تاريخ النشر ٢٦/١٠/٢٠٠٨

حزب دعم

الرأسمالية تضع العالم امام الهاوية

وثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم من 19 اكتوبر 2008.

شبح الازمة الاقتصادية يحوم حول العالم ويهدد "القرية العالمية" بالانهيار. فلا دولة ولا حتى قرية في اقصى بقاع الارض ستكون في منأى عن المرض الذي راح يتفشى بسرعة في كل انحاء العالم. منذ بداية التسعينات ربط النظام الرأسمالي الحديث اطراف العالم، وألغى الحدود القومية ووحّد البشرية ضمن سوق واحدة وفرض سيطرته عليها دون منازع. والآن، عندما مرض هذا النظام ووصل حد الانهيار، بات يهدد بتدمير السوق العالمية التي يجري في شرايينها الدم الرأسمالي المسموم.

نحن كماركسيين شخصنا هذا المرض منذ عقد من الزمن. في الوثيقة الاساسية للمؤتمر الرابع لحزب دعم العمالي الذي انعقد عام 1999، أوضحنا الاسباب الاساسية التي من شأنها ان تؤدي لانهيار النظام الرأسمالي. ورافقنا التوضيح بشرح مفصل يتعلق بضرورة اعادة النظر في القضية الوطنية الفلسطينية، وضرورة وضعها في سياقها الدولي الصحيح وضمن "رؤية جديدة في عصر العولمة"، كما ينص عنوان الوثيقة.

منذ ذلك الوقت اتضح لنا ان مصير النظام الاقتصادي الحالي محتوم، نظرا لمشاكله البنيوية الجمة. على اساس هذا الفهم غيّرنا بشكل جذري نهجنا وبرنامجنا، وقلنا ان حل القضية الفلسطينية وقضايا الحرب والسلام مرهون بحدوث تغيير جذري في الوضع العالمي. وبمعنى آخر، قلنا انه ليست هناك امكانية للتوصل الى حل للقضية الفلسطينية بمعزل عن حدوث تغيير في موازين القوى العالمية لصالح الطبقة العاملة والتيار اليساري.

العقيدة الثانية التي ارتكز عليها نهجنا الجديد تقول ان مصير الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية لن يُحسم بقوة السلاح او المقاومة المسلحة في الظروف الراهنة، بل هو مربوط بانهيار النظام الرأسمالي الذي يشكّل السند الاساسي للنظام الاسرائيلي. ان مصير اسرائيل لن يُحسم في رام الله ونابلس، بل في بورصة وولستريت بنيويورك. فوجود اسرائيل مربوط بل ومرهون بسلامة النظام الرأسمالي وعلى رأسه الولايات المتحدة المنحازة تماما لصالح اسرائيل وتدعم احتلالها للضفة الغربية وغزة. وقد كررنا موقفنا في كل مناسبة مع ان الجمهور وتحديدا الطبقة العاملة، لاقت صعوبة في استيعاب هذا الموقف نظرا للهيمنة الامريكية المطلقة على العالم.

ورغم كل الصعوبات بدأنا نلقي كل ثقلنا ووزننا السياسي على الطبقة العاملة التي تشرذمت اثر انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع الاحزاب اليسارية والنقابات في العالم. كان علينا ان نبدأ بعملية اعادة البناء وان نجهز انفسنا للوقت الذي سيصل فيه النظام الرأسمالي الى طريق مسدود ويعلن افلاسه. هذه اللحظة ستكون موجعة للجميع، علما ان أول من سيدفع فاتورة الافلاس هي الطبقة العاملة التي ستواجه البطالة والفقر.

في هذا السياق جاءت المبادرة المميزة لحزب دعم لتأسيس جمعية معًا النقابية، تعبيرا عن ايماننا بان الاشتراكية كرؤية اجتماعية وبرنامج سياسي ستعود لا محالة الى صدارة الاهتمام العام، وستطرح نفسها حلا وحيدا في مواجهة الازمة التي قاد اليها النظام الرأسمالي.

الامريكان يفسرون ازمتهم

ان تفاقم الازمة الاقتصادية الحالية نابع من فقدان الثقة بالقطاع المصرفي، وبالذات بين البنوك وبين بعضها البعض. وهذا الوضع بدوره ناجم عن انهيار سلسلة من البنوك وشركات التأمين في العالم، بعد ان تكبدت خسائر ضخمة نتيجة انهيار سوق العقارات في اكثر من بلد. وكانت بداية ازمة العقارات في الولايات المتحدة في صيف 2007، وهي منذ ذلك الوقت لم تتوقف حتى ادت لافلاس اكبر بنوك الاستثمار وبنوك الرهن العقاري وشركات التأمين. وجر هذا سلسلة من الانهيارات في مناطق اخرى من العالم، بعد ان اتضح ان اهم البنوك العالمية، وتحديدا في اوروبا، كانت مربوطة بطريقة او بأخرى بالبنوك الامريكية التي اصدرت ما يسمى "السندات المسمومة" اي المعتمدة على مجال القروض في سوق الرهن العقاري الثانوي.

وزير المالية الامريكي، هنري بولسون، الذي شغل قبل عامين منصب مدير البنك الاستثماري غولدمان ساكس، يرى ان المشكلة الاساسية هي في مجال الائتمان للمدى القصير. واضاف بولسون ان انعدام الثقة بين البنوك نابع من عدم معرفة البنوك وضع البنوك الاخرى التي تطلب منها الائتمان، ومدى قدرتها على تسديد الدين او قربها عمليا من الافلاس. ولتسهيل الاقتراض بين البنوك ومنح الشركات ايضا امكانية الاقتراض من البنوك، ضخ البنك المركزي الامريكي اكثر من تريليون (الف مليار) دولار للسوق، ووعد باقتناء السندات "المسمومة" لتحرير البنوك من الخسائر وبالتالي اعادة الثقة فيما بينها.

تتفاوت اليوم التفسيرات حول اسباب الازمة التي لم يشهد لها العالم مثيلا منذ ثلاثينات القرن الماضي. هناك من يرى ان السبب الرئيسي هو طمع مدراء البنوك الذين تقاضوا اجورا خيالية كانت مربوطة بالارباح التي حققتها البنوك، فقد ارتفعت اجور المدراء مع ارتفاع نسبة الربح حتى وصل الى مليار دولار سنويا، الامر الذي شكّل حافزا للمخاطرة في المضاربة بالسندات التي ادخلت ارباحا لا تصدق في وقت قصير.

