تاريخ النشر ١٥/٠٢/٢٠٠٩

حزب دعم

فيما يلي التقرير الذي ناقشته وأقرّته جلسة اللجنة المركزية لحزب دعم في 18/1/2009،

الانتخابات والحرب على غزّة

فرضت الحكومة الإسرائيلية أجندة الحرب والاحتلال في حملة الانتخابات الحالية. وسيكون لهذه الحرب تأثير مباشر على سير الانتخابات وعلى نتائجها، وحتّى على نسبة التصويت وتحديدًا في الوسط العربي. وحتّى إذا أراد الجمهور الإسرائيلي والجماهير العربية أن تركّز على الهموم الحياتية الاقتصادية والاجتماعية، جاءت الحرب على غزّة لكي تذكّرنا بأنّ القضية الفلسطينية والاحتلال سيبقيان الموضوع الرئيسي الوجودي الذي يوجّه السياسة في إسرائيل.

لم تكن هذه الحرب مفاجأة بالنسبة لحزب دعم، فهي حصيلة تطوّرات تاريخية بدأت منذ أن تمّ التوقيع على اتّفاق أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية في المناطق المحتلّة. وكانت المعارضة لهذا الاتّفاق سببًا سياسيًا رئيسيًا دفعنا إلى تأسيس حزب دعم. وكان صوتنا داخل إسرائيل وحيدًا ومعزولاً بعد أن اندفعت كلّ الأحزاب التي تدّعي السلام، بما فيها الأحزاب العربية، نحو دعم مطلق ومتحمّس لهذا الاتّفاق ولحزب العمل. إنّ هذه الحرب تتزامن مع الأزمة الرأسمالية العالمية التي أدخلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ركود اقتصادي عميق، الأمر الذي ستكون له إسقاطات سياسية عميقة على كلا البلدين. ومن هنا نرفق بهذه الوثيقة الفصل الأخير من وثيقة اللجنة المركزية الأخيرة حول مهمّات حزب دعم لنوسّع الرؤية حول طبيعة هذه الحرب ونتائجها المستقبلية.

وقد أوضحنا في مقالاتنا التي نشرت في مواقع "الصبّار" و"إتچار" في الإنترنت، موقفنا من الحرب الذي يضع المسؤولية العليا على دولة إسرائيل التي عمدت منذ تأسيسها إلى إدامة الاحتلال ومنع الشعب الفلسطيني من الحرّية والاستقلال. كما وعبّرنا عن موقفنا الواضح من نهج حماس من ناحية ونهج فتح من ناحية أخرى؛ إذ تتقاسم هاتان الحركتان مسوؤلية الكارثة التي حلّت بالشعب الفلسطيني. فالانقسام العميق بين شطرَي المناطق المحتلّة وبين سكّانها يساعد الاحتلال على شنّ حربه الشرسة ضدّ المدنيين الفلسطينيين.

ومن هنا، نودّ في هذه الوثيقة التركيز على انعكاسات هذه الحرب على حزب دعم، وكيف علينا أن نخوض حملة الانتخابات الراهنة. إنّ هذه الحرب تمثّل مفترق طرق سياسيًا، وهي تشبه ولكن بشكل مختلف أحداث أكتوبر 2000. فما يسمّى الانتفاضة الثانية كانت بمثابة نهاية لنهج أوسلو ونهاية الحلف بين العرب في إسرائيل وحزب العمل. وقد كانت نتيجة هذه الانتفاضة "السور الواقي" الذي دمرّ السلطة الفلسطينية وحاصر عرفات في المقاطعة في رام الله، وفتح المجال لتبنّي النهج المضادّ؛ "المقاومة".

وقد سجّلت "المقاومة" عدّة "انتصارات"؛ بدءًا بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ومن ثمّ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة، وتلاهما الانتصار "الإلهي" في حرب لبنان الثانية. وكان من المفترَض أن تُتوَّج هذه المقاومة بانتصار "إلهي" ثانٍ في الحرب على غزّة. وقد رفض حزبنا وبعناد الاعتراف بكلّ هذه الانتصارات، بل رأى فيها تراجعًا استراتيجيًا ملحوظًا للعرب وتقدّمًا استراتيجيًا كبيرًا لإسرائيل. ولم تتأخّر الأحزاب العربية في الانتقال من دعم نهج السلام المزيّف إلى دعم نهج الانتصارات المزيّفة، فهي لا تقود الجماهير بل تنجرّ وراء عواطفها.

