شؤون دولية

الزلزال الرأسمالي يهز العالم

يعقوب بن افرات

لا يمكن اشفاء الازمة الاقتصادية الراهنة من خلال اصلاحات وقوانين جديدة. فما يمر به العالم اليوم هو نتيجة لتطور تاريخي شامل، له اسباب بنيوية تتعلق بطبيعة النظام الرأسمالي نفسه وليس متعلقا بطمع هذا المدير او فساد ذاك السياسي.

دخلت اسواق المال العالمية مؤخرا الى ازمة تعتبر الاخطر منذ انهيار بورصة نيويورك عام 1929 والتي كانت ادت حينها الى ركود اقتصادي عالمي وبطالة بنسبة 20% في الولايات المتحدة نفسها. ويبدو اليوم ان النظام الرأسمالي لم يتعلم من ازماته، وها هي بنوك الاستثمار الرئيسية التي سيطرت على اسواق المال العالمية تعلن افلاسها واحد تلو الآخر، وتتوسل للبنك المركزي الامريكي ان ينقذها من خلال ضخ آلاف المليارات من الدولارات.

البنوك المحلية في كل دولة ودولة، صناديق التقاعد الكبيرة، صناديق حكومية، بنوك مركزية، شركات متعددة الجنسية، كلها تحولت الى رهينة بعد ان استثمرت في بنوك الاستثمار العملاقة بير ستيرنس، مريل لينتش، مورغان ستنلي وغولدمان ساكس. وكان الاعتقاد الخاطئ ان هذه البنوك التي يشغّل كل منها 70 الف موظف في كل انحاء العالم متخصصون في مجال المضاربة بالاسهم، لا يمكن ان تفشل، وانه ليس من مكان في العالم اضمن من الاستثمار فيها للحفاظ على قيمة الممتلكات وجني الربح المضمون.

اصابع الاتهام موجهة اليوم للطمع الذي ميّز مديري البنوك ومؤسسات المضاربة المعروفة ب"صناديق التحوط". فقد تبين ان هؤلاء جعلوا من المخاطرة والمغامرة نهجا ثابتا بل وسيلة لتحقيق ارباح لم يسبق لها مثيل في التاريخ. ومن المحللين من يتخذ موقفا اكثر جرأة ويتهم الحكومات التي انتهجت سياسة السوق الحرة وألغت الرقابة على البورصة، الامر الذي اتاح هذا النوع من المضاربة وعرّض الاقتصاد العالمي للخطر. وبدأت الاتهامات تُوجَّه للسياسيين الذين رضخوا لضغوط البنوك، مقابل تمويلها لحملاتهم الانتخابية للكونغرس او للبيت الابيض، وتجنبوا التدخل لوضع حد لهذا النوع من التجارة التي بلغت درجة الافلاس.

من هذا المنطلق يقدم منتقدو الطريقة الاقتصادية الحالية عدة اقتراحات لاصلاح النظام الرأسمالي. من هذه الاقتراحات اعادة الرقابة المشددة على البنوك ومنع التجارة بالأسهم التي تحمل نسبة مخاطرة عالية، ثانيا فرض المراقبة على ارباح مدراء صناديق الاستثمار لكبح جماح الاغراءات والطمع، وأخيرا سن قوانين صارمة تفصل بين مصالح الشركات وبين مصلحة الجمهور، بواسطة الرقابة على تمويل الحملات الانتخابية لمن يترشح لمنصب جماهيري. يذكر ان هذه هي نفس الاجراءات التي طُبّقت بعد الازمة الخطيرة عام 1929، وقد سرى مفعولها الى ان الغاها الرئيس رونالد ريغان نهائيا بعد انتخابه مطلع الثمانينات.

