تاريخ النشر ٢٨/١٢/٢٠٠٨

شؤون نقابية

شبكة الأمان للمتقاعدين: فتات خبز للمسنّين

اساف اديب

شبكة الأمان التي منحتها الحكومة للمتقاعدين هي في الواقع خطّة هزيلة لا تنقذ مئات الآلاف من المسنّين من حياة البؤس والفقر، ولا تغيّر النظام الرأسمالي الجائر الذي يحرم أغلبية العمّال من ضمان عمل منظّم وحقوق في حالة المرض أو عند خروجهم إلى التقاعد.

شبكة الأمان للمتقاعدين: فتات خبز للمسنّين

تهدّد الأزمة الاقتصادية الحالية بأن تودي بمزيد من العمّال الذين ادّخروا من أجورهم في صناديق التوفير إلى حالة من الفقر نتيجة انخفاض قيمة مدّخراتهم. بدأت على هذه الخلفية في الشهر الأخير حملة إعلامية كبيرة كان مضمونها المطالبة بتوفير شبكة أمان حكومية للمدّخرات التقاعدية. كان على رأس المطالبين رئيس الهستدروت عوفر عيني، الذي أعلن في 23/11 عن نزاع عمل قطري، وهدّد بأنّه إذا رفضت الحكومة طلبه القاضي بتوفير شبكة أمان للمدّخرات ، فستعلن الهستدروت عن إضراب عامّ.
من طرفه تحدث زعيم حزب العمل إيهود براك وكذلك زعيمة كديما تسيپي ليڤني، عن ضرورة توفير شبكة الامان مما اجبر وزارة المالية على تقديم خطّة محدودة في هذا المجال. إلاّ أنّه بعد أن أعلنت وزارة المالية عن ذلك، تدخّل رئيس الحكومة المستقيل إيهود أولمرت وطالب بتحسين شروط الخطّة. وكانت النتيجة تأجيل القرار وإجراء مداولات بين وزارة المالية ومكتب رئيس الحكومة بمشاركة عميد بنك إسرائيل لبلورة خطّة متّفق عليها. وانتهى الأمر بإعلان أولمرت وبار أون في مؤتمر صحفي عن الخطّة الحكومية الجديدة لضمان المدّخرات التقاعدية.

خطّة لمواراة المشكلة

المشكلة هي أنّ الخطّة التي جاءت لضمان مدّخرات المتقاعدين لا تشكّل خطوة حقيقية لتغيير التوجّه الاقتصادي الاجتماعي المدمّر الذي أدّى إلى هذه الأزمة. تضمن الخطّة الحكومية لكلّ من بلغ من العمر 57 عامًا ضمان مدّخرات بقيمة 750 ألف شيقل، بما يحافظ على قيمة المدّخرات التي كانت قائمة في تاريخ 30/11/2008، حتى ولو انخفضت قيمتها بسبب التغييرات في البورصة. وتشترط الخطّة امتناع مَن يريد الاستفادة من الخطّة عن سحب مدّخراته.

في الحقيقة، ترجع أسباب هذه الأزمة الخطيرة إلى القرارات التي اتّخذتها حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ عام 1985 (منذ خطّة الاستقرار التي أدخلت إسرائيل إلى العولمة الرأسمالية). بموجب التوصيات التي جاءت في حينه من واشنطن، اعتمدت اسرائيل سياسة الخصخصة وادى ذلك بشكل تدريجي الى انتقال صناديق التوفير من سيطرة الهستدروت إلى القطاع الخاصّ، كما انسحبت الحكومة من توفير الضمانات لهذه الصناديق. حتى عام 2004 كانت صناديق التقاعد تشتري بـ 70% من أموالها سندات دين حكومية بفائدة 5.25%، مما كان يمنحها حالة من الاستقرار. الإصلاح الإضافي الذي أجراه نتانياهو، عندما شغل منصب وزير المالية، كان تخفيض قيمة مخصّصات الشيخوخة (للمسنّين).

أدّت هذه السياسة الجائرة إلى غياب دولة الرفاه، التي منحت كلّ عامل مخصّصات تقاعد حقيقية، ورافقتها تحوّلات كبيرة في سوق العمل؛ انتقال عدد كبير من العمّال في الشركات الخاصّة والمصانع وشركات البناء وحتى مكاتب الحكومة إلى العمل الموسمي المؤقّت أو غير المنظّم من خلال شركات القوى البشرية والمقاولين الفرعيين، ممّا أدّى إلى وجود عدد كبير من العمّال بدون صندوق تقاعد بتاتًا.

اتّفاقية التقاعد الهستدروتية

في الوقت الذي توسّعت فيه شريحة من الطبقات الوسطى التي تعيش بمستوى معيشة عالٍ، يعيش مئات آلاف المسنّين في إسرائيل تحت خطّ الفقر، وتدهور عدد كبير من العمّال والعاطلين عن العمل والمعاقين إلى حالة من الفقر المدقع.