لا ننكر التأثير الكبير والضحايا التي دفعتها المقاومة اللبنانية، والتي أدّت بالفعل إلى التنازل الإسرائيلي عن لبنان، ومع ذلك كان وراء هذا الانسحاب إنجاز استراتيجي هامّ لإسرائيل؛ وهو طرد سوريا من لبنان. وعلى غرار ذلك، كان الانسحاب من غزّة بسبب الاحتكاك المتواصل مع المقاومة الفلسطينية ةهدف إلى تحقيق مأرب استراتيجي هامّ، وهو إحكام السيطرة على الضفّة الغربية وإتمام الفصل بينها وبين غزّة. أمّا ما دفع بنا إلى التشكيك بهذه الانتصارات، فقد كان البرنامج الذي قامت عليه المقاومة. ففي لبنان كما في فلسطين، استُغلّت المقاومة ليس لمحاربة الاحتلال فحسب، وإنّما لبسط سيطرتها ونفوذها على لبنان وفلسطين على حساب النظام الشرعي الحاكم.

وقد دخلت لبنان وفلسطين في حالة من الحرب الأهلية؛ إذ تمّ استخدام السلاح، الذي كان من المفروض أن يوجَّه ضدّ الاحتلال فقط، ضدّ الشعبين اللبناني والفلسطيني في محاولة لفرض أجندة فئوية دينية شيعية كانت أو سنّية، مدعومة من قِبل أنظمة لا تمتّ بصلة بمصالح الشعبين اللبناني والفلسطيني، ولا بالطبقة العاملة والديمقراطية، كالنظام الإيراني والسوري والقطري. فقد اتّسمت هذه الدول الرجعية "بالثورية" وشكّلت معسكر "الممانعة" مقابل معسكر "عملاء" أمريكا وعلى رأسها السعودية ومصر. وقد رفضنا الانحياز لأحد المعسكرين، لكونهما أعداءً للطبقة العاملة ومصالحها وكلّ ما يريدانه الحفاظ على الأنظمة الفاسدة والاستبدادية - "الثورية" أو "العميلة"، وجميعهم دون استثناء يتعاونون مع أمريكا، وعلى رأسهم إيران وقطر اللتان دعمتا الحرب الأمريكية على العراق.

وقد جاءت الحرب على غزّة استمرارًا "للانتصارات" السابقة، وكان من المفروض أن تحدث كلّ ما أحدثته الحرب الأخيرة في لبنان: انشقاق إسرائيلي داخلي، إرباك الجيش بسبب الخسائر، انتفاضة عربية جماهيرية، فضح طبيعة الأنظمة "العميلة"، فضح سلطة رام الله، وأخيرًا الاعتراف بحكومة حماس في غزّة وسيطرتها الكاملة على غزّة والمعابر. ولكنّ شيئًا من هذا لم يحدث: حماس وحّدت الإسرائيليين، الجيش الإسرائيلي استعاد هيبته، لم تكن خسائر إسرائيلية كبيرة، العالم العربي انشقّ والضفّة الغربية ترفض الخروج بانتفاضة جديدة، وحماس اضطرّت إلى العودة إلى مصر بعد أن قاطعتها في شهر تشرين الثاني 2008 بسبب رفضها قبول ورقة المصالحة مع السلطة الفلسطينية، وهي تفاوض حول شروط وقف إطلاق النار من خلال الوساطة المصرية فقط.

إنّ ما يجري اليوم هو انقضاء فترة "الانتفاضة الثانية"، التي بدأت بعمليات انتحارية من الضفّة الغربية وانتقلت إلى غزّة بعد أن تمّ تشييد جدار الفصل واحتلال من جديد للضفّة الغربية. فمنذ ذلك الحين بدأت مرحلة حرب صواريخ القسّام التي قصفت جنوب إسرائيل. وإذا كانت أحداث أكتوبر 2000 نهاية لفترة أوسلو واليقظة الشعبية من وهم السلام، فما يجري الآن من كارثة ودمار في غزّة سيؤدّي إلى يقظة شعبية ثانية من وهم المقاومة. وقد دمّرت حركة فتح المسيرة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بإستراتيجية السلام المزيّف، وأتّمت حماس ذلك عندما منحت إسرائيل مبرّرات لشنّ حرب شاملة على غزّة دون أن تكون لها إمكانية الردّ على مثل هذا الهجوم.

