تاريخ النشر ٠٦/١١/٢٠٠٨

شؤون دولية

الانتخابات الامريكية

رأسمالية دون لون

يعقوب بن افرات

إذا دل انتخاب اوباما لرئاسة الولايات المتحدة على شيء، فانما يدل على ان رأس المال ليس له لون، او دين او جنس، بل فيه مكان لكل القوميات والاعراق اذا توفر فيها القاسم المشترك وهو خدمة الطبقة البرجوازية وحدها دون بقية شرائح المجتمع. هذه الطبقة البرجوازية يمكن ان تكون يهودية او مسلمة، بيضاء او سوداء، شرقية او غربية، وما يميزها هو السعي لجني الربح على اساس استغلال الطبقة العاملة في كل مكان.

وصلت الامور الى حد الحسم، وقررت الولايات المتحدة الامريكية انها تريد التغيير، وانتخبت براك حسين اوباما ليكون اول رئيس اسود في تاريخها. لا بد من الاعتراف اننا امام حدث جلل لم يسبق له مثيل، ومفاجأة كبيرة جدا علما ان امريكا اختارت قبل ثماني سنوات فقط رئيسا يمثل امريكا المحافظة والعنصرية. وليس من المستبعد ان يكون الخطأ الفادح الذي ارتكبته امريكا بانتخابها جورج بوش، هو نفسه الذي فتح المجال للحادث التاريخي الذي صنعته امريكا في يوم الثلاثاء الاخير.

تمر امريكا بأحلك مراحل تاريخها. فهي متورطة في حربين لا تبدو لهما نهاية في افغانستان والعراق، وتواجه ازمة اقتصادية عميقة تهدد كيانها الاجتماعي والسياسي. الشعب الامريكي سئم سياسة بوش التي اعتمدت على القوة العسكرية بدل الدبلوماسية من جهة، ومنحت من جهة اخرى لرأس المال كل الامتيازات الممكنة لتضخيم ارباحه دون الاخذ بعين الاعتبار العواقب الوخيمة لهذه السياسة المغامرة والخطيرة. امريكا بحاجة الى تغيير، واوباما حوّل التغيير الى اهم شعار له واقنع الامريكيين بانهم "نعم، قادرون".

ولكن الازمة العميقة التي سمحت بانتخاب اوباما قد تتحول هي نفسها الى سبب فشله، وبالتالي الى خيبة امل كبيرة. وقد سبق ان حدث امر كهذا في جنوب افريقيا عندما انتخب نيلسون مانديلا للرئاسة ولكن سلطته تحولت الى مصدر للفساد، وفشلت في حل المشاكل الاساسية وعلى رأسها الفقر، التي يعاني منها المواطنون السود.

عندما يطرح اوباما شعار التغيير، علينا ان نسأل اي نوع من التغيير يقصد؟ هل يقصد تغييرا شكليا يحافظ على الاركان الاساسية للنظام الرأسمالي الامريكي الذي يعتمد على الجبروت العسكري من جهة وعلى دور بورصة وول ستريت من جهة اخرى؟ علينا ان نسأل ماذا سيكون موقف اوباما من الحرب في العراق وأفغانستان؟ هل سينسحب من هاتين الدولتين المنكوبتين ويحترم ارادتهما السيادية؟ ماذا سيكون مصير علاقة امريكا بدول الخليج النفطية وانظمتها الاستبدادية؟ كيف سيتعامل مع اسرائيل، الحليف الاستراتيجي لامريكا في المنطقة؟

اذا تابعنا بدقة خطابه، فلا يمكن ان نجد ما يدل على اننا فعلا امام تغيير جذري، بل نحن امام محاولة لإنقاذ امريكا من ورطتها الاقتصادية وحروبها الفاشلة. ولن تكون مهمة الانقاذ هذه سهلة. فالفراغ الذي ستتركه امريكا في حال انسحابها من العراق وافغانستان، سيؤدي الى تقوية دور ايران في العراق على حساب دول الخليج من جهة، وتقوية طالبان في افغانستان على حساب الدول المحيطة مثل الهند التي تعتبر هي الاخرى حليفة استراتيجية لامريكا.