وهناك من يرى ان سبب الازمة هو فقدان الرقابة على البورصة، بعد ان الغى الكونغرس الكثير من القوانين التي منعت هذا النوع من المضاربة ذات المخاطرة العالية. ورأي آخر يقول ان نظرية "ذكاء" السوق و"اليد الخفية" التي تدير السوق دون تدخل الحكومة حسب مبدأ القوي سيصمد والضعيف سيسقط وان السوق بهذه الطريقة يوازن نفسه، هي هي سبب الكارثة.

كل هذه الآراء صحيحة، ولكنها تقدم تفسيرا جزئيا فقط، ولا تأخذ بالحسبان كل المعطيات والحقائق التي تفسر كيف وصل اكبر واهم اقتصاد في العالم الى هذه الحال. الحقيقة ان معظم السياسيين والمحللين في امريكا لا يريدون مواجهة الحقيقة المرة وهي ان الاقتصاد الرأسمالي الامريكي وصل الى طريق مسدود، وان ظاهرة ازمة الائتمان ليست سوى ذروة في تطور تاريخي عميق وطويل الامد يتعلق بتراجع الاقتصاد الامريكي امام القوى المنافسة له في العالم من جهة، وتحوله من جهة اخرى من اقتصاد منتج الى اقتصاد يعتمد على المضاربة كمصدر اساسي للربح.

لم يعد مصدر الربح القيمة الاضافية الناجمة عن استغلال الايدي العاملة، حسب تحليل كارل ماركس، بل صار المصدر هو المتاجرة بأموال العالم والمضاربة بكل انواع السندات و"المشتقات" عن هذه السندات، والتي وصلت قيمتها الى ارقام خيالية تفوق الخمسين تريليون دولار او ما يعادل الخمسين الف مليار دولار!

لقد نسي الامريكان ان حجر الاساس في كل اقتصاد هو الانتاج، وانه هو مصدر الربح والثروة. البورصة الامريكية تحولت الى كازينو كبير، وبدل ان تكون عاملا مساعدا للانتاج ومركزا بالنسبة للشركات لتجنيد الاموال بهدف الاستثمار في المجالات الانتاجية التي تخلق اماكن العمل وتزيد القوة الشرائية للعمال وترفع مستوى معيشتهم؛ صار كل دورها التكهن بالنسبة لكيفية تصرف الاوراق المالية، السندات الحكومية، العملات والبضائع الاساسية مثل الطحين والنفط. "صناعة التكهن" الجديدة هذه التي وظّفت مئات آلاف الموظفين، خلقت ثروة وهمية معزولة عن الاقتصاد الحقيقي. مؤشر البورصة لم يعد دليلا على وضع الاقتصاد الحقيقي، بل على نسبة الارباح التي جنتها قلة قليلة من اصحاب البنوك الاستثمارية وصناديق التحوط.

اما اليوم، فازاء الكارثة الآخذة بالتوسع، يقترح اصحاب الفكر الرأسمالي برامج تختلف عن النظرية التي روّجوا لها في السابق. فهم الآن مع استيلاء الدولة على البنوك وتأميمها، وبذل كل الامكانيات المالية لاعادة الثقة بالسوق وتسهيل الائتمان المجمد. بالمقابل احتدم النقاش بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الوشيكة، براك اوباما وجون ماكين، حول ضرورة تقليص الضرائب ومن الشريحة التي ستستفيد من هذا التقليص، الوسطى ام الثرية. واضح ان الجواب للازمة لا يكمن في السياسة الضريبية او النقدية، بل موجود في مكان آخر، وهو دور الاقتصاد الامريكي في الانتاج او دور الاقتصاد الحقيقي، وهذا الموضوع الاساسي لا يزال غائبا عن النقاش السياسي.

امراض الاقتصاد الامريكي

لا نقصد من هذه الوثيقة ان نسوق تحليلا شاملا لكل امراض الاقتصاد الامريكي. وقد سبق ان نشرنا ابحاثا عميقة حول النظام الاقتصادي الامريكي في وثائق مؤتمراتنا الحزبية السابقة ومقالاتنا، انطلاقا من ادراكنا لأهمية الاقتصاد الامريكي ودوره العالمي. على سبيل المثال ركزت وثيقة المؤتمر الرابع من عام 1999، في تفسير التغييرات البنيوية التي طرأت على الاقتصاد الامريكي، وكيف تحول من دولة مصدِّرة لمنتجاتها الى دولة مستوردة؛ اما وثيقة المؤتمر السادس المنعقد عام 2004 فأسهبت في شرح ازمة القطاع المالي الناتجة عن الثورة التي قامت بها الحكومات الامريكية المتلاحقة، وخاصة الغائها الضوابط والرقابة على التداول في البورصة منذ مطلع الثمانينات.

وتلخص الوثيقتان المذكورتان سيرة التطور الاقتصادي في امريكا منذ الثمانينات. المحطة الاساسية حينها كانت تولي رونالد ريغان رئاسة الولايات المتحدة، وتطبيقه البرنامج الاقتصادي المحافظ الذي عُرف فيما بعد بالاقتصاد النيوليبرالي. المشكلة الاساسية التي تشير اليها وثيقة المؤتمر الرابع (99) هي التغيير في مكانة امريكا في الانتاج العالمي مطلع السبعينات، بعد ان تمكنت اليابان والسوق الاوربية من منافسة الامريكان، خاصة بسبب رخص اليد العاملة اليابانية والاوروبية مقارنة بالامريكية. وكانت النتيجة هبوطا مستمرا في ارباح الشركات الامريكية وفقدان احتكار السوق العالمية خاصة في مجال السيارات والفولاذ.

وكان الرد الحكومي الامريكي على هذه الظاهرة، ثورة على كل المفاهيم وكسر "الوفاق الاجتماعي" الذي اسسه الرئيس فرانكلين روزفيلت في الثلاثينات اثر الازمة الاقتصادية الخانقة التي هددت سلامة النظام السياسي الامريكي برمّته. ومنذ ذلك الوقت سادت مفاهيم جديدة، توقفت حسبها امريكا عن الانتاج المحلي، ونقلت مصانعها الى مناطق اخرى في العالم، وتحديدا الصين، حيث الايدي العاملة الرخيصة.

ولم تكن اليد العاملة الامريكية الغالية العقبة الوحيدة امام ربحية رأس المال، بل ايضا الضرائب العالية التي فرضت لتمويل برامج الرفاه الاجتماعي التي شكلت شبكة الامان للعمال مثل التأمين الوطني والصحي ومخصصات البطالة. تقليص برامج الرفاه من خلال خفض الضرائب افقد العمال الامريكيين الاستقرار في العمل، الحماية النقابية وشبكة الامن الاجتماعية، مما جعلهم اكثر فقرا.

