تاريخ النشر ٠٤/١٢/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

"التنظيم اليساري الجديد" في اسرائيل: لا بشرى ولا سارة

يوناتان بن افرات

اشتراكية ديمقراطية. مصطلح واحد. سحري. حيوي. شبابي. اخضر. سياسي (اذ يتحدث عن دولتين لشعبين) وفي نفس الوقت اجتماعي، يلبي المزاج الشعبي الذي بدأ يتغلغل للامة الاسرائيلية في هذه الايام، فمن لا يريد اشتراكية ديمقراطية في زمن الازمة الاقتصادية العالمية؟ من الآن سيكون علينا ان نعتاد الوضع الجديد الذي فرضته الانتخابات العامة، وسيخرج علينا اليسار الاسرائيلي بزيّ جديد، ولكن ليس من المؤكد انه يمنحه هوية جديدة.

في الاسابيع الاخيرة اخذ بالتبلور تنظيم يساري جديد، بادر اليه عدة افراد (معظمهم ممن خابت آماله من حزب العمل) في محاولة لتنصيب حزب ميرتس ملكا جديدا لليسار في اسرائيل. بين هؤلاء الكاتب عموس عوز، عوزي برعام، جلعاد شير، ابراهام بورغ وآخرون. حسب تصريحات المؤسسين الجدد وخاصة عوز، بورغ وشير، فقد حزب العمل دوره التاريخي ولم يعد يلبي المربع اليساري في اسرائيل.

منذ فقد ايهود براك السلطة مع اندلاع انتفاضة عام 2000، تحول حزب العمل الى حزب هامشي لا يقدر على التنافس على السلطة، وبدل ذلك تراه ينضم الى اي ائتلاف حكومي، ويمنح الشرعية لسياسته الامنية والاقتصادية. فمن جهة، سمح حزب العمل بالقضاء على السلطة الفلسطينية، وفي نفس الوقت قوّض دولة الرفاه. حزب العمل بات اليوم أشبه بحصان هرم يجر بصعوبة عربة خردوات وبضعة شخصيات لا جديد لها تقدمه لناخبيها. في استطلاعات الرأي العام التي نشرتها مؤخرا صحيفتا "يديعوت احرونوت" و"هآرتس"، يتحطم العمل الى 8-10 مقاعد فقط، بينما يقفز حزب ميرتس من خمسة الى سبعة مقاعد مع امكانية لحصد المزيد.

قد يبدو هناك منطق في مبادرة ميرتس التي تسعى لتجاوز حزب العمل والسعي للتحول بنفسها الى الحزب اليساري الاكبر في الكنيست، خاصة ان حزب العمل لم يعد ينافس حزبي كديما والليكود على السلطة. ورغم ان ميرتس لا يرى في نفسه بديلا سلطويا، الا انه يسعى "لاغتيال" حزب العمل سياسيا لسببين. السبب الاول هو دفع كديما ورئيسته تسيبي ليفني للوصول الى انهاء الصراع على اساس حل دولتين لشعبين، تحت مظلة المبادرة العربية للسلام، واجبار ليفني في حال شكلت هي الحكومة القادمة، على قبول التنظيم اليساري الجديد كشريك اساسي في الائتلاف على حساب حزب العمل.

السبب الثاني معدّ في حالة وقوع السيناريو الكارثي، اي وصول زعيم الليكود، بنيامين نتانياهو، الى الحكم. في حالة كهذه، سيكون الائتلاف يمينيا متدنيا، مما سيشل اية مبادرة سياسية، ويعزل الليكود عن المجتمع الدولي بقيادة براك اوباما، اما حزب العمل فسيكون اضعف من ان يغطي عورة نتانياهو وميوله اليمينية. وهنا ستكون حاجة لحزب ميرتس في المعارضة.

