

يدعي رامون ان المؤتمر يسعى لخلق إجماع جديد بين الفلسطينيين والاسرائيليين حول الدولة الفلسطينية، يشمل كل المعتدلين ويستثني كل المتطرفين. ويلمّح الوزير الاسرائيلي بذلك الى ان هدف الاجماع الجديد هو إضعاف معارضي اولمرت، وعلى رأسهم زعيم الليكود نتانياهو.

اما عريقات فيقول ان مبادئ الاتفاق معروفة ولا حاجة للتفاوض بل جاء وقت التنفيذ. وكان عريقات في وقت سابق قد صرّح بان الانقلاب الذي قام به حماس لا يمكن القضاء عليه عسكريا، بمعنى ان على اسرائيل ان تقدم لابو مازن التنازلات الضرورية لاحباط مبررات حماس. واذا ترجمنا موقف عريقات والاجماع الجديد الذي يتحدث عنه رامون الى لغة سياسية نستنتج ان اتفاق انابوليس يهدف للقضاء على حماس سياسيا.

لقد اتفق اولمرت وابو مازن فيما بينهما على التصور المستقبلي للحل، ولكن ما يحدث على ارض الواقع يجعل هذا التفاهم مجرد رغبة غير قابلة للتنفيذ. ان وضع ابو مازن صعب جدا، وهو عاجز عن القضاء على حماس. انه عمليا في فخ: فإذا حقق طموح الفلسطينيين واتى لهم بدولة مستقلة على حدود 67 وأُزيلت المستوطنات، ستقول حماس ان الانجاز هو حصيلة الانتفاضة والنضال المسلح التي قادته هي؛ واذا فشل في ذلك فانه سيثبت ان معارضة حماس للمفاوضات كانت الموقف السليم.

من هنا، يبقى اتفاق المبادئ المقترح في انابوليس اعلان نوايا اكثر منه خطة ملموسة لإحقاق سلام دائم. وبما ان هناك اجماع بين يمين ويسار على هذه الحقيقة، فأي حاجة في عقد اجتماع لن يجر سوى المزيد من خيبة الامل والاحباط؟ قد يكون الجواب في العراق، حيث تورطت امريكا وتعقدت كل سياستها في الشرق الاوسط، وصار رئيسها جورج بوش يبحث عن كل قشة يتعلق بها لإنقاذ هيبته. "end"

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__3/إجماع_جديد
20.11.2017, 15:11