الاساس الثالث الذي اعتمدته الخطة الرأسمالية الجديدة من الثمانينات، كان تقليص دور الدولة في ضبط وقيادة الاقتصاد. منذ تطبيق الخطة وحتى ايامنا تغيرت الاعتبارت من اجتماعية الى نقدية، وتحولت سياسة الحكومة من الاهتمام بضمان اماكن العمل ومنع البطالة الى ضمان استقرار العملة ومنع التضخم المالي. ولتحقيق هذا الهدف تم تقليص نفقات الحكومة من خلال تقليص الميزانية والحيلولة دون تجاوز العجز فيها ال2% من الناتج المحلي الاجمالي. وتم الانقلاب على النظرية التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية والتي اعتبرت ان ما يفيد العمال يفيد المجتمع، الى نظرية عكسية ترى ان ما يفيد رأس المال يفيد المجتمع بشكل عام.

النظرية الجديدة خلقت واقعا جديدا في امريكا والعالم، وتحولت أمريكا الى دولة مستوردة الامر الذي خلق دينا خارجيا في ميزانها التجاري. وصار الاقتراض نمط حياة ليس على مستوى الحكومة فحسب، بل على المستوى الشخصي ايضا. ففي حين تم تجميد اجور المواطنين استمر مستوى معيشتهم بالارتفاع. وقد تم انجاز هذه المعادلة العجيبة على اساس بطاقة الائتمان التي استبدلت الاجر الكريم. ولكن مع ازدياد الطلب والاستهلاك زاد ايضا الدين العام، وكانت تلك مسألة وقت حتى وصلت الناس الى وضع لم تعد فيها قادرة على تسديد ديونها.

لم يكتف النهج الرأسمالي الحالي بتقليص دور الحكومة والقوة الشرائية للعمال، بل منح البنوك وشركات التأمين وصناديق التحوط كل الامكانيات للتداول بالاسهم دون رقابة. بعد نقل المرافق الاقتصادية العامة الى ايدٍ خاصة، واتيحت التجارة الحرة في اسواق المال العالمية، انتقل ثقل الاقتصاد والسيطرة عليه من الحكومة الى ايدي الشركات الخاصة والبنوك. ومع ازدياد قوة رأس المال زاد نفوذه السياسي ايضا، حتى تمكن من بسط سيطرته الكاملة على الحكومة والكونغرس. وأضحت امريكا دولة رأس المال من اجل رأس المال وفقدت الديموقراطية معناها الحقيقي وتحولت الحملات الانتخابية الى منافسة بين ممثلين يجمعهما اخلاصهما لوول ستريت ولا فارق جدي في سياسة كل منهما.

ولم تؤد الازمات المتلاحقة التي اصابت بورصات العالم منذ عام 1997 في شرق آسيا وصولا الى روسيا ومن بعدها لامريكا الاتينية، الى وقف هذا النهج المضر او اعادة النظر فيه، بل بالعكس. فقد اصبحت نيويورك مركزا اساسيا انتقل اليه رأس المال العالمي بما في ذلك البنوك اليابانية والأوروبية وكذلك الصناديق السيادية الخليجية والصينية. وركز التداول في أوراق المال لا بهدف دعم الشركات المنتجة بل بهدف المضاربة وتحقيق الربح فقط. ولزيادة منسوب الارباح تم اختراع "ادوات مالية" مختلفة، بينها عقود و"مشتقات" معقدة للغاية وعصية على الفهم حتى بالنسبة للخبراء في المجال. المضاربة في هذه "الادوات" جاءت بهدف إدخال مبالغ ضخمة للسوق لتحقيق اقصى درجة من الربح من خلال المخاطرة وحتى المغامرة. كل ذلك دون تفكير بالنتائج الوخيمة التي قد تكون لهذه العملية على الاقتصاد العالمي.

انهيار البورصة الامريكية عام 2000 إثر انفجار فقاعة سوق الاسهم التابعة لشركات التكنولوجية المتطورة(هاي-تك)، كان ناقوس خطر حقيقي. فقد ادت الازمة لفقدان مبالغ ضخمة شملت توفيرات وأموال صناديق التقاعد لعشرات آلاف المواطنين، تم استثمارها في سوق الهاي تك الذي حقق ارتفاعا بنسبة 100% سنويا ولكنه حقق فائدة بسيطة، كان من الممكن تحقيقها من خلال شراء سندات حكومية مضمونة. بعد ان اتضح ان "الاقتصاد الجديد" ليس حقيقيا وان شركات الانترنت لم تحقق الارباح المتوقعة، فقد الجمهور الامريكي الثقة بالبورصة وبالتجار الذين كذبوا عليه وضلّلوه كي يجذبوه للمصيدة القاتلة.

في اعقاب ازمة الهاي تك عام 2000 دخل الاقتصاد الامريكي الى ركود، فقامت الحكومة بخفض نسبة الفائدة البنكية. ولكن النتيجة كانت تشجيع الاقتراض المفرط، فكانت البنوك الاستثمارية وصناديق التحوط والشركات تقترض بنسبة تفوق رأسمالها ب30 ضعفا.

واستثمرت هذه الاموال في تشجيع سوق الرهن العقاري الثانوي والتجارة بسندات و"مشتقات" مرتبطة بالرهن عقاري. فقد استخدمت الفائدة الرخيصة لإقناع الناس حتى من الشرائح المهمّشة الفقيرة بالاقتراض لشراء البيوت دون ضمانات ولكن بفائدة اخذت بالارتفاع مع الوقت، دون الاخذ بالاعتبار اطلاقا امكانيتهم تسديد هذه القروض. وعندما ازداد الطلب في سوق العقارات ارتفعت اسعار البيوت، وتم تشجيع من امتلك بيتا ان يحصل على قرض مقابل رهن بيته الخاص ليمول مستوى معيشته العالي، من شراء السيارات، العطل الصيفية، الاثاث الجديد، اللهو، عمليات التجميل الجراحية، التعليم العالي. عمليا كان الاستهلاك والنمو الاقتصادي في امريكا نوعا من الوهم، لانه كان مؤسسا على قروض وليس على اقتصاد حقيقي. البنوك الاستثمارية التي اعطت القروض، أصدرت اسهما معتمدة على هذه القروض المشبوهة، وحققت من خلالها ارباحا هائلة وسريعة.

