تاريخ النشر ٢٧/١٠/٢٠٠٨

شؤون محلية

احداث عكا تكشف ازمة مجتمع كامل

سامية ناصر

لا يمكن ان نعزل احداث عكا عما يشهده الوسط العربي منذ سنوات، فهو بات يتحرك بحكم الغرائز البدائية والعصبية القبلية والطائفية. ولمن اراد ان ينظر لمشكلة عكا كمشكلة عرب ويهود فحسب، عليه ان يفتح اية صحيفة من الصحف العربية يوم الجمعة ليرى حجم الازمة الداخلية التي يعيشها المجتمع العربي.

على مدار اربعة ايام عاشت عكا احداثا غير عادية. كانت الشرارة حادث عرضي اثاره دخول مواطن المدينة توفيق الجمل بسيارته الى الحي الذي تسكنه غالبية من اليهود المتدينين في يوم الغفران الموافق 8/10، مما اثار حفيظتهم وادى الى رجم سيارته بالحجارة وتطويق البيت الذي لجأ اليه من قبل مئات المتدينين اليهود. الحادث واشاعات حول مقتل السائق قادت بدورها الى موجة الغضب من جانب الشباب العرب الذين هرعوا للمكان وقاموا بتكسير واجهات الحوانيت وحرق السيارات. ولم يقف الطرف الآخر مكتوف اليدين، بل ردّ بالمثل من خلال الإقدام على حرق ثلاثة بيوت من سكان الحي الشرقي العرب على مدى ثلاثة ايام متتالية – الطرف الوحيد الذي لم يحرك ساكنا كان الشرطة التي عجزت عن وقف الاحداث.

هذه الاحداث تؤكد بشكل لا لبس فيه عنصرية سكان الحي اليهود، ولكنها تكشف اكثر من اي شيء عدائية شرطة اسرائيل تجاه المواطنين العرب. فهذا الجهاز لم يحرك ساكنا لحماية سكان هذا الحي بالذات علما انه يتعرض منذ سنوات لاعتداءات متواصلة من جانب المتطرفين اليهود. وقد شملت الاعتداءات عمليات حرق بيوت مواطنين عرب، حرق مسجد المنشية، الاعتداء على عائلة رمال وغيرها.

صبحي مرسي الذي احترق بيته خلال الاحداث الاخيرة، كان احد ضحايا الاعتداءات على بيته وسيارته في يوم الغفران العام الماضي. مرسي نفسه يتطوع في جهاز الشرطة، وقد قال للصبار: "تقدمت بشكوى للشرطة إثر قيام شبان يهود بحرق سيارتي العام الماضي، غير ان الشرطة لم تحرك ساكنا". رافق تخاذل الشرطة نداءات متطرفة من حاخام عكا يسرائيل شتيرن، والذي نادى بمقاطعة العرب وعدم الشراء من دكاكينهم وعدم التعامل معهم، وكذلك رفض اللقاء مع القيادات العربية في المدينة بهدف الصلح.

من الجانب الآخر التهبت الشعارات والخطابات من كل حدب وصوب، شملت عدا عن الاحزاب المحلية، حزب الله، الرئيس السوري بشار الاسد والفصائل الفلسطينية المختلفة. وجميع هؤلاء سارعوا لاستغلال احداث عكا للانذار من الترانسفير ومن تعرض عرب عكا لعملية تطهير عرقي، وبلغت الامور بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ان تهدد باغتيال الزعيم الاسرائيلي اليميني افيغدور ليبرمان. شعارات مثل "اذبح اليهود" انتهت بتقديم عدد من قيادات عكا العرب اعتذارهم عن الحادث، وعادت عكا لهدوئها الحذر، في انتظار الانفجار القادم. وهذا الانفجار حتمي لان الارضية كانت ولا تزال جاهزة لذلك.

