تاريخ النشر ٠٥/٠٨/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

اسرائيل تضع سورية امام خيارات صعبة

يعقوب بن افرات

الخطوات التي قامت بها سورية منذ بدء المفاوضات مع اسرائيل، تشير الى تحولات في السياسة السورية الخارجية نابعة من وضعها الاقتصادي الذي يهدد سلامة النظام. سورية بحاجة ماسة لاستثمارات اجنبية للحفاظ على نظامها، والطريق للتسهيلات الاقتصادية تمر من البوابة الاسرائيلية.

أفادت وسائل الاعلام الاسرائيلية بان نقاشا احتدم في اروقة الكنيست بين رئيس الوزراء، ايهود اولمرت، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني. ويبدو ان النقاش كان حادا لدرجة احمر وجه الاخيرة من شدة الغضب. جاء هذا قبل يوم واحد من اعلان اولمرت قراره عدم الترشح للانتخابات الداخلية في حزبه "كديما"، وفي جو اشتدت فيه العداوة بينه وبين ليفني التي رشحت نفسها لوراثة منصبه. ومن المرجح ان يكون موقف ليفني جاء ضمن محاولات لابراز موقفها المستقل في القضايا الحساسة مثل المفاوضات مع سورية، والتركيز على نزاهتها الشخصية مقابل شبهات الفساد الموجهة لاولمرت ومنافسيه من رؤساء الاحزاب الاخرى، ايهود براك وبنيامين نتانياهو.

لا نعرف إن كان الاشتباك الكلامي امام وسائل الاعلام مقصودا ام لا، ولكن ما يهمنا هو مضمون الجدال بشأن المفاوضات مع سورية. فقد افادت صحيفة "هآرتس" ان ليفني "تحفظت عن طريقة ادارة المفاوضات التي بدأت دورتها الرابعة في تركيا، وخاصة بالنسبة للانتقال من المفاوضات غير المباشرة للمباشرة". وأضافت الصحيفة ان تحفظ ليفني نابع من الموقف بان "على سورية الالتزام بالتخلي عن علاقتها مع حزب الله وايران وحماس. وان ليفني ترى انه طالما يرفض السوريون إبداء ليونة في هذا الامر الذي سيعتبر بادرة حسن نية من قبلهم، فلا مبرر لمبادرات حسن نية من اسرائيل تجاههم".

تصريحات اولمرت في الموضوع تؤكد عدم وجود خلاف حقيقي بين الاثنين. وفي الواقع كان الخلاف مصطنعا بادرت اليه ليفني في محاولة لإبعاد نفسها عن اولمرت، والفوز باصوات اعضاء حزب كاديما في الانتخابات الداخلية بعد شهر من الآن. وكان جُلّ ما تخشاه ليفني ان يعلن اولمرت عن بدء المحادثات المباشرة مع سورية كمناورة لكسب الشعبية والفوز بالانتخابات الداخلية. ولكن، كما تبين لاحقا، اخطأت الوزيرة في حساباتها، اذ لم تكن تدري بنية اولمرت الاستقالة وعدم ترشيح نفسه للانتخابات اصلا.

اولمرت كان اكثر وضوحا من ليفني بالنسبة لموقفه من المفاوضات مع سورية. فقد صرّح في محاضرة امام خريجي معهد الامن القومي بالجامعة العبرية، بان الفرص الايجابية في المفاوضات تغلب على المخاطر، وان كل الاجهزة الامنية تدعم الخطوة. وكان الامر الملفت للاهتمام في المحاضرة تصريحه بشأن الظروف التي قادت لبدء المفاوضات، وبالذات تلميحه للقصف الاسرائيلي في 16 ايلول العام الماضي لما اعتبر مبنىً لتطوير الطاقة النووية في شمال سورية (على بعد 150 كلم من الحدود العراقية قريب من نهر الفرات)، اذ قال:

"اضطررنا للقيام بخطوات بدا انها ستؤثر سلبا على احتمالات التقدم نحو السلام. ادرنا امورنا بطريقة حذرة ومدروسة في الساحة الاقليمية والدولية، لمنع اختلال التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ومن اجل الحفاظ على امكانية التوصل للسلام. في نهاية المطاف توصلنا لوضع بدأنا فيه المفاوضات بشروط مثالية لصالح اسرائيل". (هآرتس، 31 تموز)

و"بالعربي الفصيح" يقول اولمرت – "اننا هاجمنا سورية وقصفنا مواقع حساسة فيها، ثم التزمنا الصمت، ولم ننفِ ما قاله النظام السوري بان المبنى كان عسكريا ولا علاقة له بالنشاط النووي. أفهمنا النظام السوري بان رفضه الدخول في مفاوضات "بشروط مثالية لاسرائيل" يعني وقوع عمليات عسكرية مماثلة في المستقبل، يمكن ان تؤدي الى ضرب سمعة النظام واستقراره". هذا الكلام تقوله اسرائيل لسورية وكذلك للرأي العام الاسرائيلي نفسه، الذي يطالب بمعرفة مبررات المفاوضات التي ستكلف الانسحاب الكامل من الجولان.