بدأ انهيار هذه الطريقة عندما بدأت الناس تعجز عن تسديد اقساط القروض، كما كان متوقعا. قيام البنوك بوضع يدها على العقارات واخلاء سكانها منها، لم يحل الازمة، بل ادت هذه العملية الى هبوط اسعار البيوت، مما أبقى البنوك مع عقارات لا طلب عليها ولا قيمة لها. التلاعب بالائتمان ادى الى سقوطه كنمط حياة، والاخطر انه ادى الى فقدان الثقة بالبورصة وبأهم اداة للنظام الرأسمالي وهو الائتمان الذي دونه لا يوجد اقتصاد.

هل هناك مخرج من الازمة؟

الهدف من الابحاث التي اجريناها كان اولا إقناع انفسنا قبل غيرنا بان رثاء الاشتراكية وأسس النظرية الماركسية على اثر الانتصار الرأسمالي على الاتحاد السوفييتي، كان سابقا لأوانه. واعتمادا على التحليل الجدلي للواقع، اكدنا ان اختفاء الاتحاد السوفييتي سيزيد من احتداد تناقضات النظام الرأسمالي نفسه، مما سيقود بالتالي لانهياره. اعتمدت هذه الفرضية على الاعتقاد بان الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي لعبا دورا مهما في قيام الحكومات الغربية بلجم النظام الرأسمالي واخذ مصالح الطبقة العاملة بالاعتبار، خشية فقدان دعمها وانتقالها لدعم لشيوعية، خاصة على ضوء تزايد نفوذ الاحزاب الشيوعية في ذلك الحين. كان هذا احد اسباب نمو دولة الرفاه المؤسسة على الوفاق الاجتماعي. وقد منحت دولة الرفاه العمال حقوقا عديدة ورفعت مستوى معيشتهم، لدرجة انهم اعتبروا انفسهم جزءا من الطبقة الوسطى.

كان للاتحاد السوفييتي ايضا دور مهم في احتواء الازمات العالمية، وقدم المساعدات للعديد من الدول النامية في آسيا وافريقيا، وبانهياره ازدادت هذه الدول فقرا وتبعيةً للنظام الرأسمالي الامريكي الذي صار عليه تحمل العبء الاقتصادي وحده. لم تفلح سياسة الولايات المتحدة في منع الفقر من التفشي في هذه الدول، ولكنها في نفس الوقت تعجز عن تجاهل هذه الدول خوفا من العواقب السياسية، كنشوب حروب اهلية او كوارث انسانية او تحولات سياسية خطيرة، كالتي شهدناها في دول امريكا اللاتينية.

من خلال دراسة الاقتصاد الامريكي عملنا على تشخيص مشاكله البنيوية التي تحمل بذور الازمة الحالية. المشكلة الاولى: "التفاوت بين الاستثمار في الانتاج الحقيقي والاستثمار في المضاربة"، كما جاء في وثيقة المؤتمر الرابع لدعم. واضافت الوثيقة انه: "في حين يصل مجمل الاستثمار والتجارة في الانتاج الحقيقي الى 2,7 تريليون دولار سنويا، وتصل المبالغ المتداولة في "المضاربة المثمرة" الى 20 تريليون دولار سنويا، فان اسواق المال تشير الى ان مجمل الاموال المستثمرة في المضاربة يصل الى 400 تريليون دولار سنويا. ومن هنا يتضح ان الفارق الذي يبلغ 380 تريليون دولار، ليس له اساس انتاجي واقعي، وهو نتاج عملية المضاربة نفسها". (ص. 66)

هذه المعطيات كانت صحيحة قبل عشر سنوات، اما اليوم فقد اتسع دور المضاربة في الاقتصاد اضعافا مضاعفة، ما يشير الى ان المشكلة الاساسية في النظام الرأسمالي هي عدم ربحية الاستثمار في الانتاج، وذلك بسبب المنافسة من جهة والتقلص المستمر في الاسواق من جهة اخرى. وبمعنى آخر - القوة الانتاجية باتت تفوق بكثير قدرة السوق على استيعاب البضائع.

بدل الاستثمار في الانتاج، تحول رأس المال لاقتصاد المضاربة. الكارثة ان المضاربة تعتمد على قيم حقيقية مثل المصانع، المشاريع التكنولوجية، الشبكات المعلوماتية، مصانع الطيران والسيارات والمواد الخام. وتخلق المضاربة حالة من التضخم في قيمة الاسهم والعقود و"مشتقاتها" المختلفة، وتصل بها الى درجة الفقاعة التي تنفجر لتهبط قيمتها من جديد وتمحو بذلك كل المبالغ التي تم استثمارها في هذا المجال. وقد وصلت قيمة الخسائر في الازمة الاخيرة، نتيجة هذا النوع من المضاربة، الى رقم قياسي يتعدى ال25 تريليون دولار.

المشكلة البنيوية الثانية التي اشرنا اليها قبل عشر سنوات، وزادت خطورتها اليوم، هي تقلص دور الحكومة وانتقال الثقل الكلي الى رأس المال الخاص. في نفس المصدر السابق ذكرنا ان هذه العملية ادت "خلال 20 عاما الى تغيير نوعي في ميزان القوى بين الحكومات وشركات الاستثمار الكبيرة. وأصبحت الشركات الخاصة تمتلك اموالا اكثر بكثير من تلك المودعة في البنوك المركزية للدول نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وتشير الاحصائيات الى انه في عام 2000 ستصل السيولة النقدية التابعة للشركات الخاصة والمتداولة في اسواق المال، الى 81 تريليون دولار، أي ما يعادل ثلاثة اضعاف حجم الناتج الاجمالي القومي في اكثر دول ثراء في العالم وعددها 29 دولة" (ص. 53)

اعتمادا على هذه المعطيات، استنتجنا انه لم تعد للحكومات الادوات الكافية لمنع الازمات الاقتصادية. في وقت الازمات تلجأ الحكومات عادة الى إنعاش الاقتصاد من خلال ضبط وتقليص نسبة الضريبة المفروضة على رأس المال، وتلجأ البنوك المركزية الى ضبط نسبة الفائدة. غير ان خفض نسبة الفائدة على اثر انهيار البورصة عام 2001، لم يحل المشكلة بل عقّدها، عندما ادت النسبة المنخفضة الى اقتراض مفرط بهدف المضاربة في المجال العقاري.

اما اليوم، فعندما تقرر الحكومة الامريكية منح تريليون دولار للبنوك، لتشجيع التبادل فيما بينها، ترد البورصة بالهبوط الحاد ويبقى الائتمان مجمّدا. السبب في ذلك بسيط وهو قلة الاموال الموجودة بيد الحكومة مقارنة بالاموال التي يتم تداولها في السوق. فأي شيء يمكن لتريليون دولار واحد ان يفعله، وهو مبلغ ضخم بحد ذاته يعادل ثلث ميزانية الولايات المتحدة، اذا كانت 25 تريليون دولار قد ضاعت في فترة وجيزة بهبوط مؤشرات بورصات العالم.