التاريخ لا يعود للوراء

لا يمكن اشفاء الازمة الاقتصادية الراهنة من خلال اصلاحات وقوانين جديدة. فما يمر به العالم اليوم هو نتيجة لتطور تاريخي شامل، له اسباب بنيوية تتعلق بطبيعة النظام الرأسمالي نفسه وليس متعلقا بطمع هذا المدير او فساد ذاك السياسي. ان الاجماع الاقتصادي الجديد الذي اعتبر الدولة عدوا للمبادرة الاقتصادية وللنمو، احتكر الاقتصاد والسياسة ايضا، بعد ان وصل النهج الاقتصادي القديم الذي منح الدولة صلاحيات اقتصادية واسعة الى طريق مسدود ارتفعت فيه نسبة التضخم المالي والبطالة في السبعينات الى رقم من منزلتين اي اكثر من 10%.

الجواب لظاهرة التضخم والبطالة كان حينها اتباع اجراءات قلصت دور الدولة، وكان من ذلك: تخفيض نسبة الضرائب المفروضة على الشركات، تقليص مخصصات التأمين الوطني والرفاه، خصخصة القطاع العام، ضرب وإلغاء دور النقابات وبالتالي خفض اجور الايدي العاملة، نقل المصانع لدول مثل الصين لتقليص النفقات على الايدي العاملة، والاهم كان اطلاق العنان للمجال البنكي وازالة الرقابة المفروضة عليه والسماح له بخوض كل انواع التجارة في الأسهم وبضمنها ذات نسبة المخاطرة العالية جدا. واعتبرت هذه الاجراءات ثورة حقيقية غيّرت ملامح البشرية ومن الصعب جدا اعادة الدولاب للوراء، واي تغيير جذري لن يكون ممكنا الا بثورة جديدة.

الحقيقة ان ثورة جديدة قد حدثت بالفعل، ولكن ليس في المجال السياسي بل في المجال التكنولوجي. وكانت الثورة المعلوماتية التي غيّرت ملامح العالم قد منحت رأس المال المالي فرصة ذهبية للتواصل مع كل العالم وتضخيم ارباحه. واذا كانت قناة الجزيرة الفضائية قد وصلت كل بيت في العالم العربي بفضل هذه الثورة، فان شركات مثل مريل لينتش وليهمان براذرس، وصلت الى كل بورصات العالم وضاعفت بنسب كبيرة كمية مداولاتها.

وبمجاراة كل ذلك استخدم علماء الرياضيات علم الكومبيوتر لبناء برامج متطورة ومعقدة تم تسخيرها للمضاربة بالعقود التجارية وغيرها من المجالات، مثل العملات، الرهن العقاري، بطاقات الائتمان، النفط، شراء الشركات وإدماجها، الفائدة البنكية وسندات الدين الحكومية وحتى الارصاد الجوية. وتم الترويج الى ان هذه البرامج "العلمية"، تلغي كل خطورة في الاستثمار، ولذا فلا يمكن ان تخطئ او تسبب خسائر وانها ضمان اكيد للربح.

شركات الاستثمار ادارت عمليا اقتصادا خياليا لا علاقة له بالاقتصاد الحقيقي. ففي حين انخفضت اجور المواطنين بفعل الاجراءات الرأسمالية العنيفة، الا انهم تمكنوا من الحفاظ على مستوى معيشتهم من خلال الائتمان او الاقتراض من البنوك. وتحولت وسيلة الاقتراض هذه بحد ذاتها الى اساس للمضاربة وجني الارباح. وفي حين استفادت شريحة ضيقة جدا من هذا الاقتصاد الخيالي، في امريكا، مصر، الصين الهند او اسرائيل، راحت تشكلت طبقة عاملة واسعة وفقيرة جدا في كل انحاء العالم، تعمل في المصانع ساعات طويلة باجور زهيدة. ومن هنا كان لا بد لهذا الهرم الخيالي ان ينهار.