إنّ مواقفنا من نهج فتح السلمي وحماس المقاوم لم تتبلور على أساس أخلاقي أو فئوي أو عقائدي؛ بل على أساس تقويم موضوعي لموازين القوى التي تسود الساحة العالمية بعد انهيار الاتّحاد السوڤيتي وتراجع الطبقة العاملة ومنظّماتها على مستوى عالمي. فكان تقويمنا عدم توافر إمكانية تحقيق الدولة الفلسطينية من خلال طاولة المفاوضات بسبب موازين القوى المنحازة لإسرائيل، أو إنهاء الاحتلال من خلال مقاومة مسلّحة تعتمد على إيران وتضامن الجماهير العربية. وقد طرحنا نهجًا بديلاً يستند إلى إعادة بناء الحركة الوطنية على أسس عمّالية كجزء من تجديد بناء الحركة الاشتراكية في شتّى أنحاء العالم، ولا نرى حلاًّ للقضية الفلسطينية خارج هذا السياق مهما طال الزمن، ورغم كوننا واعين لضعف الطبقة العاملة ورضوخها للنظام الرأسمالي في الوقت الراهن.

إسرائيل لن تستفيد من الحرب على غزّة

نجحت إسرائيل في الحرب على غزّة في استعراض عضلاتها وإثبات قدراتها التدميرية مرّة أخرى. الحقيقة هي أنّه بخلاف ما حدث في حرب لبنان، التي لم تكن إسرائيل فيها مستعدة للقتال (رغم ادّعاءات حزب الله المناقضة)، فقد خطّطت وجهّزت إسرائيل للحرب على غزّة. ومن المستهجن هو التقدير الخاطئ لحماس والفصائل الفلسطينية في غزّة لهذه الحقيقة واختيارها وقف التهدئة واستئناف القصف الصاروخي. وقد تمّ التنسيق مع الأنظمة العربية، وعلى رأسها مصر والسلطة الفلسطينية، عشيّة شنّ الهجوم على غزّة، ممّا منح إسرائيل غطاءً فلسطينيًا وعربيًا لعملياتها.

ومنذ اللحظة الأولى ظهرت إستراتيجية الجيش الإسرائيلي، الذي عمل على إحداث كارثة إنسانية في غزّة باستخدامه سلاح الجوّ لتدمير البنية التحتية، وقتل منهجي للمدنيين بحجّة استغلال حماس لهم كدروع بشرية، وهذا من أجل المسّ بسمعة حماس، وكشف عجزه عن الدفاع عن المواطنين الذين يخضعون لسيطرته. فبدلاً من مواجهة مقاتلي حماس، الأمر الذي كان سيكلّف الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية هائلة، استخدم الجيش الإسرائيلي القوّة النارّية الجوّية والمدفعية لقصف المناطق السكّانية، وإخلاء المواطنين أو قتلهم وتصفية كلّ مقاومة. هذا ما يسمّى الحرب غير المتكافئة التي يصبح فيها المواطنون العزّل هدفًا أساسيًا.

في الحقيقة لم تكن الحكومة الإسرائيلية معنية بإسقاط حكومة حماس، بل بإجبارها على قبول قواعد اللعبة التي تمّ الاتّفاق عليها في أوسلو. وكانت التهدئة الأخيرة فرصة منحت حماس الدخول في مفاوضات مع فتح من خلال الوساطة المصرية. وكان رفض حماس للورقة المصرية بمثابة الرصاصة الأولى التي أدّت إلى الحرب الحالية. وأصبح المواطنون العزّل وسيلة بيد إسرائيل تجبر من خلالهم حماس على قبول ما رفضته في المحادثات في القاهرة. وكل ما تريده حماس من قصف إسرائيل هو فتح المعبر في رفح ممّا يعني اعترافًا رسميًا بسلطتها في غزّة.