القضية الثالثة التي تطرقنا اليها هي التحول في مكانة الاقتصاد الامريكي في العالم. فمن دولة أنقذت الاقتصاد الرأسمالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وسمحت بإعادة بناء اوروبا من خلال قروض ضخمة ضمن "مشروع مارشال"، وحسّنت الاقتصاد الامريكي من خلال تحقيق فائض كبير في الميزان التجاري؛ تحولت امريكا اليوم الى دولة مديونة للعالم تعاني من عجز مزدوج: عجز داخلي (Public debt) يصل الى عشرة تريليون دولار، يعادل 90% من الناتج القومي الاجمالي، وعجز في الميزان التجاري نابع من زيادة الاستيراد على حساب التصدير، وتبلغ قيمته 900 مليار دولار. هذه الحقيقة تضرب بقيمة الدولار الذي كان اقوى عملة في العالم، ويقلص من ثقة اسواق المال العالمية بقدرة امريكا على إنقاذها من ازمتها الحالية.

ولا شك ان الحقيقة الاكثر خطورة هي التراجع التاريخي الكبير في دور الولايات المتحدة كإمبراطورية عالمية، وهو ما يشير اليه عنوان وثيقة المؤتمر الخامس لحزب دعم المنعقد عام 2004 "تراجع الامبراطورية". في هذه الوثيقة اجرينا بحثا عميقا لظاهرة "الوفاق الاجتماعي" New Deal التي اتبعها الرئيس روزفيلت، لمعالجة الازمة الاقتصادية التي اندلعت في الولايات المتحدة في الثلاثينات وادت الى بطالة بنسبة 20% وقادت لانهيار البورصة والبنوك. وجاء البحث على اساس تقديرنا بان ازمة مشابهة واردة بسبب طبيعة الازمات الدورية للنظام الرأسمالي، وكان السؤال هل سيكون بالامكان تطبيق نفس سياسة الرفاه لإنقاذ النظام الرأسمالي من جديد.

الحقيقة الاساسية التي اكتشفناها من خلال البحث ان سياسة النيو ديل هذه فشلت في إخراج الاقتصاد الامريكي من ازمته. وحدها الحرب العالمية الثانية والصورة التي انتهت بها من دمار شامل لاوروبا، هي التي سمحت لأمريكا بالاستيلاء على اسواق العالم بصفتها الدولة الرأسمالية المنتجة الوحيدة التي لم تتضرر من جراء الحرب. غير ان العصر الذهبي الذي انعش الاقتصاد الامريكي وصل الى نهايته في مطلع السبعينات، عندما استعادت اليابان وألمانيا قدرتهما الانتاجية وتفوّقتا على امريكا ونافستاها على الاسواق العالمية.

اليوم لم يعد امام امريكا اسواق جديدة يمكن اكتشافها. فقد اصبح العالم "قرية عالمية"، وهي عاجزة لفقرها عن استيعاب كل البضائع التي تسمح التطورات التكنولوجية بانتاجها. كان هذا هو السبب في انتقال امريكا الى مجال المضاربة بدل الانتاج، لأن الانتاج لم يعد مربحا. نتيجة هذا التحول بالنسبة لسوق العمل الامريكي كانت مدمرة. فقد تدنت الاجور وتمت تصفية اماكن العمل، حتى هبطت نسبة القوى العاملة في مجال الصناعة الى 12% فقط من مجمل القوى العاملة في البلاد.

للازمة الحالية جذور عميقة مرتبطة بتاريخ وتطور الاقتصاد الرأسمالي الامريكي. ففي قراءة تاريخية موجزة لتطور الولايات المتحدة، نرى ان امريكا تمكنت من توسيع سوقها الداخلية بعد ان ضمت اليها خمسين ولاية بين المحيطين. وبعد ان استنفذت السوق الداخلية، دخلت الى ازمتها الكبرى في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين. بعد الحرب العالمية الثانية خرجت امريكا من محنتها بعد ان حولت العالم كله الى سوق لها، فأغرقتها بمنتجاتها الى ان بدأ تراجع دورها في الانتاج لصالح دول اخرى بدأت تنافسها بشدة. اليوم لم يعد من امريكا في مجال الاقتصاد الحقيقي سوى دورها الاستهلاكي الضخم المعتمد على الاقتراض وليس على مستوى معيشة مرتفع حقيقي للمواطنين.

الحل السياسي والاشتراكية

اثارت الازمة الحالية نقاشا واسع النطاق في امريكا والعالم حول الحلول والخيارات الممكنة. وقد ازدادت اهمية النقاش على خلفية الحملة الانتخابية الامريكية، وسبّبت رجوحا في كفة المرشح الديموقراطي براك اوباما على حساب المرشح الجمهوري جون ماكين. الخطة المقترحة لانقاذ الاقتصاد اثارت هي ايضا نقاشا حادا اذ انها تقترح عمليا تدخلا مباشرا من جانب الحكومة الامريكية في شؤون الاقتصاد، من خلال شراء البنوك والتدخل في ادارتها.

وقد أعرب اليمين المحافظ عن رفضه لهذا التدخل، متمسكا بقدرة السوق الحرة و"اليد الخفية" على إحداث التوازن وإشفاء السوق دون تدخل. من جهة اخرى، اعترض ليبراليون على نية الحكومة منح مبالغ ضخمة لإنقاذ البنوك التي سبّبت الازمة، وارتأوا ضرورة معاقبتها بدل مكافأتها على حساب اموال الجمهور العامة.

ورغم النقاش الحاد لا يزال الاعتقاد السائد بان امريكا شهدت ازمات في الماضي وعرفت كيف تخرج منها اقوى، ولا سبب يمنعها من التخلص من محنتها هذه المرة ايضا. ولكن الحقيقة ان هذه الازمة هي نتيجة لكل الازمات السابقة، وأمريكا كدولة لم تخرج اقوى منها بل بالعكس. رأس المال نفسه استعاد قوته، ولكن جاء ذلك على حساب الدولة والمواطنين ككل. فكلما ازدادت قوة رأس المال كلما تفاقمت المشكلة وتضخمت حتى لم يعد بالامكان علاجها بالطرق التقليدية.