واذا كان هناك نقاش في البلاد حول سير الاحداث ومن الذي بدأ ومن يتحمل المسؤولية، الا انه لا نقاش حول النتائج وحول المتضررين، فهي واضحة. 14 عائلة عربية تركت بيوتها تحت وطأة الهجمات العنصرية وتسكن اليوم في فنادق مختلفة، وقد قررت سبع عائلات منها عدم العودة للسكن في نفس الحي؛ هذا علاوة على الاضرار الاقتصادية الهائلة التي تسببت لكل سكان عكا، وخاصة لتجار عكا القديمة العرب. ولعل الضرر الاكبر هو ازدياد الخوف من المستقبل.

خلفية الاحداث

كشفت الاحداث عن المشاكل السياسية التي تعانيها المدينة العريقة. فعنصرية الاغلبية اليمينية تجاه العرب في نمو مستمر، وكذلك الكراهية بين الطرفين، اما السلطات الممثلة برئيس البلدية (كاديما) شمعون لانكري، فمصرّة على تهويد عكا من خلال زرع مجموعات متدينة يمينية في قلب الوجود العربي في عكا. عكا اشبه اليوم ببرميل بارود ويكفي عود كبريت واحد ليشعل الاجواء من جديد. ولا يمكن في هذا الصدد تحميل توفيق الجمل مسؤولية ما حدث وتصويره بانه عكّر اجواء التعايش "الممتازة" في المدينة.

أجمع كل من تحدثنا معهم في موضوع عكا من سكان المدينة، ان الارضية كانت جاهزة لاندلاع الازمة. فالمدينة تعاني، شأنها شأن الوسط العربي عامة، من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، انتشار المخدرات، سياسة التجهيل في المدارس وانعدام الاطر التربوية والتعليمية. ولكن لا يمكن انكار خصوصية عكا كمدينة مختلطة، سعت الدولة على مدى 60 عاما لتضييق الخناق على سكانها ودفعهم لتركها باتجاه القرى العربية المجاورة، دون نجاح كبير.

تشهد عكا القديمة حركة تجارية نشطة جدا في الجانب العربي، هذا اضافة الى ان نسبة سكانها تشهد ارتفاعا في السنوات الاخيرة. يسكن عكا حوالي 15 الف عربي، وهم على وشك ان يشكلوا ثلث سكان المدينة البالغ عددهم 52 الفا. يسكن غالبية سكان عكا العرب في البلدة القديمة، وفي الاحياء القريبة منها. اما في الحي الشرقي حيث اندلعت الاحداث، فتسكن غالبية يهودية و14 عائلة عربية فقط.

لعكا خمسة مندوبين عرب في البلدية، ويشغل اسامة غزاوي منصب نائب الرئيس. وفي حين يؤكد السكان في شوارع عكا الرئيسية وجود تعايش حقيقي مع الجيران اليهود، الا ان الوضع يختلف في الحي الشرقي حيث العرب اقلية قليلة، وحيث المحاولات العنصرية مستمرة منذ سنوات لاخلاء العائلات العربية منه.

عكا لا تخاف هدير البحر، ولا الترانسفير ولا التهجير. ولكن عكا تعاني ايضا غياب القيادة، وفلتان الشارع. كريم زيدان، شاب يعمل في مطعم بعكا القديمة، عبّر عن عدم رضاه عن القيادة العربية في المدينة، فقال: "ان القيادة عاجزة عن مواجهة التيار، فهي تنتظر الحدث وتنجر وراء الجمهور، وبدل ان تقوده تدعه يقودها".

وحول موقف الجبهة، التي رفضت الاعتذار مثلما فعل باقي التيارات، من امثال النائب عباس زكور، والاعلامي زهير بهلول وغيرهما، قال العديد ممن التقيناهم ان الجبهة تصرفت ازاء الاحداث من اعتبارات تتعلق بحملتها الانتخابية، ولو ان الاحداث جرت في فترة عادية من السنة، لسارعت الى تطويق الاحداث بشكل اسرع.

مبرشم مبرشم صاحب مطعم من عكا قال: "ان المجتمع العربي شأنه شأن الاسرائيلي يفتقد القيادة. ولو كانت هذه القيادة موجودة لما تدهورت الامور الى هذه الهاوية. المشاكل موجودة وليست جديدة لكنها تبحث عمن يعالجها بالطرق الصحيحة، ولكن القيادة تقيس تحركاتها على اساس محسوبيات ومصالح شخصية، وهذه عادة تتعارض مع مصالح المواطنين".

