تاريخ النشر ١٢/٠٩/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

الحكومة تقر ميزانية 2009 – ضد الفقراء

اساف اديب

إقرار ميزانية 2009 في جلسة الحكومة الاسرائيلية في اواخر آب، يعتبر دليلا على اصرار القيادة الاقتصادية في اسرائيل على نهجها الرأسمالي النيوليبرالي المنسجم مع املاءات مؤسسات المال الامريكية. محاولات الحكومة اجراء تقليصات في وزارة الامن والوزارات الاجتماعية، هي رسالة للمؤسسات العالمية وللمستثمرين الاجانب انه بالامكان الاعتماد على ثبات السياسة الاقتصادية، رغم الازمة السياسية والانتخابات الوشيكة ورغم الوضع الامني المتوتر، وبصرف النظر عمن سيقود البلاد.

أقرت الحكومة الاسرائيلية في جلستها يوم 24 آب الماضي ميزانية عام 2009، وذلك باغلبية 13 وزيرا مقابل 12. واعتبر مراقبون إقرار الحكومة للميزانية في الظروف السياسية الحالية انجازا هاما للقيادة الاقتصادية الاسرائيلية، اذ انه يشكل رسالة لاسواق المال المحلية والدولية القلقة من عدم الاستقرار السياسي في اسرائيل الناجم عن استقالة رئيس الحكومة ايهود اولمرت.

الصعوبات التي اعترضت وزارة المالية كانت هذه المرة كبيرة. فمنذ استقالة رئيس الحكومة يتصرف المرشحون لخلافته في قيادة حزب كاديما، على اساس اعتبارات سياسية دعائية يمكن ان تخدمه في وراثة المنصب، وليس على اساس اعتبارات اقتصادية عامة. من هؤلاء وزير المواصلات شاؤول موفاز الذي طالب بزيادة ميزانية وزارته، ووزير الامن الداخلي آفي دختر الذي طالب بزيادة في ميزانية الشرطة. وكان يبدو لدى طرح الميزانية لاول مرة في حزيران الاخير، ان هناك احتمال ان يفشل وزير المالية روني بار اون في تمرير الميزانية داخل الحكومة.

ولم يكن مرشحو كديما وحدهم الذين شكلوا عثرة امام الميزانية، بل الاحزاب الاخرى التي حاولت استغلال ضعف الحكومة لابتزاز المزيد من الامتيازات والتنازلات. حزب "شاس" الديني المتزمت، أصرّ على زيادة مخصصات الاطفال، ولكن هذا يعتبر خطا احمر بالنسبة لوزارة المالية. فيما طالب حزب المتقاعدين بزيادة مخصصات المسنّين، وجاء وزير الدفاع ورئيس حزب العمل، ايهود براك، ليطالب هو الآخر بزيادة في ميزانية الامن.

الميزانية التي قدمتها وزارة المالية صيغت كما لو ان كل هذه الضغوطات غير موجودة. الاطار العام للميزانية بقي كما كان في العام الماضي، وهو يشمل سلسلة طويلة من الاصلاحات الاقتصادية الخطيرة (انظروا قائمة الاصلاحات)، والتي تدل على مواصلة خط حكومة نتانياهو السابقة، واتباعا لاملاءات مؤسسات المال الامريكية المسيطرة على نمط الفكر والعمل في قيادة الاقتصاد في اسرائيل.

الحفاظ على مقاييس الاقتصاد الرأسمالي

جاءت المعارضة للميزانية من جانب بعض نواب اليسار في الكنيست اضافة الى جهات حقوقية واجتماعية. المعارضة الاساسية وجهت لقانون التسويات الذي يحمل في طياته اصلاحات اقتصادية خطيرة تضرب بعرض الحائط مكاسب وحقوقا اجتماعية هامة.

في محاولة للوصول الى اجماع حول الميزانية، قدّم المجلس الاقتصادي القومي التابع لمكتب رئيس الوزراء، اقتراحا بزيادة طفيفة في حجم الميزانية بنسبة 2.5% بدل 1.7%، مما يعني زيادة 2 مليار شيكل للميزانية التي تصل قيمتها الى 236 مليار شيكل (هذا اضافة الى مبلغ 83 مليار شيكل مخصصة لاعادة الديون الخارجية والداخلية). ولكن حتى هذا الاقتراح الذي كان اولمرت في البداية يميل باتجاهه جوبه برفض المالية، بادعاء ان ابقاء الزيادة بنسبة 1.7% هو دليل على قوة الحكومة وجديتها في الحفاظ على مقاييس الاقتصاد الرأسمالي.

