تاريخ النشر ٢٠/١١/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

نتيجة الانتخابات الداخلية (برايمريز) في حزب الليكود

اليمين يعود للحكم اكثر تطرفا

يعقوب بن افرات

الانتخابات الاسرائيلية لن تسفر عن جديد، بل تنذر بمزيد من المعاناة وإراقة الدماء. ولكن لا بد ان تدرك اسرائيل انها لن تتمكن من التوصل لحل يضمن لها الاستقرار، اذا واصلت تجاهل الحقوق الفلسطينية. وسيدرك الفلسطينيون ايضا ان الوحدة على اساس برنامج ثوري واقعي هو الضمان الوحيد لتحقيق مكاسب ملموسة.

فاجأت نتيجة الانتخابات الداخلية (برايمريز) لحزب الليكود رئيس الحزب بنيامين نتانياهو نفسه، وأثارت ضجة اعلامية كبيرة بسبب فوز ممثل كتلة "القيادة اليهودية"، موشيه فيغلين، بمكانة متقدمة في قائمة الحزب للكنيست. تحول فيغلين الى بطل اعلامي بعد ان تغلب على كل محاولات نتانياهو عشية الانتخابات اقصاءه عن القائمة. كما فاز في الانتخابات الكثير من المرشحين الذين أوصى فيغلين بانتخابهم، بسبب معارضتهم لخطة الانسحاب الاحادي الجانب عن قطاع غزة عام 2005.

تشير استطلاعات الرأي الاخيرة الى ان نتانياهو متقدم بنحو كبير على حزب كاديما برئاسة وزيرة الخارجية تسيفي ليفني، خاصة بسبب الاستياء من حكومة اولمرت المتهمة بالفساد. غير ان انتخاب فيغلين كمرشح في قائمة الليكود منح "ذخيرة" سياسية لخصومه الذين استغلوا الفرصة لاتهام الليكود بالتطرف، وبأنه نفس الليكود القديم الذي تمرد على شارون عشية الانفصال عن غزة. ويرى بعض المحللين ان من شأن انتخاب فيغلين ان يكبّل ايدي نتانياهو ويجمّد اية عملية سياسية مع سورية والسلطة الفلسطينية ويعزل بذلك اسرائيل عن العالم.

استدعى الامر تدخل نتانياهو في نتائج الانتخابات الداخلية بالاستئناف لدى المحكمة الخاصة بالليكود، وتمكن من اقصاء فيغلين عن المكان العشرين في القائمة الى المكان ال36. غير ان هذا لا يلغي ان مرشحي الحزب الرئيسيين، وبينهم جدعون ساعر وجلعاد اردان اللذين حظيا بدعم انصار فيغلين، لم يخرجا بشكل حاسم ضد هذه الشخصية التي تتمسك بمواقف فاشية تجاه الفلسطينيين وحتى تجاه اليهود العلمانيين.

انتعاش اليمين: نتيجة لسياسة كديما

الانتخابات الداخلية لليكود تؤكد ان اليمين المتطرف الذي هزم في الانتخابات السابقة التي اجريت عام 2006، لم يختف، بل يعود وبكل عنفوان الى الساحة السياسية. السبب لهذا الانتعاش السريع، وربما المفاجئ، هو الواقع السياسي والاقتصادي في اسرائيل. فقد حظي شارون عندما انشق عن الليكود وأسس حزب كاديما بشعبية كبيرة جدا، وتمكن من خلق اجماع جديد حول ضرورة الانفصال عن الفلسطينيين وتركيز الجهود في البناء الداخلي والانفتاح الاقتصادي تجاه اسواق العالم لضمان النمو الاقتصادي الثابت.

غير ان سياسة الانسحاب الاحادي الجانب جاءت بالنتائج العكسية، اذ أضعفت السلطة الفلسطينية وساهمت في انقلاب حماس بغزة. منذ ذلك الحين تشهد المنطقة توترا شديدا وحرب استنزاف مستمرة، مما سبّب خيبة امل من حكومة كاديما. كما تبين ان السياسة الاحادية الجانب التي اتبعتها حكومة العمل بالانسحاب من جنوب لبنان، قادت الى حرب لبنان الثانية تموز 2006 والتي اعتبرت فشلا فادحا لاولمرت وشكّلت احد اسباب سقوطه.

من هنا، يمكن اعتبار عودة اليمين نتيجة مباشرة لسياسة حزب كديما وشريكه حزب العمل اللذين يقتسمان الفشل ويدفعان اليوم الثمن السياسي.

ومع ان لليكود الاحتمالات الاكبر في تشكيل الحكومة القادمة، الا ان عدد المقاعد المتوقع له حسب استطلاعات الرأي، لن تكون كافية لحسم الخريطة السياسية، ومن المرجح ان يعتمد الائتلاف اليميني القادم على اغلبية صغيرة جدا. اذ تصل عدد مقاعد المتوقعة لليكود الى 31 مقعدا، واذا انضمت اليه كل احزاب اليمين والمتدينين فسيحصل على اغلبية 65 مقعدا من اصل 120.

مشكلة هذا الائتلاف انه سيمنع نتانياهو من احراز اي تقدم في المفاوضات مع العرب، مما سيؤدي لازمة مع الادارة الامريكية القادمة برئاسة براك اوباما. وقد يعمد نتانياهو الى تحقيق الاستقرار الحكومي من خلال الوحدة مع كديما او حزب العمل، غير ان نتيجة الانتخابات الداخلية وتركيبة قائمته اليمينية على نحو متطرف قد تحبط هذه المحاولة.