الكثيرون ممن التقيناهم تحفظوا على اسلوب الشباب العرب الذين سارعوا لتكسير واجهات الحوانيت والاضرار بالملك العام. من هؤلاء شمس حتحوت من سكان عكا القديمة التي قالت: "ان العرب واليهود يعيشون في عكا منذ عشرات السنين على اساس علاقات من الاحترام المتبادل. لم نشعر يوما بالتفرقة بين العرب واليهود. سكنّا معا في بنايات مشتركة وسادت بيننا علاقات حسنة. المشكلة لم تكن مع سكان عكا اليهود الاصليين، بل مع المتطرفين الذين سعت السلطة الى زرعهم في عكا وهم من ينادي بطرد العرب. ولذلك لا يمكن اتهام كل اليهود، ولا يمكننا الا ان نسعى لمد جسور التواصل مع من هو مستعد لذلك، لا ان ندمر علاقتنا معه".

الفوضى هي العنوان

لا يمكن ان نعزل احداث عكا عما يشهده الوسط العربي منذ سنوات، فهو بات يتحرك بحكم الغرائز البدائية والعصبية القبلية والطائفية. ولمن اراد ان ينظر لمشكلة عكا كمشكلة عرب ويهود فحسب، عليه ان يفتح اية صحيفة من الصحف العربية يوم الجمعة ليرى حجم الازمة الداخلية التي يعيشها المجتمع العربي.

احداث قرية المغار بين الدروز والمسيحيين، سبقت عكا، وخلّفت دمارا اكبر بكثير. فقد اضطر الكثير من السكان المسيحيين لترك قريتهم واللجوء الى حيفا والناصرة وعيلبون خوفا من تنكيل الدروز بهم. في دير الاسد العام الماضي، بعد حادثة قتل بين عائلتين، تم حرق العديد من البيوت وطرد اهلها منها. الوسط العربي برمته قابل للاشتعال في كل لحظة. اي خلاف في الرأي يمكن ان يتحول بسرعة لحادث قتل او طعن او دهس، والامثلة على ذلك كثيرة. رد فعل الشباب في عكا الذي حرّكته الغرائز لا يختلف عنه في اماكن اخرى، الدمار والقتل والحرق صارت الوسيلة التي ننفس بها عن غضبنا، وصارت الفوضى سيدة الموقف.

تطرقنا الى ما يحدث في وسطنا العربي لنلقي الضوء على ظاهرة خطيرة. ان النضال من اجل البقاء والعيش المحترم يحتاج الى اساليب حضارية. ان موقفنا في هذه البلاد حساس جدا، فالحكومة والجمهور والرأي العام، في انتظار اي خطأ من قبلنا لتبرير الهجوم علينا. لذلك، ولاسباب اهم تتعلق بحصانة مجتمعنا الداخلية، علينا ان نجري حساباتنا قبل القيام باي خطوة ودراسة تأثيراتها على النضال الطويل من اجل الحصول على حقوقنا. انه نضال يستحق التضحية والتحرك لاجله، واذا قمنا به بالطرق السليمة فلن نضطر ايضا للاعتذار.

احداث عكا هي مثابة عبرة هامة. فهي تذكرنا من جديد بوضعنا كمواطنين درجة ثانية، وهي تكشف العنصرية التي تزداد وتتفشى على المستوى الشعبي ضدنا. ولذلك، فهي تضع امامنا مسؤولية كبيرة جدا بالنسبة لكيفية ادارة نضالنا بالاساليب المتاحة امامنا لكسب شرعية النضال ضد العنصرية، وتغيير السياسة الحكومية ضدنا. هذا يستدعي استبدال الحسابات السياسية الضيقة التي تتبعها الاحزاب العربية، بسياسة حكيمة مسؤولة تخاطب عقول الجماهير بدل عواطفها، وتمتنع عن ايصال الناس لحالات يصعب الدفاع عنها وتقود في النهاية الى الاعتذار. قضيتنا مشروعة ونضالنا شريف، وعلينا ان ندافع عنهما باساليب حضارية وديمقراطية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__250
21.11.2017, 19:11