ان هذه الازمة تضع العالم امام خيارات سياسية وليس اقتصادية فحسب. هناك ثلاثة خيارات اساسية: إما الاستمرار في سياسة السوق الحرة، او العودة لسياسة الوفاق الاجتماعي الذي يوفّق بين مصالح رأس المال ومصالح العمال حتى الازمة القادمة، او اللجوء للحل الجذري، من خلال ادارة الاقتصاد بشكل مبرمج لصالح المجتمع ككل، على نحو يضع حدا للازمات والأمراض التي يعاني منها المجتمع والنابعة من الهوة الطبقية، التفرقة العنصرية، البطالة والفقر.

كلا المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة يتفقان عمليا بالنسبة للخط الاساسي، وهو الاستمرار في السوق الحرة، ولا بديل جذري في جعبتهما يقدمانه لحل الازمة الحالية. كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، تحولا الى رهينة لرأس المال الكبير الذي يموّل حملاتهما الانتخابية. من هنا، فاقتراح اعادة الامور للوراء واللجوء الى دولة الرفاه تبقى معزولة ولا قوة سياسية لها في الساحة. كما يجب ان ندرك ان الحكومة الامريكية تمكنت من إجبار رأس المال على قبول النيو ديل في الثلاثينات، فقط بعد ان وصلت البطالة الى 20%، وبدأت امريكا تشهد عصيانا مدنيا حقيقيا هدد كيانها السياسي. كل هذا جاء في وقت انقسمت فيه اوروبا بين الشيوعية والفاشية نتيجة الازمة الاقتصادية والبطالة، وهما خياران فعل روزفيلت المستحيل لتجنبهما.

يبقى السؤال هل ستصل امريكا والعالم الى نفس الوضع الذي سبق الحرب العالمية الثانية؟ هل ستعنكس الازمة في اسواق المال على الاقتصاد الحقيقي؟ الاحتمالات واردة جدا، اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الضرر الاكبر قد وقع على البنوك التي توفر السيولة للشركات لتسهيل الانتاج. والاهم ان الشركات تجني رأسمالها من خلال اصدار الاسهم في البورصة، وإذا لم تتجدد الثقة بالبورصة فلن يكون بمقدور هذه الشركات ان تجند رأس مال لتطوير مشاريعها الانتاجية،الامر الذي سيقود الى خسائر وركود وبالتالي الى بطالة. تحول من هذا القبيل يمكن ان يزيد في ميل المستثمرين للابتعاد عن الاستثمار في الاقتصاد المنتج وتفضيل المضاربة، الامر الذي سيضاعف ازمة الاقتصاد المنتج.

وكما ذكرنا آنفا، فان العودة لدولة الرفاه لن تحل الازمة، لان التجربة التاريخية تثبت ان اتباع هذه السياسة قاد الى تضخم مالي وتمرد من قبل رأس المال الذي رفض دفع الضرائب العالية وتمويل دولة الرفاه. بمعنى آخر، دولة الرفاه متعلقة برغبة رأس المال في التعاون وتقسيم الثروة مع العمال، وهو امر يبدو غير واردا في وضع تتقلص فيه الثروات اصلا.

ازاء هذا الواقع يبقى الحل الاشتراكي المبني على برمجة الاقتصاد، وتفضيل مصالح العمال المنتجين وتقسيم الثروة بشكل متساوي على افراد المجتمع، حلا واقعيا سيكون من الصعب تجاهله. ان الاقتصاد المبرمج في عصر العولمة والثورة المعلوماتية هو الانسب لتوفير كل حاجات الانسان، وعلى رأسها ضمان مصدر الرزق. اذا تم الانتاج لصالح رفاهية الانسان وليس لصالح صنع الارباح، فسيجد سوقا غير محدودة، لأن حاجات الانسان تتطور مع تطور العلم والتكنولوجيا. الملايين من البشر بحاجة لهذا النظام المتساوي القادر على وضع حد لكل انواع النزاعات والحروب. من شأن هذا النظام ان يوحد الشعوب ويقوي التفاهم بينها على اساس مصالح مشتركة. على العولمة ان تكون اشتراكية، اما اذا بقيت رأسمالية فهي ستعمق الكارثة.

مهمات حزب دعم والمشهد الاسرائيلي

المراجعة التاريخية التي قمنا بها للنظام الرأسمالي وأزماته المزمنة لم تأت لاثبات اهمية الاشتراكية كبرنامج واقعي وعصري بديل فحسب، بل جاءت ايضا في نطاق النقاش حول امكانية حل القضية الفلسطينية في الظروف الراهنة. ان الاجماع السياسي الفلسطيني بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان ولا يزال بان نظام القطب الواحد هو حدث تاريخي ثابت وسيبقى ثابتا فترة تاريخية طويلة. كان هذا الاساس لتعديل فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة التي اعتمدت على موازين قوى قديمة سادت ايام الحرب الباردة، وملاءمتها للسياق العالمي الجديد، وعليه جاء انتقال القيادة الوطنية الفلسطينية للمعسكر الامريكي القوي والبحث عن حل في اطاره.

ولكن نظرا لاستحالة الوصول الى حل وفشل اتفاق اوسلو في حل القضية الفلسطينية، نما التيار الديني المتطرف الذي رأى في المقاومة المسلحة والعمليات الانتحارية وسيلة وبرنامجا لتحقيق ما لم تحققه المفاوضات. وإذا كانت الحركة الوطنية وقيادتها قد خضعت لموازين القوى الراهنة، فقد تجاهل التيار الديني تماما هذه الموازين، وحاول من خلال المقاومة قلب المعادلات، والنتيجة جلية امامنا اليوم، فبدل إضعاف اسرائيل اندلعت حرب اهلية فلسطينية وانقسام داخلي خطير لا يبدو له حل حقيقي في الظروف الراهنة.

موقفنا كان وما زال بان موازين القوى الحالية لا يمكن ان تصمد الى الابد، ومن هنا فلا حاجة للرضوخ لها او محاولة قلبها بقوة الانتحار. المطلوب هو بناء القوى السياسية، تعزيز التماسك الداخلي، ملاءمة اساليب النضال لموازين القوى الراهنة دون الخضوع لها، التواصل مع النقابات والتيارات التقدمية في العالم، تقوية الطبقة العاملة الفلسطينية وحمايتها من البطالة والفقر، الى ان تحين الظروف لخوض معركة تحريرية كجزء من المعركة العالمية لتحرير البشرية من النظام الرأسمالي.