اما على مستوى الاقتصادي وهو التحدي الكبير امام الرئيس الجديد، فكل ما تعهد به اوباما هو ادخال تغييرات طفيفة، يمكنها في اقصى حد ان تعالج اعراض المرض دون استئصاله. في كل خطاباته الانتخابية لم يذكر اوباما ولو مرة واحدة كلمة "الرأسمالية" كنظام مسبِّب للازمات، بل اكتفى باتهام مدراء بنوك الاستثمار والمضاربين في البورصة، دون ادانة النظام نفسه الذي سمح لهؤلاء المدراء بالمضاربة التي تقود العالم كله الى الهاوية.

وليس هذا مفاجئا، فأوباما يراهن على طبقة الوسطى، ولارضائها وكسب دعمها اعلن عن نيته تقليص الضرائب على العمال والموظفين، ورفع الضرائب على من يربح اكثر من 250 الف دولار سنويا. كما اعلن نيته فرض رقابة اكبر على البورصة، وخلق اماكن عمل جديدة في البنى التحتية الحكومية كإنشاء الشوارع، الجسور والغرف المدرسية.

ولكن هذه الاصلاحات تبقى شكلية، خاصة اذا اخذنا بالاعتبار ان اوباما وحزبه الديموقراطي دعما خطة بوش لإنقاذ البنوك وشركة التأمين الكبيرة (AIG)، وذلك على اساس منحها 700 مليار دولار على حساب الخزانة الحكومية واموال الجمهور، هذا بدل معاقبتها على المغامرة الخطيرة التي قامت بها والتي سببت للجمهور خسائر في برامج التقاعد تقدر ب2 تريليون دولار.

المبلغ المعدّ للانقاذ يقارب ثلث ميزانية الدولة (وحجمها 3 تريليون دولار)، وهو بعيد جدا عن تغطية الخسائر العامة التي تكبدتها البنوك والشركات الامريكية وتقدّر ب50 تريليون دولار. ولكن السؤال الاكبر سيكون، من اين ستجد الحكومة الجديدة المليارات اللازمة لخلق اماكن العمل، اذا كانت تخصص الاموال لإنقاذ المسؤولين عن الكارثة؟ هذا الوضع يشير الى اولويات اوباما الحقيقية، فهو يرى في رأس المال المحرك الاساسي للاقتصاد، والبورصة بالنسبة له مصدرا اساسيا لتحقيق النمو الاقتصادي. ولا ننسى ان بورصة وولستريت هي التي دعمت اوباما في حملته الانتخابية، لضمان دعمه لها ولمصالحها بعد انتخابه.

رغم الاحتفالات الكبرى والتفاؤل الاكبر، الا ان الحقيقة هي ان انتخاب اوباما يأتي لانقاذ رأس المال، وليس لكبح جماحه. التجربة التاريخية تعلمنا انه في كل مرة يفشل فيها رأس المال ويؤدي الى كارثة اقتصادية، يتراجع لفترة ما، ويعطي المجال لحزب اصلاحي يتمتع بشعبية ان يصلح الوضع ويعيد المياه لمجاريها، حتى يعود رأس المال من جديد للساحة لمواصلة سياسة السوق الحرة والأرباح السهلة، حتى الازمة القادمة. شعار اوباما "نعم نحن قادرون"، هو محاولة لإنقاذ النظام الرأسمالي من الطريق المسدود الذي وصل اليه، وليس بناء بديل سياسي اجتماعي اقتصادي جذري له.

إذا دل انتخاب اوباما لرئاسة الولايات المتحدة على شيء، فانما يدل على ان رأس المال ليس له لون، او دين او جنس، بل فيه مكان لكل القوميات والاعراق اذا توفر فيها القاسم المشترك وهو خدمة الطبقة البرجوازية وحدها دون بقية شرائح المجتمع. هذه الطبقة البرجوازية يمكن ان تكون يهودية او مسلمة، بيضاء او سوداء، شرقية او غربية، وما يميزها هو السعي لجني الربح على اساس استغلال الطبقة العاملة في كل مكان.

تقلّد اوباما مهامّه لخدمة رأس المال، وهذا ما يميز برنامجه. ولو كان يقصد خدمة العمال حقا، لما تمكّن من الوصول للبيت الابيض، علما ان تكاليف الحملات الانتخابية تقدر بمئات الملايين من الدولارات. ويؤكد هذا ان العقبة الحقيقية امام الوصول لكرسي الحكم، ليست اللون بل الانتماء الطبقي. فامريكا مستعدة للقبول برجل اسود ليقودها، ولكنها غير جاهزة ان يقودها عامل، ابيض كان ام اسود.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__251/رأسمالية_دون_لون
19.11.2017, 23:11