تاريخ النشر ٠١/٠٢/٢٠٠٩

شؤون فلسطينية

غزّة بعد الحرب

إسرائيل تقول أنا، وحماس تردّ أنا

بعد انتهاء الحرب على غزّة، بدأت كالمتوقّع الحرب الدعائية حول من هو المنتصر ومن المهزوم. فنرى أنصار حماس يدافعون وبقوّة عن افتراض النصر ويتّهمون من يخالفهم الرأي بتبنّي عقلية الهزيمة و"بالتصهْيُن". لكنّ النتائج لم تكن حاسمة، ربّما لأنّ الطرفين تجنّبا حسم الأمر. وبسبب الغموض الذي يعتري المفاوضات في القاهرة حول شروط وقف إطلاق النار والترتيبات السياسية والأمنية المترتّبة عليها، فمن الصعب الحسم من خرج بفائدة أكبر من هذه الحرب.

يكشف لنا تاريخ النزاع العربي الإسرائيلي بأنّ جميع الانتصارات العسكرية كانت نسبية وحتّى نسبية جدًّا. فقد تمكّنت إسرائيل من احتلال سيناء عام 1956 بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا، لكنّها فشلت في الإطاحة بنظام عبد الناصر. وقد تحوّل الانتصار الباهر في سنة 1967 على مصر وسورية إلى كابوس حرب أكتوبر عام 1973، فقد شكّلت المناطق المحتلّة عام 1967 معضلة استراتيجية لا تتمكّن إسرائيل من التخلّص منها. أمّا الانتصار المصري في أكتوبر 1973، فقد انتهى باتّفاق كامب ديڤيد في عام 1978، الذي أخرج مصر من المعادلة الاستراتيجية بين العرب وإسرائيل. وحتّى إجلاء القوّات الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات من لبنان إبّان الحرب الأولى هناك عام 1982، انتهى بانتفاضة شعبية في الضفّة الغربية وغزّة عام 1987. لا شكّ أنّ التقويم الصحيح لنتائج الحرب بين حماس وإسرائيل يتطلّب مزيدًا من الوقت.

مع ذلك فالكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب واضحة للعيان، ولا بدّ من التطرّق إليها، فهي تروي ما حدث في الحرب التي شكّل فيها المدنيون هدفًا استراتيجيًا للجيش والحكومة الإسرائيلية. إنّ الخسائر البشرية والمشاهد التي بثّتها شبكات التلفزيون في أنحاء العالم هزّت الرأي العامّ العربي والدولي. قُتل 437 طفلاً و110 نساء من بين 1500 قتيل، و 5500 جريح و50 ألف بقوا دون مأوى، على أثر تدمير 4,000 بيت بالكامل و16,000 بيتًا تضرّرت بشكل جزئي. استخدم الجيش الإسرائيلي أسلحة من كلّ الأنواع وبكثافة، في محاولة منه الامتناع عن الاشتباك المباشر مع مقاتلي حماس للحفاظ على سلامة جنوده. فمن المعروف هو أنّ الجمهور الإسرائيلي لا يتحمّل الخسائر بأرواح جنوده.

وإذا قارنّا ما حدث بعد الحرب الأخيرة في غزّة مع ما حدث بعد الحرب في لبنان عام 2006، فإنّنا نلاحظ أن لا احد يطالب بإقامة لجنة تحقيق، وزير الدفاع لم يستقل بل ازدادت شعبيته، ارتفع شأن رئيس الأركان بعد أن نفّذ مهمّته كما هو مخطّط لها، توحّد الشعب الإسرائيلي خلف قيادته السياسية، وجوّ الانتخابات الذي كان في العادة يقود إلى نقاشات حادّة، خيّم عليه السكوت أمام الإجماع الوطني الجديد، الذي لم تشهد إسرائيل مثيلاً له منذ زمن بعيد. بالنسبة للحكومة انتهت المهمّة العسكرية بنجاح بعد أن استعادت إسرائيل هيبتها وقوّة ردعها، والامتحان الكبير بالنسبة لها هو هل سيتجدّد القصف الصاروخي على إسرائيل أم سيتوقّف.