فرضيتنا الاساسية هي ان بقاء الاحتلال والجبروت الاسرائيلي مرهون ببقاء النظام الرأسمالي وبالحماية الامريكية. من هنا، فتراجع النظام الرأسمالي سيسبب اضرارا لاسرائيل تفوق بكثير الاضرار التي يمكن ان تنجم عن الف صاروخ. حرب لبنان الاخيرة كانت دليلا على ضعف الصواريخ عن زعزعة البنيان الاقتصادي الاسرائيلي، ففي حين سقطت الصواريخ على شمال اسرائيل، واصلت البورصة في تل ابيب نشاطها وصنع الارباح.

لقد تحولت اسرائيل من مشروع استيطاني ايديولوجي هدفه بناء دولة اليهود، الى دولة رأسمالية تضحي بكل شيء، بما في ذلك التضامن اليهودي الداخلي، في سبيل ارباح رأس المال. ان الاستثمارات الاسرائيلية خارج اسرائيل تفوق الاستثمارات الداخلية، وربحية الاستثمارات حلت مكان إحداث اماكن عمل واستيعاب الهجرة اليهودية لاسرائيل.

لقد قررت اسرائيل الاحتذاء بالولايات المتحدة وتبني سياسة السوق الحرة. ومن دورها كدولة تحمي مواطنيها امنيا واقتصاديا، اكتفت بالدور الامني وخصخصت الاقتصاد العام لصالح قلة قليلة من المستثمرين الذين باتوا يسيطرون على الاقتصاد. وهؤلاء الرأسماليون ينشطون على اساس اعتبارات اقتصادية من الدرجة الاولى لا صهيونية، ذلك ان وجودهم متعلق بأرباحهم. وقد بلغت الامور باحد اهم العناصر الرأسمالية الاسرائيلية، ليف ليفاييف، ان ترك "ارض الميعاد" وانتقل للسكن في لندن مع بقية الاغنياء الروس من امثال رومان ابراموفيتش.

ليس للاقتصاد الاسرائيلي نفوذ على العالم كالاقتصاد الامريكي، بل هو متأثر جدا بما يحدث في العالم وخاصة في امريكا. اسرائيل هي دولة دون موارد طبيعية، سوقها محدودة للغاية، وهي متعلقة بالتصدير للخارج وبحاجة لاستيراد رأس مال اجنبي للاستثمار في اقتصادها. ومن هنا فحدوث ركود في الاسواق العالمية سيؤدي الى هبوط في التصدير للخارج، مما سيؤدي بالتالي الى ركود اسرائيلي وفصل عشرات آلاف العمال والموظفين.

اما على مستوى رأس المال المالي، فقد شاركت اسرائيل بقوة في المضاربة بسوق العقارات. وقد تداولت بنوكها الكبرى بسندات الرهن العقاري الثانوي، وخسرت مبالغ ضخمة جدا خلال الازمة الراهنة. وتواجه اسرائيل مشكلة اخرى يمكن ان تؤدي لسقوط بنوكها، تكمن في التراجع الكبير الذي مُني به المستثمرون الاجانب، الامريكان او الروس، الذين اعتادوا الاستثمار في اسرائيل او إقراض بنوكها. فقد سجل هؤلاء خسائر فادحة وهبوطا في قيمة اسهمهم بنسبة تفوق ال80% بسبب انفجار فقاعة العقارات.

هذه التطورات الموضوعية تفتح امام حزب دعم العمالي مرحلة جديدة، وتكسب برنامجنا وتحليلنا المميز للواقع اهمية كبيرة جدا. ان ما حدث في السنوات الماضية من تعزيز في مكانة الحزب في الاوساط الثقافية والعمالية في البلاد وبعض دول العالم، يشير الى ان موقفنا بدأ يؤثر شيئا فشيئا بحسب تطور الاحداث. الهوة الاجتماعية الكبيرة، الفساد في الجهاز السلطوي والطريق المسدود في الشأن الفلسطيني والعربي عموما، خلقت في اوساط معينة ومؤثرة نوعا من عدم الثقة بالدولة اليهودية، وفتحت المجال للتعاون مع حزب دعم. اسرائيل اليوم بمرحلة من الانهيار الايديولوجي خاصة بعدما سلّمت الرأسماليين مقاليد الدولة والنفوذ، وهذا يفتح المجال امام الايديولوجية الاممية التي تعتبر المساواة راية لها.

من هذا المنطلق يصمم حزب دعم منذ تأسيسه على خوض الحملات الانتخابية، وقد تمكنا من احراز تقدم بسيط ولكن ملحوظ في مكانتنا على الساحة السياسية. وتأتي الانتخابات المحلية في تل ابيب يافا، وموقفنا المبدئي من خوض الانتخابات وترشيحنا للرئاسة، لتؤكد من جديد الاهتمام البالغ بموقفنا وامكانية الوصول لقطاعات اوسع من الجمهور. لا شك ان قرارنا خوض الانتخابات في تل ابيب جاء بهدف ابقاء الحزب على الساحة السياسية تحضيرا للانتخابات العامة، ويأتي رد فعل الجمهور والصحافة على موقفنا ليفتح امامنا فرصا سياسية جديدة.

وهنا لا بد من التطرق ولو باقتضاب لظاهرة "المدينة لنا جميعنا" التي بادر الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة لتأسيسها في تل ابيب، والتي عمّقت الانقسام داخل الحزب الشيوعي. وإذا صح ان مرشح "المدينة لنا جميعا"، النائب البرلماني دوف حنين، يحظى بشعبية كبيرة نسبيا، فان الثمن السياسي الذي يدفعه الحزب الشيوعي والجبهة التي انشقت الى قائمتين على اساس قومي: "يافا" العربية و"المدينة لنا جميعا" اليهودية، سيكون اكبر بكثير على المدى البعيد من الانجازات البسيطة التي يمكن ان يتم تحقيقها على المدى القصير.

ندرك تماما من الحملة الانتخابية الراهنة بان الرأي العام العربي واليهودي ليس جاهزا في الوقت الحالي لدعم موقفنا، ومع ذلك فهو يكنّ الاحترام والتقدير لهذا الموقف ولكنه يخشى ان يتجند سياسيا لصالحه. هذا نابع من الغريزة الطبيعية التي تفضل التمسك بالامر الواقع خوفا من اي تغيير يمكن ان يحمله المستقبل. قائمة "المدينة لنا جميعا" تعبر بالضبط عن هذه الغريزة، وتقدم برنامجا للطبقة الوسطى لتحسين ظروفها في سياق النظام الرأسمالي الحالي، وهي تتخوف من انهياره ولا برنامج لها او رغبة حقيقية في مواجهته.