استعمار ذكي

حتى هنا تبدو المبادرة جيدة: هناك تكتيك، تحالفات محتملة، هناك عدو مشترك، ومنطق سياسي وراء التحرك الجديد. ولكن ماذا عن الطريق؟ ماذا عن البرنامج السياسي؟ الى اين ينوي التنظيم "الاشتراكي الديمقراطي" الجديد ان يقود السفينة؟ فالبحر هائج والامواج عالية، ضحايا الازمة السياسية كثر وخاصة في الجانب الفلسطيني، وضحايا الازمة الاقتصادية في ازدياد ومعظمهم من المتقاعدين وعمال شركات القوى البشرية. سفن القراصنة من مستوطني الضفة الغربية وسفن الطغمة المالية الاسرائيلية يحيطون بالسفينة "الحمراء" من كل اتجاه. فهل يملك حزب ميرتس القدرة على المواجهة وايصال المجتمع الاسرائيلي الى بر الامان؟

اذا اصغينا جيدا لربّان السفينة، عموس عوز، ومساعديه في التنظيم الجديد، ندرك انهم لا يطرحون اي جديد، لا في الاسلوب ولا في الطريق. فهم ايضا، مثل حصان حزب العمل خائر القوى، يرون العالم من نفس المنظور. في مقابلة لملحق "يديعوت احرونوت" (21/11)، شرح عوز وجهة نظره بالنسبة للحل السياسي، وحسبها: بما ان الشعب الفلسطيني منقسم، ولا يوجد اي طرف فلسطيني يمكنه التفاوض مع اسرائيل على الحل النهائي، فسيكون على الحكومة الاسرائيلية القادمة ان تتفاوض مع السلطة الفلسطينية على اساس دولتين، بالاعتماد على الانظمة العربية. ضمن الاطار المقترح، سيستعيد الاردن المسؤولية عن الضفة الغربية، وتستعيد مصر مسؤوليتها على قطاع غزة.

عمليا، يقترح عوز انه اذا لم يكن بالامكان حل النزاع بالوسائل المتاحة اليوم، فدعونا نتجاوز النزاع من خلال فرض استعمار ذكي. ولكن، من اجل التوصل الى نظام استعماري ذكي (ادارة الاحتلال والنزاع بدل حلهما)، لسنا بحاجة الى حزب ميرتس المتجدد. يكفي التصويت مباشرة لحزب كديما. فليفني وابو علاء، كبير المفاوضين الفلسطينيين، يديران الاحتلال بشكل جيد، لولا ان براك يأتي في كل مرة ويعكر صفو الامور، من خلال مواصلة البناء في المستوطنات وتساهله تجاه شباب المستوطنين.

لا حلول سريعة

المبادرة الجديدة تعرضت لانتقادات اليمين واليسار الاسرائيلي على حد سواء. آري شفيط (صحافي في هآرتس) هاجم المبادرة على اساس اعتبارات يمينية. وتوسل لعوز واصدقائه ان يتركوا حزب العمل في حاله والا يساهموا في تقويضه، واقترح عليهم بدل ذلك ان يتوحدوا معه ومع كديما ويشكلوا كتلة مركز-يسار، تطرح بديلا قويا لنتانياهو. من جهة اخرى، ومن على نفس الصحيفة، يهاجم داني رابينوفيتش المبادرة هذه المرة على اساس اعتبارات "يسارية".

بالنسبة لرابينوفيتش رغبة الحركة الجديدة-القديمة في تشكيل كتلة يسار قوية ومستقرة، هي مجرد حلم. حسب رأيه، طالما يواصل حزب ميرتس وانصاره الجدد اعتبار النزاع الاسرائيلي الفلسطيني قضية مركزية، فلن يتم لهم ابدا الخروج من دائرة المصوتين اليسارية المعهودة، المحدودة، والوصول الى حلقات انتخابية اوسع.

رابينوفتيتش كان بين مؤسسي قائمة "مدينتنا جميعا" التي ترشحت مؤخرا لانتخابات بلدية تل ابيب، وحصدت اعلى نسبة من الاصوات. "مدينتنا جميعا" تمكنت من تقزيم دور قائمة ميرتس البلدية، وتحولت الى القائمة الاقوى في المجلس البلدي، وذلك لتمكّنها من التوجه الى جمهور جديد غير محسوب على اليسار. وكيف تم لها ذلك؟ ببساطة، تجاهلت القائمة النزاع القومي، "نظفت" نفسها من العرب، تلوّنت بلون البيئة الاخضر، خلقت تحالفا غريبا بين اليمين واليسار، وتوجهت لجمهور الناخبين كقائمة اجتماعية وليس كقائمة يسارية. هذا "التكتيك" نجح حسب رابينوفيتش في سحب اصوات محسوبة عادة على ليكود نتانياهو، بسبب التذمر ازاء الوضع الاقتصادي المتردي.

