العدد ٢١٢, تشرين ثان ٢٠٠٧

فكر ورأي

الخدمة المدنية خطة مرفوضة وغير عملية

حنان زعبي

مشروع الخدمة المدنية جاء اساسا للرد على ازمة المتدينين اليهود، وقد تم اقحام العرب في الخطة في محاولة من الدولة للتخلص من العبء الاقتصادي، وتحميلهم مسؤولية فقرهم بحجة انهم لا يؤدون الخدمة المدنية.

قرار الحكومة الاسرائيلية في 19 آب الاخير تأسيس "مديرية لتطبيق الخدمة المدنية" على الشرائح التي لا تخدم في الجيش، من المتدينين اليهود والعرب، اثار زوبعة في الساحة السياسية العربية. الموقف من الخدمة المدنية للعرب يجب ان يكون الرفض القاطع، يبقى السؤال لماذا؟
في مؤتمر خطابي في 27/10 بادرت اليه جمعية "بلدنا" تحت رعاية لجنة المتابعة، لخصت القيادات العربية موقفها الرافض للخدمة المدنية بنقطتين: الاولى خطر الاسرلة وتهديد الهوية الوطنية؛ والثانية ان الخدمة المدنية هي مقدمة باتجاه فرض الخدمة العسكرية على العرب. نسوق فيما يلي اعتبارات اخرى من منظور التحليل الطبقي للمجتمع وليس القومي فحسب.

ما هي الخدمة المدنية؟

مشروع الخدمة المدنية هو مشروع تطوعي بديل عن الخدمة في الجيش. معظم المشاركين فيه حتى اليوم هم من الفتيات اليهوديات المتدينات المعفيات من الخدمة العسكرية، ولا يتجاوز عددهن العشرة آلاف، بالاضافة الى 300 شاب وفتاة من العرب.
حسب مشروع القرار الصادر عن مكتب رئيس الحكومة، يقوم المشارك بالتطوع لعدد معين من الساعات تحدده المديرية او الجهة المؤسساتية المسؤولة عن ادارة المشروع، في أطر مدنية، كالمستشفيات والمدارس والمحاكم ودور المسنين وصناديق المرضى وغيرها من المؤسسات.
يستمر التطوع مدة عام على الاقل، يُمنح خلالها المتطوع نفس الشروط التي يتمتع بها الجنود غير المقاتلين. كما يتلقى المتطوع بعد انهاء خدمته مكافأة مالية وشهادة تُوثّق خدمته، الامر الذي يمكن ان يقدم له تسهيلات عديدة و"بعض الامتيازات الاقتصادية".

ما للعرب والخدمة؟

القرار الجديد يذكر العرب مرة واحدة فقط بشكل عيني، وفي بقية الحالات يشملهم في عبارة "كل مجموعات السكان" او "ابناء كل الاديان والطوائف".
البند الاول يحدد اهداف المشروع: "ان الهدف السامي من الخدمة المدنية-الوطنية يتمثل بتعزيز علاقة التضامن والتعاطف بين المواطن ودولته". بند كهذا يبدو غريبا في ظل الانقسام الكبير والشعور المتزايد بالكره والاغتراب المتبادل بين الدولة والمواطنين العرب، وخاصة منذ احداث اكتوبر 2000، وفي ظل التمييز العنصري التاريخي بحق العرب.
البند الرابع من القرار ينص على ان "المشاركة في الخدمة المدنية-الوطنية ستقلل من عدم المساواة بين الخادمين (في الجيش) وبين غير الخادمين؛ كما انها ستزيد بشكل متساو احتمالات من ينهي الخدمة في الاندماج في شتى مجالات الحياة.
وينص البند الثامن على ان الخدمة المدنية هي اولا لمصلحة الجمهور والمجتمع، كما تعود بالفائدة الشخصية على المشارك. ولتشجيع المشككين ينص القرار على ان الخدمة المدنية لن تخضع لمسؤولية وزارة الامن بل لمسؤولية مكتب رئيس الحكومة.
هل يقصد القائمون على المشروع انه من الآن فصاعدا سيتم دمج العرب فعلا في المجتمع الاسرائيلي، واشراكهم بشكل متساو في اتخاذ القرارات المصيرية؟ هل ستؤدي المشاركة في الخدمة المدنية الى انجاز مطالبنا بالمساواة في الحقوق، وتحقيق حلم شعبنا الفلسطيني بانهاء الاحتلال واقامة دولته المستقلة؟
ان تجربة الماضي علمتنا ان الدولة تتعمد عدم منح العرب حقوقا متساوية، ولا التوصل الى سلام عادل مع الفلسطينيين. نتائج السياسة الامنية والاقتصادية الاسرائيلية تبدو واضحة في نسبة الفقر التي تزيد عن 57% من المجتمع العربي، وهو وضع تعانيه ايضا الكثير من القرى الدرزية والبدوية التي يؤدي شبابها الخدمة العسكرية الكاملة.
اسرائيل نفسها اعفت العرب من الخدمة العسكرية لدوافع امنية مثل اعتبارهم طابورا خامسا وكجزء من سياسة التمييز العنصري. فقد اعتبرت المجتمع العربي خطرا امنيا وديمغرافيا يهدد طابعها كدولة يهودية. في انتفاضة اكتوبر 2000 ثبت ان هذه السياسة لا تزال قائمة، ولا تشهد نقاشا جديا وكم بالحري تغييرا جذريا. فاذا كانت الدولة تعادي مواطنيها العرب، كيف تتوقع منهم خدمتها، عسكريا او مدنيا؟!