الانتخابات القادمة لن تحل العقدة السياسية

الانتخابات القادمة لن تحل العقدة السياسية التي تعيشها اسرائيل منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993. منذ ذلك الحين بدأت الامور بالتدهور حتى وصلنا الى هذه الايام التي تشهد حصارا غير انساني على قطاع غزة يحولها الى سجن كبير، جدار فصل عنصري وحواجز عسكرية تحيل حياة المواطنين في الضفة الغربية جحيما، واعتداءات يومية من قبل المستوطنين على حياة وممتلكات الفلسطينيين في الخليل وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية.

هذا هو الواقع في اسرائيل، وليس هناك حزب او قوة سياسية يجرؤ على طرح برنامج واقعي للوصول الى حل مع الفلسطينيين ومع بقية الدول العربية، ويستطيع تحقيق اغلبية برلمانية لذلك. يذكر ان الانتخابات المبكرة جاءت بسبب رفض حزب "شاس" اليميني المتدين الدخول في الائتلاف بقيادة زعيمة كديما تسيفي ليفني التي كُلّفت بتشكيل حكومة بديلة بعد استقالة اولمرت، بعد رفض ليفني الالتزام بعدم التفاوض حول القدس الشرقية.

ان اسس البرنامج للحل مع الفلسطينيين والسوريين جليّة، وقد وصفها بوضوح رئيس الحكومة الحالي ايهود اولمرت، عندما قال ان اساس الحل هو الانسحاب من كل الاراضي المحتلة بما فيها الجولان والقدس الشرقية. غير ان اولمرت تذكر الادلاء بهذه التصريحات فقط بعد استقالته من منصبه.

اما البديل التي تقترحه ليفني فهو انجاز اتفاق مبدئي، يوضع على الرف، ويؤجَّل تنفيذه الى ان تقوم حكومة فلسطينية ثابتة وقوية. ونتانياهو يخالفها الرأي ولكن ليس بشكل جوهري، اذ يدّعي ان على اسرائيل العمل على بناء قيادة فلسطينية امينة على المصالح الاسرائيلية، ومن بعدها يتم التفاوض معها على الحل.

في كل الاحوال هناك اجماع اسرائيلي يشمل الاحزاب الرئيسية، بان الظروف الراهنة غير مواتية للوصول الى اتفاق مع الفلسطينيين، وذلك بسبب فقدان القيادة الفلسطينية القادرة على السيطرة على المناطق المحتلة.

الانشقاق الفلسطيني

ازاء هذا الوضع الخطير تعمّق القوى الفلسطينية الانشقاق فيما بينها، ووصل ذروة جديدة في منع حجاج غزة الذين تسلموا تأشيرات من "سلطة رام الله" من الخروج للحج عبر معبر رفح المصري، هذا بعد ان رفضت السعودية الحجاج الذين لم يكن بحوزتهم سوى تأشيرات حكومة حماس المقالة.

وقد بدأت حملة الاتهامات المتبادلة بين غزة ورام الله وبين غزة ومصر وبين ايران والسعودية حول القضية التي تثبت انه بغض النظر عن اسرائيل، تحول الانقسام العربي والفلسطيني الى ازمة خطيرة تسبب كارثة انسانية للشعب الفلسطيني، وتغذي مبررات اسرائيل التي تدعي عدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض لمواصلة احتلالها الغاشم وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني الاعزل.

ان اصرار حكومة حماس في غزة على طريق "المقاومة" في ظل الانقسام الداخلي والمعارضة العربية والعالمية الشديدة، هو وصفة لتعميق المعاناة والكارثة التي يعيشها الشعب الفلسطيني. من جهة اخرى، استمرار حكومة رام الله ب"التفاوض لمجرد التفاوض" والالتحاق بامريكا وحلفائها في المنطقة، يضرب ما تبقى من مصداقيتها ويقوي الرأي الذي يقول بان طريق المفاوضات لا يقود لاية نتيجة ملموسة.

ان الطريق الانسب والوحيد الذي من الممكن ان يوحد الشعب هو الدمج بين المقاومة والاستعداد للتفاوض على اسس الثوابت الوطنية وليس على اساس اتفاق اوسلو الجائر والفاشل. بهذه الطريقة يمكن استعادة الدعم والتعاطف مع القضية العادلة للشعب الفلسطيني.

ولكن ما نشهده اليوم هو انشقاق بين القوى الفلسطينية سببه الصراع على السلطة، على حساب الشعب الفقير من عمال وفلاحين. المفاوضات كانت وسيلة بيد فتح للاستيلاء على السلطة على حساب مصالح الشعب، والتفريط بحقوقه الاساسية وفي مقدمتها اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. اما المقاومة فتخدم حركة حماس وساعدتها في الاطاحة بفتح بعد ان تبين فسادها وفشلها السياسي.

من هنا، فالانتخابات الاسرائيلية لن تسفر عن جديد، بل تنذر بمزيد من المعاناة وإراقة الدماء. ولكن لا بد ان تدرك اسرائيل انها لن تتمكن من التوصل لحل يضمن لها الاستقرار، اذا واصلت تجاهل الحقوق الفلسطينية. وسيدرك الفلسطينيون ايضا ان الوحدة على اساس برنامج ثوري واقعي هو الضمان الوحيد لتحقيق مكاسب ملموسة.

حتى الآن ليست هناك قيادة وبرنامج يمكن ان ينافس التطرف الاسلامي والانتهازية البرجوازية والتبعية لامريكا. ومع ذلك، لا يجب ان نفقد الامل بان تطورا مهما من هذا نوع يمكن ان يحدث لإنقاذ هذا الشعب من الاحتلال والانشقاق الداخلي الذي تحول الى كارثة تاريخية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__262/اليمين_يعود_للحكم_اكثر_تطرفا
16.12.2017, 18:12