نقطة الضعف الإسرائيلية الأساسية هي عدم الرغبة في احتلال غزّة من جديد وحكمها مكان حماس. فإسرائيل تعرف حقّ المعرفة أن ليس لحماس بديل لإدارة غزّة، فخيار أبو مازن غير وارد في الوقت الحالي. وكلّ ما تريده إسرائيل هو قبول حماس مشاركة أبو مازن في السلطة وتنازلها عن المقاومة، وهذا يعني قيامها بما قامت به منظّمة التحرير الفلسطينية عندما ألغت ميثاقها الوطني ورضخت للإملاءات الإسرائيلية. حماس من طرفها رفضت هذا الأمر، ممّا أجبر إسرائيل على التعاطي معها ومساومتها، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر بوساطة مصرية، بهدف إبعاد الذراع العسكرية لحركة حماس، حتّى ولو بقيت حماس على برنامجها الأيديولوجي.

أمّا فيما يتعلّق بالجيش الإسرائيلي، فبعد عودته من القتال سيتبيّن له وللعالم أجمع بأنّ التكنولوجية المتقدّمة وقدراته المسلّحة الهائلة لم تستخدم ضدّ جيش بل ضدّ مواطنين، وتحديدًا ضدّ الكثير من النساء والأطفال. هذا الأسلوب الجديد تمّ استخدامه في جنوب لبنان، ولكن هذه المرّة استفرد الجيش بالمدنيين ممّا مسّ بمصداقيته. هذه ليست الطريقة التي يعيد بها الجيش قوّة ردعه التي فقدها في لبنان. الحقيقة هي أنّ قوّة الردع الأساسية للجيش الإسرائيلي هي القوّة النووية، التي لم تتزعزع، ولم يتواجد حتّى الآن أيّ جيش عربي مستعدّ لشنّ حرب على إسرائيل. إنّ صواريخ القسّام لم تشكّل بتاتًا خطرًا إستراتيجيًا على إسرائيل، ولا يمكن مقارنة غزّة الفقيرة مع إسرائيل الغنية التي صرفت مليارات الدولارات في هذه الحرب على الفلسطينيين.

أمّا فيما يتعلّق باستعادة الوحدة الداخلية في إسرائيل، فلا شكّ أنّ حماس "نجحت" في توحيد الشعب الإسرائيلي خلف جيشه لأوّل مرّة منذ حرب لبنان الأولى سنة 1982. فموقف حماس من إسرائيل والتطرّف الديني وعدم اعترافها بإسرائيل والعمليات الانتحارية وأخيرا قصف المدن الإسرائيلية، كلّ ذلك أدّى إلى بلورة إجماع قومي متطرّف يدعم الحرب الإجرامية ضدّ الشعب الفلسطيني بحجّة أنّها الطريقة الوحيدة المتاحة ضدّ عدوّ لا يعترف بوجودك. ومع ذلك فإنّ هذا الإجماع لن يصمد كثيرًا، لأنّ الخلافات السياسية والفكرية من ناحية والفجوات الاجتماعية ستبرز من جديد مباشرةً بعد انتهاء هذه الحرب التي لا مبرّر حقيقيًا لها وكان من الممكن منعها.

ولكنّ الأهمّ من ذلك هو أنّ الحرب لم تحقّق أهدافها، ليس بسبب "صمود" حماس وقدرته على مواصلة قصف بلدات الجنوب الإسرائيلي، بل بسبب الفوضى العارمة والدمار اللذين فاقما المشكلة بدل من حلّها. ستبقى إسرائيل من خلال سيطرتها على المعابر المسؤولة الرئيسية عن كلّ ما يحدث في غزّة. إنّ خطّة الانفصال التي تمّ تطبيقها سنة 2005، لم تخلّص إسرائيل من غزّة، بل عقّدت الأمور بمدى أكبر وشكّلت سببًا مباشرًا للحرب الراهنة. لا يمكن لإسرائيل أن تتخلّى عن مسؤوليتها تجاه الفلسطينيين في الضفّة الغربية وفي غزّة ما دامت تمنع استقلالهم التامّ. من هنا، كلّ هذا الدمار زاد من المعاناة والكراهية الفلسطينية للاحتلال، ولا يوفّر مقوّمات لحلّ القضية الوجودية التي ترافق إسرائيل منذ إقامتها، وهي مصير الشعب الفلسطيني.