أمّا بالنسبة لحماس فالرؤية تختلف تمامًا، الخسائر البشرية والمادّية والكارثة الإنسانية بحدّ ذاتها لا تشكّل معيارًا، المقياس في نظر حماس هو "الصمود"، أو مدى تأييد الشعب في غزّة لها. وفي هذا المجال فقد أعلن خالد مشعل من دمشق "العدوّ فشل والمقاومة انتصرت، وانتصر معها شعبنا، إنّ العدوّ لم يحقّق أهدافه، فقد فشل في ساحة المعركة كما فشل في السياسة. فاضطرّ إلى الانسحاب دون أيّ اتّفاق أو شروط تلزم المقاومة أو تقيّدها." ومع ذلك، نلاحظ أنّه أشار بطريقة غير مباشرة إلى الأهداف التي سعت إليها حماس عندما أعلنت عن انتهاء التهدئة مع إسرائيل؛ هذا الإعلان الذي أدّى إلى المواجهة العسكرية، عندما قال: "تكفي ثلاث سنوات لمحاولة إقصاء حماس عبر إغلاق المعابر.. آن لكم أن تتعاملوا مع حماس التي اكتسبت شرعية في الانتخابات". (الشرق الأوسط 22 كانون الثاني 2009)

العودة إلى القاهرة

نرى إذًا أنّ المعيار لتحقّق أهداف الحرب في نظر حماس قد حدّده مشعل بنفسه: فتح معبر رفح والاعتراف بحماس "التي اكتسبت شرعية في الانتخابات". لا شكّ أنّ ذلك كان هدف التهدئة التي تمّ الاتفاق عليها مع إسرائيل بوساطة مصرية، إلاّ أنّ الحوار الذي استمرّ في القاهرة مع المصريين والسلطة الفلسطينية في رام الله لم يحقّق ما أرادته حماس، فمصر اشترطت فتح معبر رفح حسب اتّفاق 2005، مما يعني وجود سلطة أبو مازن في المعبر، وإلى جانب ذلك التراجع عن الانقلاب الذي أطاح بالسلطة الفلسطينية في غزّة، والذي جلب معه الحصار التجويعي كردّ فعل إسرائيلي مباشر من أجل الضغط على الحكومة في غزّة.

وقد حاولت حماس تحقيق فتح معبر رفح والاعتراف بسلطتها في غزّة من خلال نسف ما يمكن تسميته "إطار القاهرة" وإيجاد إطار بديل من خلال محور قطر وإيران وسورية. وقد بدأت حماس بحملة منهجية، قبل انتهاء التهدئة مع إسرائيل، من أجل تشويه صورة النظام المصري من خلال مظاهرات في رفح بهدف كسر الطوق واختراق الحدود بين غزّة ومصر، ممّا أدّى إلى اشتباكات مع قوّات الأمن المصرية، ومن ثمّ قامت بحملة إعلامية شاركت فيها إيران وحركة الأخوان المسلمين المصرية للضغط على مصر لتفتح المعبر، وفي حال رفضها يمكن اتّهامها بالعمالة لإسرائيل وأمريكا.

ومنذ بداية الحرب تجنّدت قطر وقناة الجزيرة لصالح حماس، وعملت أيضًا الحركة الإسلامية على مستوى عالمي لمساندة حماس وفضح إسرائيل وجرائمها الحربية. إنّ الحملة على مصر تكثّفت وكذلك البحث عن إطار بديل من أجل التوصّل إلى "اتّفاق دوحة" جديد يوفّر لحماس الاعتراف الذي تسعى إليه. وقد عملت مصر والسعودية كلّ ما في وسعهما لإحباط كلّ محاولات قطر وسورية لعقد قمّة عربية. وانتهى الانشقاق العربي بانعقاد قمّة الدوحة بحضور إيران وحماس والجهاد الإسلامي، وبغياب مصر والسعودية وأبو مازن.

إلاّ أنّ قمّة الدوحة التي كانت مهمّتها منع "سقوط المقاومة" وإحباط أهداف إسرائيل، جاءت في وقت اضطرّت فيه حماس للذهاب إلى القاهرة للتفاوض حول وقف إطلاق النار. فالضغط الإسرائيلي من ناحية وموقف النظام المصري المتصلّب من ناحية أخرى، أجبر حماس على العودة إلى القاهرة. وفي الوقت الذي تحدّث فيه الرئيس السوري عن حقّ المقاومة وشرعيتها، وافقت حماس على وقف إطلاق النار الذي أعلنته إسرائيل من جانب واحد، ولكن حسب المسار المصري. وكانت زيارة زعماء أوروبا، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي سركوزي، إلى شرم الشيخ والقدس، إشارة واضحة لنجاح المساعي المصرية وإخفاق المساعي الإيرانية السورية القطرية.