اسئلة كبيرة تثير الشكوك في امكانية تحقيق الاصلاح المنشود ضمن النظام الرأسمالي القائم. من هذه الاسئلة: هل بالامكان مطالبة الشركات المتعددة الجنسية بترك الصين والعودة لامريكا، هل ترضخ العائلات الغنية لمطالبتها بان تعيد للحكومة القطاع العام الذي استولت عليه من مصانع وبنوك، هل يُعاد النشاط للنقابات كمقدمة لرفع اجور العمال وضمان مستوى معيشتهم، هل يمكن اعادة ربط الدولار بالذهب لمنع المضاربة فيه، هل هناك امل في منع البورصة من التداول باسهم شركات لا تملك رأس المال الكافي، هل تفرض الرقابة مجددا على البنوك ووسائل الاعلام الخاصة؟ ثم ما هي القوة الاجتماعية والسياسية التي ستفرض هذه "الاصلاحات"؟ الحقيقة ان العفاريت قد هربت من القمقم وليس هناك من هو قادر على اعادتها اليه.

لا ارادة سياسية للاصلاح

المشكلة الاساسية التي يعاني منها النظام الرأسمالي هو ضعف النظام السياسي نفسه. وما يبعث على الدهشة هو تجنب كلا المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة التطرق للازمة الاقتصادية، والاكتفاء بترديد شعارات فارغة بهدف كسب الرأي العام، تركز على شعار "التغيير" دون ان يكون واضحا ما هو التغيير. وليس هذا صدفة، بل سببه ان كلا المرشحين مدعومان من نفس الشركات والبنوك التي سببت الازمة، وجميع الرؤساء السابقين من جمهوريين وديموقراطيين، خضعوا تماما لأوامر مدراء شركات الاستثمار الذين تم تعيينهم كوزراء للمالية.

السياسيون في الكونغرس والادارة الامريكية موجودون في حالة من الإنكار. بدل الاعتراف بخطورة الازمة، يضعون ثقتهم بقدرة الاسواق اصلاح نفسها بنفسها، ويتهربون من الاستنتاج بان النظام الاقتصادي بلغ طريقا مسدودا.

الازمة الحالية ليست وليدة الصدفة كما انها ليست الاولى. انها جزء من سلسلة ازمات سابقة اندلعت احدها في الاسواق النامية مثل دول النمور الآسيوية في اواخر التسعينات، ازمة بورصة نيويورك في آذار 2000، انهيار شركات ضخمة مثل "انرون" في اعقاب فساد وتزييف في دفاتر الحسابات مما قاد لمحو مليارات الدولارات. وكان القرار السياسي في اعقاب تلك الازمات خفض نسبة الفائدة لتشجيع البورصة وانعاش السوق، ولكن عواقب هذا القرار كانت وخيمة، اذ تبين ان القروض الرخيصة بسبب انخفاض الفائدة، شجعت الناس على الاقتراض رغم عدم قدرتها على تسديد الدين وفتحت شهية شركات الاستثمار للاستفادة من الوضع.

رغم كل الدلالات على طبيعة النظام الرأسمالي المجحف الذي شن حربا كاذبا على العراق، نشر الفقر في كل انحاء العالم، عمّق الاستغلال البشع حتى قاد الى انهياره هو ذاته، مع هذا لم تقم حتى الآن حركة سياسية حقيقية معارضة لهذا النظام الرأسمالي الامريكي. النقابات الامريكية ومعها الحركة ضد العولمة والحرب ومن اجل البيئة وحقوق الاقليات، واصلت الدوران في فلك الحزب الديموقراطي الذي انحاز لصالح رأس المال الكبير وفتح المجال امامه للاستيلاء على العالم والساحة الامريكية كلها. لا شك ان انعدام البدائل السياسية والاقتصادية هي مشكلة كبيرة يعاني منها الشعب الامريكي وشعوب العالم برمّته.

لا حزب اليوم ولا ادوات سياسية يمكنها ان تطبق البرنامج الاصلاحي للنظام الرأسمالي، والاهم من ذلك ان الاصلاح نفسه ليس واقعيا ولا ملائما لمواجهة الكارثة التي تحوم فوق رؤوس الانسانية بسبب طبيعة النظام وبنيته الاساسية. ان الازمة الاقتصادية الراهنة لن تنتهي عند الحد الذي وصلنا اليه.

