تاريخ النشر ١٥/٠٩/٢٠٠٨

شؤون محلية

التعليم العربي بين التمييز العنصري وفساد السلطات المحلية العربية

حنان زعبي

في بداية شهر ايلول (سبتمبر) عاد لمقاعد الدراسة قرابة 1,800,000 تلميذ، من بينهم 470 الف طالب عربي. معظم المدارس العربية غير جاهزة لاستقبال الطلاب العرب، ولا يتوفر فيها الحد الادنى من البيئة التعليمية.

يحصل الطالب العربي من وزارة المعارف خلال السنة الدراسية على تمويل يعادل 17% فقط مما يحصل عليه الطالب في جهاز التعليم العبري. وتبين من مسح رسمي وشامل اجرته دائرة الاحصاء المركزية ان الاستثمار السنوي المعدل للطالب (بدون معاشات المعلمين) في جهاز التعليم العربي هو 862 شيكل، اما لدى نظيره اليهودي فيبلغ 4900 شيكل* (عن موقع لجنة متابعة قضايا التعليم العربي http://www.arab-education.org.il).

حول هذا الوضع قال للصباّر شوقي خطيب، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل: "من غير المعقول ان يدرس حوالي 40 طالبا عربيا في غرفة تعليمية واحدة، فيما لا يتجاوز عدد الطلاب اليهود في الغرفة التعليمية 20 طالبا. عدد الغرف التعليمية الناقصة في المدارس العربية اليوم هو 2200 غرفة، وسيصل العدد عام 2009 إلى 3400 غرفة، وذلك نتيجة التزايد الطبيعي للسكان. تلجأ وزارة التربية والتعليم لاستئجار الغرف أو لوضع كرفانات مؤقتة تتحول عادة الى دائمة، بدل التسريع في بناء غرف جديدة. هناك مدارس عربية تحتوي على كرفانات منذ عشرين عاما. المشاريع والبرامج التي وضعتها الوزارة لحل ازمة النقص في الغرف غير كافية، والازمة في احتداد مع ازدياد عدد الطلاب في كل فوج جديد".

يزداد هذا الوضع سوءا على خلفية سياسة التقليصات الحكومية. تقول للصبّار بهذا الصدد سامية بصول، مديرة دائرة المعارف في بلدية الناصرة: "افتتحت السنة الدراسية في البلاد عشية اعلان وزارة المعارف عن التقليصات الجارفة في جميع مجالات التعليم، متخلية عن مسؤوليتها عن التعليم المجاني. تحميل السلطات المحلية مسؤولية تخصيص الميزانيات المطلوبة لتفعيل الاطر التعليمية المختلفة، يعني زيادة عبء مصروف المواطن في هذا المجال، الذي يعيش أصلا في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة".

التعليم للاغنياء فقط

يضاف للتمييز العنصري التقليدي ضد العرب، التمييز بين غني وفقير، وهذا بدوره يضر العرب اولا علما انهم يشكلون 40% من الفقراء في الدولة. استثمار وزارة المعارف في المدن الغنية يفوق استثمارها في المدن والبلدات الفقيرة (التي تشمل اغلبية السلطات المحلية العربية). هذا ما كشفه مقال بعنوان "التعليم في المدن الغنية افضل"، نشره الملحق الاقتصادي لجريدة هآرتس "ذي ماركر" في 1/9.

تتصدر قائمة المستفيدين من ميزانية الوزارة مدينة هرتسليا الغنية، حيث يحصل الطالب على ميزانية 4310 شيكل من وزارة التربية والتعليم (تشمل معاشات المعلمين). واذا اضفنا ما يدفعه الاهالي في المشاريع التربوية والثقافية يصل المبلغ الى 5017 شيكل للسنة الدراسية للفرد. اما في مدينة الخضيرة التي تعتبر من المدن الفقيرة، فيحصل الطالب سنويا على 732 شيكل فقط. السلطات المحلية العربية غير مذكورة بتاتا في القائمة.

تعقيب وزارة التربية على هذه السياسة على هذه الارقام كان التالي: "سبب الفوارق في الميزانية المخصصة لكل طالب هو بسيط جدا. المعلمون في البلدات الغنية اقتصاديا مؤهلون اكثر من غيرهم، ولذا هم مكلفون اكثر. كما ان المدارس في المدن الغنية تحتوي على فروع تعليمية متنوعة اكثر، وتحتاج من وزارة التربية لميزانيات اكبر". هذا التفسير يعني ان الفجوات بين التعليم في المدن الغنية والفقيرة موجود في اتساع مستمر، وان وزارة التربية لا تسلم بالامر الواقع فحسب، بل تشجعه بدل ان تستثمر في جهود لسد الفجوات.

نتائج شح الميزانيات تبدو بوضوح في التحصيل العلمي في الوسط العربي، والذي يعتبر الادنى على مستوى الدولة، في حين تعتبر نسبة التسرب من اعلى النسب. كما ينعكس شح الميزانيات في النقص في العاملين الاجتماعيين والمختصين النفسيين، كما يقول رشدي خلايلة، مدير قسم التربية والتعليم في مجلس قرية مجد الكروم.