وزير المالية روني بار-اون كان اشد المدافعين عن الميزانية بشكلها الحالي. فقد أكد ان نجاح الحكومة في إقرار الميزانية بصيغتها الحالية من شأنه ان يقوي الاستقرار السياسي الذي يحتاج اليه الاقتصاد الاسرائيلي، خاصة على ضوء "الركود الاقتصادي الوشيك وحالة الغموض السياسية". (دي ماركر، الملحق الاقتصادي لهآرتس، 25/8)

المبدأ الذي ينص على عدم زيادة حجم الميزانية باكثر من 1.7% سنويا مأخوذ عن التصور الذي يمجد "الحكومة الصغيرة". ويعني هذا نقل المسؤولية عن الاقتصاد والخدمات من الحكومة والقطاع العام الى القطاع الخاص. بناء على هذا المبدأ النيوليبرالي قررت اسرائيل بايعاز من البيت الابيض الامريكي ان يكون حجم الميزانية ملائما للزيادة الطبيعية في عدد السكان لا اكثر. ويعني ذلك انه حتى في حالات الانتعاش الاقتصادي وتوفر الامكانية الاقتصادية لدى الحكومة (كما كان الحال في العامين 2005 و2006)، ممنوع زيادة الميزانية وعليها ان تبقى معتمدة على التقليصات وتخفيض الخدمات والمخصصات الاجتماعية، كل ذلك ارضاءً لشركات تصنيف الائتمان العالمية وغيرها من المؤسسات المالية العالمية.

في هذا المجال ذكرت الصحيفة الاقتصادية "كلكاليست" (24/8) ان وزارة الخارجية الامريكية وجهت رسالة لوزارة المالية الاسرائيلية عشية اقرار الميزانية، وذكّرتها بالتعهد الاسرائيلي من عام 2007 بعدم زيادة حجم ميزانية عام 2009 باكثر من نسبة 1.7%، وابقاء العجز في الميزانية في السنوات 2009-2011 بنسبة تقل عن 1% من الانتاج المحلي. اللافت هو ان الادارة الامريكية التي تقدم لاسرائيل ضمانات للقروض في الاسواق المالية العالمية، تشترط بان تلتزم الحكومة بالمعايير الصارمة المتفق عليها، اذا كانت اسرائيل تريد مواصلة الاستفادة من الدعم الامريكي.

الاقتصاد اهم من الامن

خلال النقاش حول الميزانية تبين ان الجهاز الاقتصادي المسؤول عن الميزانية، مستعد ايضا لمواجهة وزارة الامن. تبلغ قيمة ميزانية الدفاع الاسرائيلية 55 مليار شيكل، وهي تشكل 25% من ميزانية الدولة، وتعتبر لذلك عبئا كبيرا على الدولة. على ضوء استمرار اسرائيل في سياساتها العدوانية ورفضها الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة، تتذرع اجهزة الامن باحتمال اندلاع حروب على الجبهات الشمالية (لبنان وسورية) والجنوبية (غزة) وكذلك مع ايران. وعلى هذا الاساس اعتبرت قضية الامن "بقرة مقدسة" لا يجرؤ احد على المس بها، وتم صرف ميزانيات كبرى لصالح الوزارة على حساب الخدمات الاجتماعية الضرورية، ودون اكتراث حقيقي باتساع رقعة الفقر، وتدهور جهاز التعليم وانتشار الجريمة.

صحيفة "دي ماركر" كرّست عددها الصادر يوم اجتماع الحكومة الحاسم في موضوع الميزانية (24/8)، لموضوع التبذير في جهاز الامن والجيش. وكان واضحا ان نية الصحيفة التي تعبر عن النخبة الرأسمالية، هي ضرب او حتى كسر "بقرة الامن المقدسة". عدد كبير من المقالات خُصّص لموضوع الاجور العالية والحقوق الاجتماعية والتقاعد المبكر التي يحظى بها كبار ضباط الجيش والتي تفوق اجور كبار الموظفين في سائر الاجهزة الحكومة.

وزير المالية بار اون ادعى انه لا بد من اجراء تقليصات، إما في ميزانية الرفاه الاجتماعي وإما في ميزانية الجيش والامن. وقد ادخل هذا الامر حزب العمل في ارباك، فقد بدا إصراره على الزيادة في ميزانية الامن، كما لو كان قبولا بتقليص الميزانيات الاجتماعية التي يدّعي حزبه التمسك بها. غير ان الهدف الرئيسي لوزير المالية كان ضرب مكانة وزارة الامن واخضاعها للمقاييس الاقتصادية الرأسمالية، لكنها وافقت في نهاية المطاف على حل وسط. حسب الحل الوسط اقترح صرف 1.3 مليار شيكل لوزارة الامن في عام 2009 على ان يتم تسجيلها في ميزانية 2010.