أزمة الرأسمالية ومستقبل القضية الفلسطينية

وصف التيّار الإسلامي الأصولي، الذي يقف إلى جانب حماس، المعركة الراهنة بأنّها معركة وجودية. فانتصار إسرائيل، في تقديراته، كارثة للشعب الفلسطيني وتصفية للقضية الفلسطينية. نحن في حزب دعم نخالف هذا التقدير، الذي يربط بين مصلحة المشروع الإسلامي الأصولي ومصلحة الشعب الفلسطيني. حسب اعتقادنا النضال التحرّري الفلسطيني انتهى منذ التوقيع على اتّفاق أوسلو ومجيء منظّمة التحرير الفلسطينية لإقامة السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلّة. وقد أقرّ المؤتمر الرابع لحزبنا (عام 1999) هذه الحقيقة التي ثبتت صحّتها منذ ذلك الحين. فما نراه منذ هذه الفترة هو صراع دموي وانشقاق داخلي يضرب مصالح الشعب الفلسطيني بعرض الحائط.

إنّ مجرّد التفكير بإمكانية التخلّص من الاحتلال دون وحدة الصفّ الفلسطيني هو وهم خطير نرى إسقاطاته في الواقع المزري الذي نعيشه اليوم والذي يدفع ثمنه الشعب الأعزل. القضية الفلسطينية سقطت رهينة لطرفين كلّ ما يريدانه هو بسط سلطتهما دون أخذ مصلحة الشعب البسيط بعين الاعتبار. لا أحد منهما يملك القدرة على بناء دولة لها اقتصاد ومؤسّسات ومنظومة قوانين وخدمات اجتماعية. هذا الطرف يريد أن يحكم لصالح فئة ضيّقة برجوازية وذاك الطرف يريد شعبًا مقاومًا يعيش في فقر وضعة، ولكن وفقًا للشرائع الإسلامية. من هنا وبعد أن اتّضحت أمام الشعب طبيعة الحركتين نلاحظ أنّه يبتعد عنهما ولا يرى ملاذًا حقيقيًا من محنته.

حزب دعم ومنذ تأسيسه وصل إلى قناعة بأنّ انتهاء النضال التحرّري الفلسطيني كما كان عليه حتّى اتّفاق أوسلو، لا يعني انتهاء المشكلة الفلسطينية. فالشعب الفلسطيني يقبع تحت الاحتلال ويعاني من القمع والمضايقات في كافّة المجالات إضافة إلى البطالة والفقر وانعدام أبسط مقوّمات الحياة. ورغم كلّ محاولات إسرائيل تجاهل الفلسطينيين من خلال إلقاء المسؤولية عن مصيرهم على السلطة الفلسطينية، فالقضية قائمة والصراع سيتواصل بأشكال مختلفة وإيقاع مختلف ما دامت إسرائيل مستمرّة في احتلالها وحصارها للشعب الفلسطيني.

وقد أشرنا في وثيقة اللجنة المركزية الأخيرة وعلى خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية إلى أنّ المجتمع الإسرائيلي برمّته سيدخل في أزمة داخلية عميقة نتيجة لسياسة السوق الرأسمالية التي تبنّتها إسرائيل منذ 20 عامًا. إنّ للأزمة السياسية في إسرائيل طابعًا مزدوجًا: من ناحية القضية الفلسطينية التي بقيت دون حلّ، ومن ناحية أخرى أزمة اجتماعية نابعة من السياسة الاقتصادية التي نقلت الاقتصاد من أيدي الدولة إلى أيدي نخبة من الأغنياء. والحقيقة هي أنّه لا توجد لإسرائيل وأحزابها حلول لهاتين القضيتين - الفلسطينية والاجتماعية.

ورأى حزب دعم بأنّ هناك ترابطًا بين القضيتين، وقد تنبّأ بأنّ الانتقال إلى نظام السوق الحرّة سيخلق تصدّعات في المجتمع الإسرائيلي وسيمسّ بالتضامن الداخلي والإجماع القومي الذي عاد ليبرز من جديد في هذه الأيام. إنّ ما تعانيه إسرائيل ليس مرضًا موضعيًا، بل هو أزمة عالمية مرجعيتها في قلب النظام الرأسمالي نفسه؛ وهو الولايات المتحدة. فكلّ تغيير في النهج السياسي الأمريكي سيكون له انعكاسات على إسرائيل وعلى القضية الفلسطينية. إنّ إعادة بناء الحركة العمّالية والجماهيرية في العالم ضدّ الكارثة الاجتماعية التي يعيشها المجتمع الدولي سيقلب المعادلة من جديد بين الشعب الفلسطيني وبين الاحتلال.