الملعب والمسجد اولا

لا شك ان السبب الرئيسي لهذا الوضع هو سياسة التمييز العنصري المنهجية المتبعة ضد المواطنين العرب. ولكن ليس هذا السبب الوحيد. للمشكلة جانب ذاتي، فاغلبية السلطات المحلية العربية تعاني من عجز مالي ناتج غالبا عن فساد اداري وتوزيع غير سليم حتى للميزانيات القليلة التي تصل من الحكومة. المجالس العربية لا تعطي اولوية لانشاء روضات الاطفال، مكتبات ومرافق ترفيهية، لا تستثمر في التعليم الخاص والحرفي وتدريب الهيئة الدراسية وغيرها. شغلها الشاغل هو المحافظة على الكراسي والمناصب من خلال ارضاء المقرّبين. بالمقابل، هناك سلطات محلية يهودية فقيرة ايضا، لكنها تبذل مجهودا خاصا في مجال التعليم، وتحصل على تبرعات من جهات خاصة لهذا الهدف.

في هذا الصدد تقول مديرة سابقة لاحدى المدارس العربية في الشمال، ان للازمة بُعدين: "الاول مطالبة الوزارة بتعديل وتصحيح الامور في وسطنا العربي؛ والثاني، متعلق بمسؤوليتنا كجماهير عربية. للاسف، ادارات مجالسنا المحلية تضع برامجها البلدية بالطريقة التي اعتدنا عليها، هنا سيقام مسجد، وهنا سيُبنى جدار، ولتحقيق هذه الغايات يمكنها تجنيد اموال طائلة من جهات محلية واذا لزم الامر دولية، لبناء ملعب كرة قدم!! اما بناء الغرف الدراسية او المراكز الثقافية ومعاهد الفنون، او المسارح فلا مجال لذكرها حتى في برامجهم الانتخابية".

طيرة الكرمل التي تعد من البلدات اليهودية التي تعاني من مستوى معيشي متدن اقتصاديا، تتصدر اليوم قائمة المدن الاكثر استثمارا في مجال التربية والتعليم في اسرائيل على الرغم من شح الميزانية المخصصة لها. وحسب معطيات وزارة المعارف فان بلدية طيرة الكرمل تخصص من ميزانيتها 4,213 شيكل للطالب الواحد، وهذا العدد هو ضعف المبلغ التي تخصصه بلدية حيفا للطالب 2095 شيكل. (ملحق ذي ماركر 1/9).

عمينداف فايس، مدير قسم التربية والتعليم في بلدية طيرة الكرمل قال للصبّار: "في العام الماضي، بلغت نسبة مستحقي شهادة البجروت في مدرستنا 60% من مجمل الطلاب، وذلك وفق معطيات وزارة المعارف. بالمقابل لم تتعد النسبة في كريات شمونة ال45%. انجازنا ليس معجزة ولا سحرا. فبلديتنا تستثمر الجزء الاكبر من ميزانيتها وتخصصه للتربية والتعليم. وتقوم بدعم جهاز التعليم الرسمي مؤسسات تربوية غنية بالموارد التعليمية، التثقيفية والاجتماعية، منها مركز تطوير التعليم، مركز استشارة نفسي وتربوي، المركز الجماهيري للعلوم والفنون، مركز لتعليم الموسيقى. ولا ابالغ بالقول ان 800 طالب من طلابنا يجيدون العزف على آلات موسيقية متعددة".

حول هذا الموضوع تحدث للصبّار الاستاذ نبيه ابو صالح رئيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي فقال: "قضية الفنون والموسيقى والمواضيع الاجتماعية المختلفة التي يجب ان تطرح وبكثافة في مدارسنا، للاسف توضع على الرفّ، علما انها تساهم في تنمية الذاكرة والقدرة على الابداع وتسهل بالتالي استيعاب المواد المدرسية. المشكلة التي نواجهها هي ان ذهنيتنا الشرقية ما زالت مرتبطة بالتحصيل التعليمي ونعتبره الهدف الاول المطلوب من الطالب".

بلدية الناصرة تبذل مجهودا خاصا في مجال التعليم. سامية بصول، مديرة دائرة المعارف في بلدية الناصرة، تقول للصبّار: "رغم التقليصات الحكومية، قامت بلدية الناصرة بتخصيص الميزانيات لتهيئة المدارس لافتتاح السنة الدراسية، وذلك بالتعاون مع لجان اولياء امور الطلاب وادارات المدارس والمربين والمؤسسات الرسمية والجماهيرية".

وكانت اللجنة المالية في بلدية الناصرة قد عممت بيانا على وسائل الاعلام جاء فيه، ان" اللجنة المالية في البلدية تلقت من وزارة المعارف منحة مالية بقيمة 9.5 مليون شيكل بهدف تنفيذ مشاريع وبناء مدارس تعليمية". الا ان هذا المبلغ ليس كافيا لسد النواقص التي تعاني منها المدارس في مدينة الناصرة، وفي هذا السياق تقول بصول: "ان البلدية نجحت في الحصول على منحة مالية من المتبرع اورين غرين بقيمة 4.5 مليون شيكل لبناء مدرسة تأهيل للفتيات، اضافة لمنح مالية من مصادر اخرى".

من يطمح لتحسين وضع التعليم في وسطنا العربي، يجب ان يتحرك اولا من اجل وقف مرض العائلية الذي يفتك بسلطاتنا المحلية، ويؤدي لتعميق ازمات البلد بما فيها ازمة التعليم، بسبب سياسة التعيينات على مقاييس سياسية وعائلية. وثانيا، لا يمكن الاكتفاء بميزانيات وبرامج وزارة المعارف بل لا بد من تفعيل المواطنين من اجل المطالبة بحقهم في ميزانيات اكبر لهذا المجال الحيوي والاساسي.

سنة جديدة مشاكل قديمة

في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد طفت على السطح عدة اشكاليات كما في كل عام.