تدخل الحكومة الامريكية والبنك المركزي مؤخرا لتأميم بعض المصارف وشركة التأمين الكبرى (AIG) يعتبر بلا شك سابقة خطيرة تشير الى عمق الازمة. ولكن لا يبدو ان هناك اجماعا على هذه الخطوة. فبعد اعلان وزير المالية الامريكي عن خطة اشفاء شاملة بقيمة 700 مليار دولار، وطلبه من الكونغرس المصادقة على الخطة بدأ نقاش عميق في امريكا حول جدوى الخطة التي تلقي عبء الازمة على الخزانة الامريكية وتنقذ البنوك من الازمة التي سبّبتها.

وزير المالية واصدقاؤه من البنك المركزي يعرفون تماما ان فرض الرقابة على البنوك ليس حلا مجديا لإنعاش الاقتصاد. فمن جهة اولى، اصحاب الرساميل سيمتنعون عن الاستثمار في حالة فرضت الرقابة التي تقلص ارباحهم، وسيواصلون الاحتجاج حتى يجبروا السياسيين على تغيير نهجهم. وليس بمقدور السياسيين ان يفرضوا على اصحاب الرساميل العودة للاستثمار بالانتاج والاقتصاد الحقيقي الذي يخلق اماكن عمل ترفع مستوى معيشة المواطنين، وذلك لان الاستثمار في هذا المجال لا يحقق الارباح الضخمة التي تحققها المضاربة بالاسهم. والآن، بعد انفجار الفقاعة يبقى الامريكيون مع اقتصاد منهك ومواطنين مديونين دون مصادر رزق ثابتة.

ومن الجهة الثانية، يدرك المسؤولون الاقتصاديون في الادارة الامريكية ان تشديد الرقابة على البنوك سيقود حتما لوقف الاقتراض، مما سيؤدي الى تباطؤ في الاستهلاك، تعميق الركود وارتفاع نسبة البطالة.

الركود سيكون النتيجة الحتمية لهذه الازمة وسيرافقه هبوط حاد في مستوى المعيشة وارتفاع في نسبة البطالة، مما قد يعيد الناس الى الواقع والاعتراف بان مستوى معيشتهم فاق بدرجات قدراتهم الاقتصادية الحقيقية. هذه الحالة يمكن ان تدفع باتجاه البحث عن برامج سياسية واقتصادية ثورية لمنع حدوث كوارث كالتي نشهدها اليوم. هذا التطور لن يحدث تلقائيا، بل سيمتد على مدار حقبة تاريخية كاملة، ولكن الارضية لذلك خصبة.

الشعوب في كل مكان في العالم فقدت الثقة بالاحزاب الحاكمة والمؤسسة السياسية البرجوازية. الاقتصاد الجديد والمتطور الذي كان المفروض ان يخلق النمو واماكن العمل والازدهار الاقتصادي افاد شريحة ضيقة جدا وهو يقود اليوم الى كارثة البطالة والفقر. والاخطر ان هذه الازمات يمكن ان تسبب باحتداد النزاعات القومية واندلاع حروب جديدة بين الدول الرأسمالية، ولم تكن الازمة في جورجيا سوى اشارة خطيرة لما يمكن ان تقود اليه المنافسة بين هذه الدول.

هذه التطورات التاريخية تفتح صفحة جديدة، يمكن ان تستغلها الطبقة العاملة لتكثيف نضالها من اجل مجتمع جديد عادل. رغم الجمود الذي اصاب قيادات الطبقة العاملة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فلا بد ان تعيد نشاطها كعنصر مبادر من اجل التغيير الثوري وعلى اساس برنامج بديل يضع مصلحة العمال فوق مصلحة الربح ورأس المال.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__240
19.11.2017, 10:11