ولكن مشكلة رابينوفيتش ان غزة ليست يافا؛ وخالد مشعل ليس عمر سكسك، مرشح يافا العربي الذي تجاهلته "مدينتنا جميعا"؛ مشاكل المواصلات التي احتلت سلم اولويات القائمة في تل ابيب، لا تشبه في شيء مشاكل المواصلات في المناطق المحتلة، والناتجة تحديدا عن الحواجز؛ اما شباب جنين ونابلس فيريدون العمل، وليس المسارات للدراجات الهوائية التي يريدها شباب تل ابيب. خلافا للانتخابات المحلية، لن يكون بالامكان في الانتخابات العامة تجاهل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني واخفاء اليسار، كما يقترح رابينوفيتش.

ليس للمجتمع الاسرائيلي حل سريع لمشاكله، كما يقترح عوز، رابينوفيتش وشفيط. كتلة اليسار في اسرائيل اصغر من كتلة اليمين لسبب واحد، وهو ان الاجماع الاسرائيلي لا يرى في الاحتلال مشكلة، لا يرى في الشعب الفلسطيني شريكا، لا يعتقد ان من حق الشعب الفلسطيني ان يقرر مصيره، كما انه يظن ان الازمة الاقتصادية هي عالمية وليست مشكلة اسرائيلية ولذا لا يعتقد ان بمقدوره التأثير عليها من خلال تغيير المفاهيم الاجتماعية.

الاسرائيلي المتوسط يريد ان يبقى عنيفا في الاحتلال وفي الاقتصاد، ان تمر الازمة بسلام بغض النظر عن الثمن الاجتماعي، وان يواصل الربح على حساب الضعفاء في المجتمع. ليس بامكان اي مجتمع ان يكون اشتراكيا ديمقراطيا دون انهاء الاحتلال، كما لا يمكنه ان يكون اشتراكيا ديمقراطيا دون ان يكون اشتراكيا، بمعنى ان يعيد تأميم البنوك، شركات "بيزك"، "ال-عال"، مصانع البحر الميت، "تسيم"، بنك "هبوعليم"، وكل الشركات التي خصخصتها حكومات اسرائيل في العشرين سنة الاخيرة. مبادرة ميرتس الجديدة هي الاخرى لا تقترح القيام باية خطوة في هذا الاتجاه.

لا يمكن تجاهل حقيقة ان الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية في اوروبا والولايات المتحدة (التي يقتدي بها اليسار الاسرائيلي)، فقدت هويتها الحقيقية في ظل العولمة. لم تعد هذه الاحزاب الهاما ووحيا لاحزاب اخرى. فقد ساهمت في عمليات الخصخصة الكبيرة، كسرت النقابات الكبرى ونقلت العمل المنظم الى العمل عن طريق عقود شخصية وشركات قوى بشرية. هذا التحول أضرّ بالشباب الاوروبي الذي يلاقي صعوبة في إتمام الشهر مع اجر لا يتعدى الالف يورو.

هناك بديل للاشتراكية الديمقراطية. وهو من كلمة واحدة. ليست كلمة سحرية، بل مهمة صعبة التحقيق. في مجتمع رأسمالي تبدو الكلمة سلبية مع انها ايجابية. انها التضامن. التضامن يمكن ان يكون قوميا، طبقيا، والاهم انه لا يخشى ان يكون يساريا. انه مرآة لمجتمع يرى في المساواة قيمة عليا. عندما يتوفر التضامن فلا احد سيشعر بالوحدة. التضامن ليس كلمة يجب العمل على تحقيقها، بل هو مجتمع كامل يجب العمل على بنائه، ابتداءً من الانتخابات القريبة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__259
18.11.2017, 02:11