مشكلة اليهود المتدينين

ولكن هل المستهدفون الرئيسيون من المشروع هم العرب فعلا؟ هل هناك فعلا مؤامرة تحيكها الدولة لتجنيد العرب الى الجيش، كما يرى بعض القيادات العربية؟ يبدو ان المستهدفين الرئيسيين هم اليهود المتدينون المتزمتون واليهود المتسربون من الجيش. هؤلاء كما يبدو يسببون لاسرائيل مشكلة امنية وجودية من جهة، ومشكلة اقتصادية من جهة اخرى. فاليهود المتزمتون يطالبوا الدولة باعفائهم من الجيش ومن العمل للتفرغ لتعلم التوراة، والانكى من كل ذلك تضطر الدولة لتمويلهم مدى الحياة.
طالما كان عدد هؤلاء محدودا، كان العبء محتملا. ولكن بسبب تكاثرهم الطبيعي في السنوات الاخيرة، زاد العبء على المجتمع الاسرائيلي، فراحت الطبقات الوسطى منه بالذات تتذمر، خاصة انها تضطر لتمويل المتدينين من الضرائب التي تدفعها، بالاضافة الى ان ابناءها هم الذين يموتون في الحروب بدلا من ابناء المتدينين.
عضو الكنيست ران كوهن عن حركة ميرتس يشكو بان اعفاء المتدينين من الجيش يشجع الشباب في تل ابيب او المجموعات السكانية الفقيرة على التسرب من الخدمة في الجيش، وذلك على حساب نصف الشعب الاسرائيلي الذي يخدم ويموت في الحرب بدلا منهم. ويقول حين يُعفى المتدينون من الخدمة، يعطي الجيش مشروعية لظاهرة التسرب من الجيش، مما يخلق شعورا في اوساط الجمهور بان الخدمة العسكرية ليست واجبا حقيقيا.
وقد دلت الاحصائيات الاخيرة على ان نسبة المتجندين في اسرائيل تقارب ال40% فقط من الملزمين بالخدمة. وتتضاءل النسبة باستمرار بسبب تسرب جنود الاحتياط من الخدمة، وعدم انخراط شريحة المتدينين في صفوفها (معاريف، 9/8/2007).
في محاولة لمواجهة القضية تم تعيين "لجنة طال" وسن "قانون طال" الذي تم اقراره في 23 تموز 2002، وهو ينص على فرض الخدمة العسكرية على طلاب المعاهد الدينية اليهودية ولكن يسمح لهم بتأجيل الخدمة بسنوات محددة لاغراض التعليم. بعد مرور سبع سنوات على "قانون طال"، تبين فشله في تجنيد المتدينين. مشروع القرار الاخير المتعلق بالخدمة المدنية هو محاولة جديدة لاحتواء الازمة.

العرب ليسوا طفيليين

لماذا تم إقحام العرب في مشروع يخص ازمة يهودية داخلية لا علاقة للعرب بها؟ تكمن الاجابة في محاولة من الدولة للتخلص من عبء العرب الاقتصادي بعد تعرضهم للفقر الشديد، وبدل حل مشكلة سوق العمل، تنقل بذلك المسؤولية عن الفقر للعرب انفسهم، وتتهمهم بانهم السبب في فقرهم وعدم مساواتهم، لانهم يرفضون الخدمة المدنية. وتتجاهل الدولة بذلك السنوات الطويلة من التمييز الحكومي وسياسة العولمة التي صدّرت المصانع واستوردت العمال الاجانب ليعملوا محل العمال العرب.
كل المحاولات للمقارنة بين المواطنين العرب وبين اليهود المتدينين، واعتبارهم هم ايضا طفيليين على الدولة اليهودية، لا اساس لها من الصحة. ففي حين اختار المتدينيون اليهود تعلم التوراة وطلبوا اعفاءهم من العمل، عمل العرب دائما في الاعمال الشاقة القليلة التي سُمح لهم بها وبأجور متدنية، ثم صودر هذا الحق نتيجة العولمة. العرب لم يطالبوا ابدا باعفائهم من العمل، بل العكس هو الصحيح، انهم يطلبون فتح اماكن العمل!