لم يكن رهان حزب دعم إذًا، على المفاوضات العبثية أو المقاومة العبثية، بل على تطوّرات تاريخية سيستغرق حدوثها فترة تاريخية كاملة، ولكن في نهاية المطاف ستؤدّي إلى تغيير عميق في موازين القوى لصالح الطبقة العاملة، مما سيمكّن الشعب الفلسطيني من إعادة بناء حركته التحرّرية ليس على أساس البرنامج البرجوازي الحالي أو الديني المتطرّف بل على أساس عمّالي أممي اشتراكي جديد. إنّنا نستند إلى التحليل الماركسي وعلى التجربة الثورية الغنية للحركة العمّالية في العالم التي حقّقت إنجازات تاريخية لا بدّ أن نستخدمها كقاعدة نظرية للانطلاق نحو بناء حركة جماهيرية تستطيع مواجهة استحقاقات الواقع الرأسمالي الراهن وتشكّل ردًّا لبناء مجتمع بديل خالٍ من كلّ أمراض الرأسمالية وفي مقدّمتها الحرب والعنصرية والاحتلال وكلّ أنواع القهر القومي.

كيف نخوض الانتخابات الراهنة

التطبيق على أرض الوقع لموقفنا السياسي هو بناء بديل سياسي يطرح برنامج الطبقة العاملة ويصبّ كلّ جهوده في بناء حزب دعم كحزب عمّالي. إنّ تأسيس جمعية معًا جاء تماشيًا مع موقفنا الداعي إلى إعادة بناء الحركة الوطنية على أسس أممية جديدة. ستجد القضية الفلسطينية حلاًّ لها من خلال بناء حركة عمّالية نشطة تطرح برنامجًا بديلاً للبرجوازية الفلسطينية المتمثّلة بحركة فتح والتعصّب الديني المتمثّل بحماس. وإذا ترجمنا هذا الموقف على الساحة الإسرائيلية فإنّه يشكّل أيضًا بديلاً للتيّار الإسلامي والتيّار القومي المتمثّل في الجبهة والتجمّع، وفي نفس الوقت يطرح نفسه كبديل لليسار الصهيوني في الشارع الإسرائيلي.

ولم يكتفِ حزب دعم في طرح "أفكار" بل عمل على تطبيق برنامجه على أرض الواقع من خلال تجنيد العمّال في إطار نقابي ومن ثمّ إلى حزب. وكان تحليلنا للواقع الاقتصادي والضرورة الموضوعية لقيام إطار نقابي جديد يسدّ الفراغ الذي تركته الهستدروت، قد أثبت نفسه وزاد من شهرة الحزب وارتباطه المباشر مع الجماهير العمّالية. ما نقوم به هو عمل مميّز واضح يخدم بشكل مباشر العمّال ويجذب أيضًا شرائح منوّعة داخل الجمهور الإسرائيلي.

إنّ أعمالنا الميدانية هي ردّنا على الحرب وهي طريقنا للنضال ضدّ الاحتلال. صحيح أنّ الحصول على حقوق عمّالية وعلى العمل مقابل حدّ أدنى من الأجر لن يحلّ مشكلة معقّدة كالاحتلال وقضية الشعب الفلسطيني، ولذلك لا نكتفي بذلك، بل نطرح أمام العمّال والمثقّفين - يهودًا كانوا أو عربًا - إطارًا سياسيًا لإبراز مطالبنا السياسية ولبناء قوّة اجتماعية مؤثّرة وفاعلة قادرة على إجبار الحكومة على تغيير مسارها. وندرك أيضًا أنّ مثل هذا الحزب لا يمكن أن ينمو في الفراغ، بل عليه أن يكون جزءًا من تطوّر عالمي وعربي وحتّى فلسطيني لكي يتمتّع بالعمق الاستراتيجي وبالنفوذ الكافي.