ازمة اقتصادية سورية

للجانب السوري رواية خاصة به لملابسات بدء المفاوضات. بالنسبة له، مقاومة حزب الله وحلفائه الموالين لسورية، هي التي لقّنت اسرائيل درسا لا يُنسى وهزموها في حرب لبنان الاخيرة، وان العبرة الاساسية التي اعتبرتها اسرائيل هي ان الهدوء على حدودها الشمالية سيفرض عليها الوصول لاتفاق سلام مع سورية. ولكن بغض النظر عن التصريحات الملتهبة، فالخطوات الفعلية التي قامت بها سورية منذ بدء مفاوضاتها مع اسرائيل، تنقل صورة مختلفة تماما. فقد طرأت تحولات حقيقية في السياسة السورية الخارجية، نابعة من وضعها الاقتصادي العصيب الذي بات يهدد سلامة النظام.

في الآونة الاخيرة كثرت المعلومات بشأن وضع الاقتصاد السوري. فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" (29 تموز) مقالا بعنوان "السوريون يتطلعون للجانب الاقتصادي للسلام". ويقتبس المقال من بعض السوريين تصريحات حول ارتفاع نسبة الفقر، وتزايد الشعور باليأس في صفوف الشعب السوري نتيجة الحصار والعقوبات المفروضة عليه. وما يزيد الصعوبات الاقتصادية هو تحول سورية من دولة مصدّرة للنفط الى دولة مستوردة، مما اجبر الحكومة على زيادة الدعم الحكومي للنفط لمنع ارتفاع اسعاره. كما تفاعلت الحكومة مع غلاء الاسعار، فرفعت اجور العاملين في القطاع العام، وعددهم مليونا نسمة، بنسبة 25% ليصل معدل اجر الموظف السوري الى 130 دولارا شهريا.

سورية بحاجة ماسة لاستثمارات اجنبية للحفاظ على نظامها، وهي تدرك ان الطريق للحصول على مثل هذه التسهيلات الاقتصادية تمر من البوابة الاسرائيلية. هذه المعادلة قائمة وثابتة منذ وقّعت مصر اتفاق كامب ديفيد مع اسرائيل عام 1978 بالنسبة لسورية مجرد التفاوض مع اسرائيل مفيد لانه يعيد العلاقات مع فرنسا بعدما تدهورت على خلفية الازمة في لبنان. وبالفعل فقد قام الاوروبيون والفرنسيون، بخطوات دبلوماسية واضحة تجاه سورية، بهدف تشجيعها على اتخاذ المزيد من الخطوات الملموسة تجاه اسرائيل.

الشروط الاسرائيلية

اسرائيل هي الاخرى مستفيدة من المفاوضات، لان هذا يجعلها تبدو امام العالم كمحبّة للسلام مما يقوي علاقتها بالاوروبيين ويعزز علاقات التعاون الاقتصادية معهم. غير ان لاسرائيل شروطا واضحة للبدء بالمفاوضات المباشرة مع سورية، وهي نفس الشروط التي حددتها ليفني وكررها اولمرت في محاضرته الاخيرة، عندما قال (في المصدر السابق):

"في مرحلة معينة كانت هناك بوادر حسن نية من سورية، ولكنها لم تكن كافية. في المرحلة الحالية ستضطر سورية ان تحسم بين البقاء في القبضة الايرانية، مشاركتها في محور الشر والعزلة الدولية؛ وبين السلام، الازدهار الاقتصادي والانضمام لحضن الشعوب. انه حسم واضح ومبدئي، وإسرائيل مستمرة في المفاوضات بحسن نية، وهي تقترح على سورية خيارا حقيقيا يمكن ان يؤدي بها لاتخاذ القرارات الصحيحة".

شروط اسرائيل واضحة جدا، فقبل التزامها بالانسحاب من الجولان والخوض بمفاوضات تحقق ما فشل الطرفان في تحقيقه قبل عشر سنوات، سيكون على سورية ان تحسم امرها وتقرر الى أي معسكر تريد الانتماء: معسكر ايران والمقاومة ام معسكر السنيورة، ابو مازن، مبارك والملكين عبد الله. وهذا بالضبط ما لا تريده سورية.