من جهة اخرى، ندرك جيدا ان كسب الثقة بحزبنا يتطلب امتدادات اممية واسعة النطاق للبرنامج العمالي. ان قوة حزب دعم غير مرهونة بمجهودنا الذاتي بل بنمو نفوذ وقوة الطبقة العاملة على نطاق عالمي من خلال احزابها الثورية ونقاباتها النضالية. من هذا المنطلق منحنا اهمية كبيرة لتطورات الحركة العمالية في مصر والتي من شأنها ان تفتح صفحة سياسية جديدة في الشرق الاوسط.

ولا يكتفي حزب دعم بتحليل النظام الرأسمالي وطرح برنامج آني وملموس للقضايا السياسية من حرب وسلام، وقضايا اجتماعية كالفقر والبطالة والفجوات الاجتماعية، بل قام ايضا بمراجعة نظرية للبرنامج الاشتراكي من خلال بحث التجربة السوفييتية. وقد قمنا بهذه المهمة نظرا لاقترابنا من اللحظة التي سنضطر فيها لطرح برنامجنا الاستراتيجي المبدئي، ليس كبرنامج مستقبلي بل كخطة ملموسة لاستبدال النظام الرأسمالي الحالي الموشك على الانهيار. وقد اعدنا النظر في نظام "دكتاتورية البرولتاريا" الذي شكل النظام السياسي في الاتحاد السوفييتي واعتبرناه رغم كل انجازاته سببا في انهيار المنظومة الاشتراكية بسبب افتقاده المبدأ الديمقراطي. وعلى هذا الاساس اعتمدنا موقف الاشتراكية الديموقراطية كأساس للنظام البديل.

في السنوات العشر الاخيرة قمنا بجهود كبيرة لتحضير الحزب فكريا للمعركة السياسية الكبيرة، والتي ستحتجم بلا شك بسبب الركود الاقتصادي العالمي المرتقب، والذي سيفتح المجال لتغييرات سياسية وحركات احتجاجية معارضة لسياسة السوق الحرة. وفي الفترة القادمة سيكون علينا مواصلة المسيرة، واظهار الطابع الاممي لحزبنا بكل الثقة، كما نفعل في الانتخابات بتل ابيب، والاستمرار بكل حماس بالتوجه نحو الطبقة العاملة وتنظيمها.

لا شك لنا ان رهان حزب دعم على الطبقة العاملة، الذي تعرض في السابق لانتقادات نخبة المثقفين العرب، سيثبت نفسه كرهان رابح على مدى البعيد، اما الرهان على الورقة القومية، صهيونية كانت او عربية، فهو الرهان الخاسر الذي لا مكان له ضمن مستقبل اممي، عالمي متساوٍ لا يفرق بين القوميات والأديان.

الفترة المقبلة ستكون صعبة، والأزمة الاقتصادية مؤلمة، وعلينا طرح برنامجنا امام الطبقة العاملة. ان تجنيد العمال للحزب يبقى مهمتنا الاستراتيجية، وتطور الطبقة العاملة في العالم واستعدادها لبناء بديل سياسي ثوري سيكون له تأثير كبير على المنطقة والبلاد، وسيقلب كل المفاهيم. آمالنا باحراز التقدم نضعها ضمن هذا التطور الكبير الذي من خلاله سيتمكن حزب دعم من التحول لحزب عمالي جماهيري. هذا هو الهدف الاساسي وسنواصل الكفاح من اجل انجازه.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"الرأسمالية تضع العالم امام الهاوية"

Akram Nadir
الرأسمالية تضع العالم امام الهاوية وثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم من 19 اكتوبر 2008.
نشر بتاريخ ٣٠.١٠.٢٠٠٨, ٠٩:٤٦

الرفاق الأعزاء في الحزب الدعم تحية رفاقية واشد على أياديكم النضالية..
قراة وثيقتكم وانني لدي قناعة منذ زمن بأننا لدينا توجهات مماثلة مع بعض اختلافات ولكن ليس اختلافاَ اكثر من الاتفاقات المبدئية ولكننا معاَ مؤمنين بحل ماركسي ودور الحزب الطبقي والحركة العمالية لتغير الوضع المتأزك في النظام الرأسمالي ...
والحل هو تثبيت وترسيخ النظام الأقتصادي الأشتراكي على يد الحكومة العمالية والسلطة المجالسية...لآنهاء نظام العمل المأجور والملكية الخاصة...تعالوا لنبني الحركة التظامنية العمالية في المنطقةالشرق الأوسط لتكون منبراَ لجسر التلاحم الطبقي للحركة العمالية العالمية...تعالواللنناضل معاَ ونكسر الفوارق الدينية والقومية والطائفيةوالجنسية ونحن في الموقع ذات أهمية سياسية للقضاية العالمية وانني اتوقع منكم الخطوة الأنسانية الطليعية في هذا المجال والى الأمام...

أكرم نادر
المنظم والناشط الحركة المجالسية والنقابي العمالي في العراق وكردستان

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"الرأسمالية تضع العالم امام الهاوية"

Akram Nadir
الرأسمالية تضع العالم امام الهاوية وثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم من 19 اكتوبر 2008.
نشر بتاريخ ٣٠.١٠.٢٠٠٨, ٠٩:٤٦

الرفاق الأعزاء في الحزب الدعم تحية رفاقية واشد على أياديكم النضالية..
قراة وثيقتكم وانني لدي قناعة منذ زمن بأننا لدينا توجهات مماثلة مع بعض اختلافات ولكن ليس اختلافاَ اكثر من الاتفاقات المبدئية ولكننا معاَ مؤمنين بحل ماركسي ودور الحزب الطبقي والحركة العمالية لتغير الوضع المتأزك في النظام الرأسمالي ...
والحل هو تثبيت وترسيخ النظام الأقتصادي الأشتراكي على يد الحكومة العمالية والسلطة المجالسية...لآنهاء نظام العمل المأجور والملكية الخاصة...تعالوا لنبني الحركة التظامنية العمالية في المنطقةالشرق الأوسط لتكون منبراَ لجسر التلاحم الطبقي للحركة العمالية العالمية...تعالواللنناضل معاَ ونكسر الفوارق الدينية والقومية والطائفيةوالجنسية ونحن في الموقع ذات أهمية سياسية للقضاية العالمية وانني اتوقع منكم الخطوة الأنسانية الطليعية في هذا المجال والى الأمام...

أكرم نادر
المنظم والناشط الحركة المجالسية والنقابي العمالي في العراق وكردستان


www.alsabar-mag.com/ar/article__249/الرأسمالية_تضع_العالم_امام_الهاوية
19.11.2017, 10:11