إنّ خوض حملة الانتخابات هو طريقنا لطرح هذا الحزب، هذا الإطار السياسي الذي من الممكن أن يغيّر الواقع، ليس بسبب الالتحاق الجماهيري به فحسب، بل أيضًا بسبب برنامجه الواقعي البنّاء. فنحن نرى اليوم الجماهير تلتفّ حول الحركة الإسلامية، ونرى كثيرًا من المثقّفين يلتفّون حول الجبهة والتجمّع، ولكن قوّتهم تبقى محدودة، لأنّ برنامجهم القومي المتطرّف يعزلهم عن الساحة السياسية الإسرائيلية، وكل ما يبقى من عملهم هو الشعارات والمظاهرات التي لا تفي بالمطلوب. إنّ الجماهير العامّة والطبقة العاملة سئمت من الأحزاب القائمة وتبحث عن بديل حقيقي جديد، ودورنا هامّ جدًّا في هذا المجال.

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ ما يريده حزب دعم هو خلق ثورة داخلية في المجتمع العربي. احتكاكنا المتواصل بالجماهير في شتّى المجالات عرّفنا كلّ مرّة من جديد على الحاجة الملحّة للإصلاح الاجتماعي. علينا أن نعيد التضامن الداخلي المفقود وأن نقف ضدّ العائلية والأثرة والتوجّه الاستعلائي تجاه المرأة والمشاكل التي يعاني منها الشباب. يخوض حزب دعم مسيرة صعبة ومعقّدة تهدف إلى تغيير اجتماعي جذري. نحن نشعر أنّنا نعمل في فراغ، رغم وجود أحزاب وتيّارات قومية ودينية فاعلة في الساحة النضالية، لكنّها مع الأسف تعمل على ترسيخ الوضع القائم لأنّها تجني أرباحًا منه.

من الواضح جدًّا بأنّ نهجنا الخاصّ وكوننا حزبًا يجمع بين نشيطين يهود وعرب وعملنا الميداني المستمرّ، يجذب اهتمامًا متزايدًا من كلّ شرائح المجتمع. الشواهد على ذلك كثيرة، منها الطاقم الذي تطوّع لقيام بالدعاية الانتخابية والمعرض الفنّي الأخير في تل أبيب والاستجابة التي نحظى بها في الحلقات البيتية بين العمّال والمثقّفين. إنّ العمل الميداني والعمّال الذين يستفيدون مباشرة من عملنا هم بطاقة هوية الحزب. إلى جانب ذلك لا يزال العمل السياسي متواصلاً من خلال فعالياتنا المختلفة ضدّ الحرب، تنظيم اعتصام عمّالي، مشاركة في مظاهرة ضدّ الحرب، إصدار مجموعة قصائد "انسحاب" بالعبرية، المحاضرات، ونقاشاتنا المستمرّة من خلال مواقعنا في الإنترنت التي تحظى باهتمام بالغ.

تختلف حملة الانتخابات الراهنة عن سابقاتها لعدّة أسباب: أوّلاً وجودنا على الساحة هو أمر دائم وقائم وليس عابرًا عَرَضيًا، يدرك الناس تمامًا بأنّ حزب دعم من خلال كلّ مكاتب معًا مفتوح أمامهم طوال السنة. نشاطاتنا المختلفة في كلّ الميادين، المظاهرات في الثامن من آذار وأوّل أيار أصبحت حدثًا دوريًا، الفعاليات النسائية، الفعاليات الشبابية، والفعاليات الثقافية والسياسية تفرض وجود الحزب وتثبت جدّيتنا واقتراننا بالعمّال وسائر شرائح المجتمع.

واليوم فرضت علينا الحرب أيضًا خوض المعركة الفكرية السياسية لنكسب الرأي العامّ ونجذب كلّ من يهتمّ بالسياسة بحيث ينضمّ إلى صفوف الحزب الذي يطرح برنامجًا بنّاءً، برنامجًا يحمي الجماهير ويرعى مصالحها ولا يتركها فريسة سهلة للعنصرية والعنصريين الذي يحرّضون ضدّ العرب والشعب الفلسطيني. هذه أيضًا فرصة لكسب الرأي العامّ الإسرائيلي والقوى التقدّمية التي تنشد حياة مشتركة، والتي تحلم بدولة طبيعية كسائر الدول تعيش بسلام ومساواة مع الشعب الفلسطيني، وقد بدأنا نرى ثمارًا أولى لعملنا.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__293/الانتخابات_والحرب_على_غزّة
16.12.2017, 18:12