مصر المنتصرة

يخطئ من يقول إنّ مصر وقفت إلى جانب إسرائيل، ويخطئ أيضًا من يقول إنّ سوريا وقفت إلى جانب حماس. الحقيقة هي أنّ مصر وقفت لصالح مصر وسورية لصالح سورية. ما يُعتبر اليوم معسكر المقاومة كان وما زال المعسكر الذي وقف مع أمريكا عندما احتلّت العراق. فقد قدّمت قطر لأمريكا أكبر قاعدة جوّية لمهاجمة العراق؛ الأخوان المسلمون دعموا أمريكا في حربها ضدّ صدام حسين. والحقيقة هي أنّ احتلال العراق كان له انعكاسات استراتيجية أوسع من الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك نشهد أنّ معسكر المقاومة يحصر مقاومته ضدّ إسرائيل ويتطلّع إلى علاقة متميّزة مع أمريكا.

وحتّى بالنسبة لإسرائيل، فحماس ليست سوى ورقة مساومة بيد قطر، التي تقيم علاقات مع إسرائيل منذ زمن طويل، وهي ورقة مساومة بيد سورية كما كان عرفات، وكلّ ذلك من أجل التوصّل إلى أرض خصبة لمفاوضة إسرائيل من أجل مصالحها. إنّ المقاومة هي وصفة ممتازة بالنسبة للفلسطينيين، ولكنّها لا تناسب دولاً مثل سورية وإيران اللتين تدركان بأنّ موازين القوى الدولية والإقليمية لا تسمح بشنّ حرب على إسرائيل. النظام القائم في إيران وفي سورية، بخلاف فلسطين، هو نظام استبدادي يعمل دائمًا للحفاظ على بقائه، ويدعم أمريكا وفقًا للفائدة التي قد يجنيها من ذلك، ويعارضها إذا كانت مصلحته لا تتماشى مع هذا التأييد، بمعنى أنّه لا يتّخذ موقفًا مبدئيًا من أمريكا.

أمّا النظام المصري فلا يختلف عن الإيراني أو السوري، فكلّ ما يعني مبارك هو نظامه وضمان توريث الحكم لابنه جمال، فمصر تركت حماس وإسرائيل تستنزفان بعضهما البعض في هذه المعركة، لتعودا إليها طلبًا للمساعدة. فمصر لا تولي أهمّية كبرى لما يدخل غزّة عبر الأنفاق، ولا تتأثّر كثيرًا للخسائر الإسرائيلية. يعتقد مبارك بأنّ على إسرائيل اتّخاذ خطوات عملية لتقوية أبو مازن، ومن ناحية أخرى التسامح مع السعي المصري لاستعادة السيادة الكاملة على سيناء من خلال إدخال قوّات أمنية مصرية إضافية، الأمر الذي لم يُسمح لها حتّى الساعة وفقًا للاتّفاق الأمني مع إسرائيل.

وقد صرّح وزير الخارجية المصري مؤخّرًا أنّ كلّ الخيوط بيد مصر، بعد أن اضطرّت أمريكا وأوروبا وإسرائيل وحماس الاعتراف بدورها المحوري. فالنظام المصري الذي عمل على إحباط الجهود الإيرانية السورية لتقوية موقفهما في المنطقة على حساب مصر، استطاع أن يعيد زمام المبادرة إلى يده وأن يحصل على اعتراف بذلك من العالم بأسره، الأمر الذي سيتيح له الحصول على مساعدات مالية من أمريكا وأوروبا. وقد عزّزت الحرب بين إسرائيل وحماس دور مصر ونظامها.

النهاية ليس أكيدة

رغم اضطرار حماس إلى العودة إلى مصر، إلاّ أنّها ستعمل المستحيل من أجل تحسين شروط التهدئة والحصول على الاعتراف التي تطمح إليه. الخيارات ليست سهلة، فالحكومة التركية التي وقفت ضدّ إسرائيل صرّحت بشكل واضح بأنّ أمام حماس خيارين: إمّا أن تكون حركة سياسية ضمن السلطة الفلسطينية أو أن تكون حركة مقاومة. أمّا الرئيس سركوزي فقد أعلن عن استعداده التعامل مع حماس، ولكن ضمن حكومة مشتركة مع أبو مازن وضمن الشرعية الفلسطينية. وقد أكّد المصريون هذا الموقف بقولهم: "نحن لسنا ضدّ حماس كحركة سياسية، نحن ضدّ الانقلاب الذي قامت به على السلطة الفلسطينية الشرعية". من هنا يتّضح الإطار العامّ للتعامل مع حماس، وهذه مسألة على خالد مشعل أن يحسم فيها.