اعتبارات سورية الاقليمية

سورية في إرباك كبير، وهي تقع بين المطرقة الاسرائيلية- الامريكية وسندان ازمتها الاقتصادية. فهي تدرك ان حسم موقفها وتخليها عن التحالف الاستراتيجي مع طهران، في ظل الضعف الداخلي الذي تعاني منه، سيجعلها فريسة سهلة للاسرائيليين مما يهدد استقرار نظامها. ان وضع ابو مازن بعد اتفاق اوسلو والانشقاق الداخلي بين فتح وحماس، هو النموذج الامثل لما يمكن ان تؤدي اليه المفاوضات مع اسرائيل في حال قطعت سورية علاقتها بإيران. صحيح انها ستتمكن من استعادة الجولان، ولكن الثمن سيكون التنازل عن استقلالها وسيادتها الحقيقية. فمعادلة السلام الوحيدة المقبولة على اسرائيل هي "الارض مقابل السيادة والاستقلال السياسي والاقتصادي".

في مواجهة الخيارات الصعبة، وسعيا لتفادي قرار الحسم المطلوب منه، يسعى النظام السوري للعب دور الوسيط في اكثر من ساحة: الايرانية، اللبنانية والفلسطينية. الفكرة هي الموازنة بين حاجاته الاستراتيجية والاقتصادية الخاصة، بمعنى الحفاظ على الظهر الاستراتيجي العسكري مع ايران مقابل اسرائيل والغرب، وفي نفس الوقت إبداء نوع من المرونة السياسية ليحظى بالانفتاح والاستثمارات الاجنبية التي يمكن ان تعالج الوضع الاقتصادي الداخلي.

وتماشيا مع هذا الموقف تسعى سورية لتنسيق مواقفها مع طهران في اكثر من مجال، منها دعمها لاتفاق الدوحة للوفاق الوطني بلبنان. كما التقى بشار الاسد برئيس السلطة الفلسطينية واقترح رعاية اتفاق تهدئة ووساطة بين فتح وحماس (التي تقيم قيادتها في دمشق)، والتوصل لنوع من اتفاق دوحة فلسطيني. ومؤخرا قام الرئيس السوري بشار الاسد في زيارته الاخيرة لطهران بنقل رسالة الاوروبيين للرئيس الايراني، محمود احمدي نجاد، بشأن اقتراح وقف تخصيب اليورانيوم مقابل تسهيلات اقتصادية لايران.

ولكن اذا اخذنا بالاعتبار هشاشة الحكومة اللبنانية، بسبب عدم حسم نهائي لدور المقاومة، وفي ظل مماطلة سورية بشأن فتح سفارة سورية في لبنان والتي سيكون معناها هزيمة لسورية واعتراف منها باستقلال لبنان؛ واذا اضفنا لذلك رفض ايران اقتراحات الاوروبيين التي نقلها الاسد بالنسبة للمسألة النووية، يمكننا الاستنتاج ان السلام الوحيد الذي يمكن ان يتحقق في المنطقة هو ذلك المكتوب في الاوراق، دون ترجمته على ارض الواقع. هذا ما يعزّزه واقع الانشقاق العميق في الساحة الفلسطينية بين فتح وحماس، حيث لم تثمر المفاوضات عن سلام بل عن حروب عصابات تهدد بالانحدار لحروب اهلية.

المفاوضات حول السلام من جهة، والتصريحات النارية من جهة اخرى، ليست سوى مناورات من جميع الاطراف، هدفها كسب الوقت في وضع يتفاقم ويقترب من الانفجار. فالمفاوضات بين اسرائيل وسورية اليوم هي عبارة عن نوع من اللعب بالنار، لان فشلها يعني حربا جديدة بين اسرائيل وسورية، يمكن ان تكون لبنان ساحتها. هذا ما لمّح اليه اولمرت في معرض محاضرته المذكورة اعلاه.

كل ما تريده الانظمة العربية وايران من المفاوضات او الحروب، هو ضمان وجودها في السلطة، وكل ما تريده اسرائيل وأمريكا هو السيطرة والتفوق الاستراتيجي في المنطقة. اما ما تريده الشعوب فهو اقتصاد عادل، الحق بالغذاء، بالصحة والتعليم وحرية التعبير والديموقراطية، غير ان هذه القضايا المصيرية تبقى كلها بعيدة عن المفاوضات ولا تشكل شرطا مسبقا للسلام.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__214/اسرائيل_تضع_سورية_امام_خيارات_صعبة
22.10.2017, 10:10