في محاولة لمساعدة هؤلاء العمّال – الذي يبلغ عددهم مليون عامل بدون تقاعد – توصّلت الهستدروت في العام الماضي إلى اتّفاقية التقاعد الإلزامي، التي كانت في الأصل مبادرة من وزارة المالية. إلاّ أنّه وبعد سنة من تطبيقها تبيّن بأنّ هذا التطبيق كان جزئيًا (150 ألف عامل فقط انضمّوا للتقاعد الإلزامي، وبقي 850 ألف بدون صندوق تقاعد)، هذا فضلاً عن أنّ هذا التقاعد الإلزامي لا يضمن لمن يحصل عليه مخصّصات تقاعد تكفي لتوفير حياة كريمة.

حاولوا إقناعنا بأنّ عملية التحوّل الكبير في أنظمة العمل في إسرائيل خلال 25 الأعوام الأخيرة، غايتها دفع الاقتصاد قُدُمًا والمتاجرة بالأموال الكثيرة التي تكدّست في صناديق التقاعد في الأسواق المالية، الأمر الذي من شأنه، حسب وعد أنبياء فلسفة السوق الحرّة، أن يؤدّي إلى نسبة نموّ عالية، وبالتالي إلى اغتناء كافّة أفراد المجتمع.

إلاّ أنّ هذه الكذبة، التي نجحوا خلال فترة ما أن يوهموا الناس بها، تنكشف اليوم في ظلّ أزمة الأسواق المالية الأمريكية بأنّها كانت في الواقع مصيدة كبيرة. الأموال التي جمعها العمّال المنظّمون في صناديق التوفير أو التقاعد، استثمرها مديرو هذه الصناديق في البورصة، دون أدنى مسؤولية، في سندات دين تابعة للشركات الإسرائيلية الكبيرة التي ربحت الملايين والمليارات في شراء وبيع العقارات في كافّة أنحاء العالم.

الأزمة العالمية

عندما بدأت الأزمة العالمية، خاصّة في أمريكا وبريطانيا وروسيا، تهدّد أسعار العقارات، فقدت الشركات الإسرائيلية من قيمتها، وهي تقف اليوم على حافّة الانهيار، ممّا يهدّد سوق المال الإسرائيلية ومعها بطبيعة الحال مدخّرات العمّال. الركود الاقتصادي الذي من المتوقّع أن تعاني منه إسرائيل، والذي سيؤدّي حتمًا إلى ارتفاع نسبة البطالة، ينبغي أن يشكّل دافعًا يحفّز الحكومة إلى تغيير سلّم أولوياتها وفكّ ارتباطها المتعصّب بالخطّ النيوليبرالي الأمريكي.

المطلوب هو اعتماد سياسة تضع العمّال على رأس سلّم الأولويات وتضمن مدخّراتهم من خلال سندات حكومية. المطلوب أيضًا رفع مستوى المخصّصات العامّة التي يدفعها التأمين الوطني لضمان حياة كريمة لكلّ إنسان بغضّ النظر عن أجره.

أثبتت الحكومة الإسرائيلية بسياساتها تجاه الفلسطينيين أنّها لا ترى في حقوق الإنسان أمرًا مقدّسًا، وأنّها على استعداد لاتّخاذ خطوات وحشية لتحقيق أهدافها. غير أنّ ما نراه هنا هو أنّها تعتمد سياسة تضرب بعرض الحائط مصالح مئات الآلاف من المواطنين العرب واليهود نتيجة انحيازها المطلق لأصحاب رؤوس الأموال.

التوقّعات المرجّحة هو أن تتمخّض الانتخابات التي ستجري في العاشر من شباط المقبل عن حكومة ائتلافية من نفس النمط- سواء فاز حزب الليكود برئاسة نتانياهو أو كديما برئاسة ليڤني. هذا التوجّه لا يشير إلى قوّة الدولة العبرية بل إلى ضعفها وتفكّك النسيج الاجتماعي داخلها. فالفجوات الطبقية التي تتعمّق بين طبقة الأغنياء الضيّقة وطبقة الفقراء الواسعة تدفع إلى الرغبة في التغيير والمقاومة.

مهمّة تنظيم وقيادة الحركة المناهضة للنخبة الرأسمالية المتغطرسة التي تتحكّم في إسرائيل لا تزال مهمّة كلّ الشرفاء الذين يؤمنون أنّ لكلّ عامل ولكلّ إنسان الحقّ في حياة كريمة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__270/شبكة_الأمان_للمتقاعدين_فتات_خبز_للمسنّين
22.10.2017, 17:10