من هنا انتصار حماس في معايير قادتها، الذي ينحصر في فتح معبر رفح والاعتراف بشرعيتها، يتعلّق باستعدادها قبول شرعية السلطة الفلسطينية، وقبول شرعية الاتّفاقات التي أبرمتها منظّمة التحرير مع إسرائيل، حتّى دون الاعتراف الرسمي بإسرائيل، واستعدادها لوقف المقاومة المسلّحة دون أن تتنازل بشكل رسمي عنها، وهذه الشروط تُبحث اليوم في القاهرة. تعبّر حماس علنًا عن رفضها لكلّ هذه الشروط؛ لا تريد أن تتحاور مع أبو مازن ولا الاعتراف به، تتمسّك بشروطها الأساسية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل لديها بديل آخر؟

إسرائيل من ناحيتها أيضًا، بدأت تدرك أنّ حماس هي كيان قائم لا يوجد من يستبدله في غزّة. وقد صرّحت الحكومة الإسرائيلية منذ بداية الحرب أنّها لا تنوي الإطاحة بنظام حماس في غزّة، وهذا لسبب بسيط؛ لا يوجد من يستبدل حماس سوى الاحتلال الإسرائيلي المباشر على غزّة. زعزعت الحرب مصداقية أبو مازن، الذي كان شاهدًا على قتل أبناء شعبه في غزّة، وذلك بمنعه قيام المظاهرات في المناطق التي تحت سيطرته. إنّ استعداد إسرائيل للإفراج عن أسرى حماس مقابل الجندي الأسير شاليط هي إشارة أخرى لقبولها "تطبيع العلاقات" مع حماس، ولكن ضمن الإطار الذي رسمته مصر بدعم من أمريكا وأوروبا.

النتيجة السياسية لهذه الحرب و"للنصر" الإسرائيلي هو ارتفاع شأن اليمين الإسرائيلي والإمكانية شبه المؤكّدة لتشكيل نتانياهو الحكومة الجديدة. فبعد سنتين ونصف من الحكم استطاعت حكومة كديما وحزب العمل أن تشنّ حربين على لبنان وغزّة، وأن تضيع الوقت في مفاوضات عبثية مع أبو مازن، وأن تؤدّي إلى تعاظم قوّة اليمين الذي لا يرى في المفاوضات نفعًا، وأن ترفع من شأن حماس التي تعارض هي أيضًا المفاوضات، وأن تضعف مكانة أبو مازن وإمكانية فقده السلطة بسبب فساد إدارته وعدم القدرة على التوصّل إلى أيّ نتيجة ملموسة مع الفلسطينيين.

من هنا، النصر المصري مشروط جدًّا بالتطوّرات السياسية في إسرائيل، وحماس ستقف أمام خيارات صعبة إزاء هذا التطوّر الخطير داخل إسرائيل. أمّا إسرائيل نفسها، فوضعها هو دون شكّ هو الأكثر تعقيدًا؛ فإسرائيل لا يمكن أن تحقّق انتصارًا حقيقيًا، فهي لا تريد أن تعود لاحتلال غزّة بعد فشلها في قمع الشعب الفلسطيني، ولا حلّ لديها تجاه الفلسطينيين.
إنّ القوّة لا تحلّ شيئًا بل تبعث إلى الفوضى. إسرائيل تصرّ على رفضها منح الشعب الفلسطيني الشيء الوحيد الذي يمكنه وضع حدّ للصراع، وهو دولة فلسطينية كاملة السيادة في الضفّة الغربية بما فيها القدس وفي قطاع غزّة. حرب غزّة وضعت إسرائيل أمام هذا الخيار، بعد أن ثبت بأنّ القوّة يمكنها أن تحقّق هدفًا قريب المدى، ولكنّها تعجز عن تحقيق هدف بعيد المدى ودائم يضمن لها الأمن والاستقرار.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__291
20.11.2017, 15:11