مشروع الخدمة المدنية معرض للفشل، وليس فقط بسبب الجانب المبدئي. الجوانب الاقتصادية ايضا تجعله غير عملي، غير قابل للتطبيق، وحتى غير مغرٍ. فعنصرية الدولة تجاه السكان العرب تجعل ثلثي الشباب العرب يعيشون تحت خط الفقر، ثلثهم فقط يحصل على التوجيهي، ومصير الاغلبية الساحقة من الشباب يبقى اما البطالة او العمل المؤقت لدى المقاولين الفرعيين او القوى البشرية التي تنتهك حقوقهم وتضمن بقاءهم تحت خط الفقر.
اما الفتيات العربيات، فان 81% منهن لا ينخرط اصلا في سوق العمل بسبب السياسة الاقتصادية والتمييز وايضا بسبب العادات والتقاليد. الاغلبية تتحول الى ربات بيوت، من هنا فمشروع من هذا النوع ليس عنوانا بالنسبة لهن.
قد تشكّل الخدمة المدنية اغراءً بالنسبة لاقلية قليلة من الشباب والفتيات العرب الذين يطمحون ويستطيعون ماديا وصول مرحلة التعليم العالي. فالخدمة المدنية قد تسهل عليهم الحصول على مكان في مساكن الطلبة، الحصول على منح مالية، القبول للعمل في الوزارات الحكومية او المعاهد الاسرائيلية بعد انهاء التعليم. مجرد انخراطهم في الجامعات، تحدثهم باللغة العبرية، تعرفهم على الثقافة الغربية وانتمائهم للشرائح الوسطى، كل هذه تعرضهم اكثر من غيرهم الى خطر الاسرلة.
اما الاغلبية الساحقة من الشباب، فلا يمكن ان تقبل بالتطوع للدولة سنة كاملة مقابل دخل ضئيل شهريا. ان هذه الاغلبية مطالبة باحضار قوت عائلاتها، وهي بحاجة للعمل مقابل اجر لتعيش. كما ان هؤلاء الشباب يدركون تماما انه في نهاية الخدمة، سيعودون لنفس سوق العمل الذي يعرفون. الخدمة لن "تسهل عليهم الاندماج" بالعمل في الكراجات، المطاعم، الزراعة، او في مصانع الدجاج من خلال شركات القوى البشرية او المقاولين الفرعيين. المستقبل الذي رسمته الدولة لهؤلاء الشباب لا يترك اي مجال حتى للتفكير في تعزيز ارتباطهم بالدولة وولائهم لها، او حتى الاندماج فيها. من هنا فخطر الاسرلة يبتعد عنهم كلما صاروا اكثر فقرا وتهميشا.
قبل ان تأتي الدولة باقتراحاتها وقبل مطالبة العرب بالتطوع لعيونها، عليها ان تربط الحصان قبل العربة، اي ان تغير سياستها العنصرية تجاه مواطنيها العرب وتجاه القضية الفلسطينية، ان تزيل الاحتلال وان تفتح اماكن العمل تخلق مستقبلا للشباب واملا في الحياة. اذا صار هذا يكون لكل حادث حديث. ولكن طالما بقي الاحتلال والبطالة والفقر فلا مكان لهذه الخطط سوى في الارشيف.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"الخدمه المدنية"

سليمان طنوس
harv kouk 10/b/26 led
نشر بتاريخ ٠٧.١٠.٢٠٠٨, ١٠:٣٥

انا من أشد المعارضين للخدمه المدنية التي تتعارض كليا مع مصلحة شعبنا الفلسطيني وتشكل خطراعلى كياننا وهويتنا الفلسطينية. لذلك أطلب منك محاولت نشر هذه المقلة في جميع الصحف والمجلات العربية وأيضا على أكبر عدد من الصحف العبرية والأجنبية على حد سوى.


www.alsabar-mag.com/ar/article__21
21.11.2017, 12:11