اسرائيل لن تنجو من الازمة العالمية

النجاح الاقتصادي للرأسمالية الاسرائيلية في السنوات الاخيرة عوّض على فشل النخبة الحاكمة في المجالات السياسية (اختلال الحكومة) والعسكرية (حرب لبنان) وفقدانها المصداقية في نظر الشعب. ازاء الشعور العام في اسرائيل بافلاس وفساد القيادة السياسية وهبوط مستوى اداء الجيش، تبرز الشركات ورؤوس الاموال الاسرائيلية في مجالات الهاي تك والعقارات والصناعات العسكرية وبعض الصناعيين الكبار، كعنصر ناجح يضمن لاسرائيل التفوق والمكانة الدولية المرموقة.

غير ان نقطة قوة اسرائيل هذه باتت تشكل ايضا نقطة ضعفها. فاذا كان رؤوس الاموال والشركات الاسرائيلية قد عرفوا كيف يندمجون بالعولمة الرأسمالية والاستفادة منها لاقصى درجة، الا انهم ايضا صاروا معرّضين للهزات الاقتصادية التي تضرب العالم، وهم متأثرون بازمة الائتمان الامريكية وانهيار سوق العقارات في امريكا وبريطانيا والركود الاقتصادي الذي يهدد العالم.

الدليل على ذلك هو الخسائر الكبيرة التي تقدر باكثر من ثلاثة مليارات شيكل التي مني بها بنك بنك هبوعليم، الاكبر في اسرائيل، نتيجة استثماراته في سوق العقارات الثانوي في امريكا. كما سجلت شركات العقارات الاسرائيلية خسائر فادحة، ومنها "افريكا اسرائيل" التي يمتلكها ليف لفاييف والتي خسرت في البورصة 14 مليار شيكل خلال سنة، وشركة "ديلك ندلان" لصاحبها يتسحاق تشوفا التي خسرت 1.2 مليار شيكل، وشركة "اوسيب" لصاحبها اركادي غايدماك التي خسرت 800 مليون شيكل.

مع الركود الذي يهدد اسواق الغرب التي تستوعب البضائع الاسرائيلية، وازمة الائتمان التي يمكن ان تؤثر سلبا على شركات التكنولوجيا الامريكية التي اعتادت شراء شركات "ستارت اب" الاسرائيلية بمئات ملايين الدولارات، ستبدأ اسرائيل قريبا التأثر بالركود العالمي وستشهد ارتفاعا في نسبة البطالة التي هبطت اخيرا الى نسبة 5.9% تعتبر الاكثر انخفاضا منذ 15 عاما.

يذكر ان الازدهار الاقتصادي الذي شهدته اسرائيل خلال السنوات الاخيرة، ادى الى تعميق الفجوات الاجتماعية في اسرائيل، وهز ثقة الجمهور بالسياسيين، واثر سلبا على استعداد الشباب الاسرائيليين للتضحية بحياتهم في الجيش. اليوم، في ظل الركود المحتمل، يبدو اننا مقبلون على مرحلة يمكن ان تزيد التناقضات والتوتر الداخلي دون ان يكون للنخبة الحاكمة الادوات الاقتصادية الملائمة والميزانيات لحل الازمة والتخفيف من حدتها.

الاصلاحات الهامة في ميزانية 2009:

•فرض ضريبة التأمين الوطني على ربات البيوت.
•الغاء نسبة الفائدة الثابتة التي تمنحها الدولة للتأمين الوطني، مما يعني تخفيض في دعم الدولة لخدمات الرفاه بقيمة ثمانيات مليارات شيكل.
•تقليص في الميزانيات المخصصة لمساعدة المسنين.
•توسيع خطة ويسكونسين وتعميمها قطريا.
•تقليص بنسبة 1.1% في كافة انشطة الوزارات الحكومية.
•ارتفاع بنسبة 9% في اجرة السفر في وسائل النقل العامة.
•تقليص 200 مليون شيكل في ميزانية المجلس القومي للمواصلات.
•افساح المجال للموانئ لخصخصة بعض الارصفة (خصخصة الموانئ).
•اصلاح جذري في التلفزيون التربوي، مما سيؤدي لفصل مئة موظف ونقل انتاج البرامج لشركات خاصة.
•تأجيل تعهد الحكومة تخصيص ميزانيات لخفض عدد الطلاب في الصفوف.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__236
21.11.2017, 12:11