ثقافة

"حفلة تخريج"، معرض للفنان محمد فضل، جاليري بيراميدا، حيفا

إوز، ضباط والطريق الى الجنة

داني بن سمحون

من يزور معرض الفنان محمد فضل في جاليري بيراميدا بوادي الصليب في حيفا (يستمر حتى 30 تموز)، يجد نفسه امام تجربة ممتعة على نحو خاص. تحتاج العين لدقائق معدودة فقط لتنتقل من ضوء الشمس الساطع في الخارج الى الضوء الداخلي، ضوء الخيال وثروة الالوان التي تبثها لوحات الفنان فضل. الاعمال غنية بالاشكال، بالالوان والرموز، التي يستخدمها الفنان كاقنعة تخفي الامور وتكشفها في آن معا، وتأخذك في رحلة مركبة في مسعى لتفكيك الغازها.

لوحة "رضوان حارس الجنة" من عام 2002، التي تستقبلك لدى دخول المعرض، هي لوحة زيتية كبيرة الحجم (2 X 1.6 متر). في مركزها رضوان، رجل ضخم الجثة، يبث صرامة وطول نفس. الرجل مغطىً باللونين الاخضر والازرق اللذين يلفان المشاهد ويخلقان اجواء هادئة وطبيعية، اجواء الجنة. يقف رضوان في بستان مزهر، وينتعل حذاء عمل ضخم في احدى قدميه، وحذاء انيقا في القدم الاخرى.

بيض الوز

يقول فضل للصبّار: "هذه اللوحة هي رد فعل للملاحقة السياسية التي يتعرض لها المسلمون في العالم، منذ تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 ايلول 2000". ويضيف: "فجأة تحوّلنا جميعا الى ارهابيين، وكان مهمّا لي ان أُبرز الجانب الانساني فينا وليس العدواني. نحن جزء من حضارة وتاريخ غني، ولسنا قشور انسان. الاحذية التي ينتعلها رضوان تقول ان الوصول الى الجنة يحتاج ان نقوم بشيء ايجابي في حياتنا، ان نعمل، لا ان نقتل".

ضباط 3

كل عمل فني ينمّ عن رسالة سياسية، ولكن الفنان محمد فضل يخبئ النقد السياسي ضمن الخطوط الملونة. تأمل الفنان النقدي للمجتمع وللواقع ينعكس في سلسلتين من الاعمال المعروضة في المعرض: "إوز"، من عام 2005 و"ضباط في الغابة" من عام 2007. الفنان العريق ابراهام ايلات كتب في بطاقة الدعوة للمعرض ان السلسلتين "تجسدان التزام الفنان وحاجته العميقة للتطرق لواقعنا الآن وهنا. نظرته شاملة وهي تتعدى المحلي الى شيء اعمق بكثير، الى المستوى الانساني العالمي".

إوز

وز يحاول الطيران

الاعمال في سلسلة "إوز" تُعرض لاول مرة، ربما بسبب كونها مركّبة والتحدي الذي تضعه امام الزائر ليس بسيطا. تشكّل هذه الاعمال جزءا من سلسلة تحتوي على 30 عملا فنيا. يصور الفنان مشاهد حياتية مختلفة تفصل بين الحياة والموت، على اقمشة متعددة ذات حجم واحد (100 X 100 سم). "كل لوحة تروي مرحلة مختلفة في حياة الاوز"، يقول فضل ويضيف، "في احدى المراحل يحاول الاوز الطيران ويفشل، في اخرى يُصاب بطلقة فيتغطى وجهه بقناع لمحارب بطل، وفي لوحة اخرى يركل كرة قدم".

وز يرسم بالفرشاة

في احدى اللوحات أمٌ تحمل إوزة، "هذه مريم العذراء. الجميع يرسمها وهي تحمل طفلا، اما انا فأفضل استبدال الطفل بإوزة". في لوحة اخرى "صورة ذاتية" يبدو فيها الرسام على شكل إوزة تمسك بيدها ريشة وترسم. في محاولة لتفسير اختياره تحديدا لشكل الاوز يقول فضل: "ان الاوزة هي زي تنكري، ويمكن ان تكون كل واحد فينا. الاوز يحتوي على تناقض جذاب، فمن جهة يبث نعومة واصالة، ومن جهة معروف بعدوانيته. حتى الرومان في العصور القديمة شخّصوا هذه الصفة فيه واعطوه مكانة الحارس".

سلسلة الاوز تُجري مع المشاهد حوارا يقرّبه ويبعده في نفس الوقت. الاوز لا يظهر بوضوح في اللوحة، انه مخبأ داخل نسيج من العربسك المتداخل، حتى ان اللوحة تتحول الى سجاد ملوّن جميل يمتد من اقصى طرف القماش لطرفه الآخر، على نحو تتداخل فيه الخلفية مع موضوع الرسمة. هذه التقنية تتطلب من المشاهد ان يبذل مجهودا لاكتشاف الاوز. هكذا، ومثل الاوز، تقوم اللوحة بمهاجمة المشاهد بالوانها الفاقعة وتجذبه للاقتراب منها. ولكن من موقعه القريب لا يستطيع المشاهد ان يرى غير التفاصيل، لا الشيء الكامل، فيضطر للابتعاد مجددا والبحث عن موقع اختباء الاوز في محاولة لفهم الرسالة العامة.

ضباط في الغابة

ضباط 1

على الحائط المقابل معروضة السلسلة الثانية "ضباط في الغابة"، والتي سبق ان عُرضت في تل ابيب. تشمل السلسلة 40 عملا فنيا اصغر من السلسلة السابقة (40 X 40 سم) والتي رُسمت بدهان اكريليك على قماش. خلافا لسلسلة الاوز، يسهّل فضل على المشاهد، عندما يبرز موضوع اللوحة، اي الضابط، في مقدمة اللوحة على خلفية واضحة. هذه الحقيقة تضاعف قوة الرسالة والتهكم الذي تحتوي عليه. في كل لوحة يظهر ضابط برتبة معينة، على شكل حيوان غريب الاطوار ومضحك، يعتمر قبعة غريبة الشكل وعليها رموز الدولة التي يمثلها، سواء الهند، ايطاليا، الاسكا، انجلترا، اليمن، تونس وغيرها. في هذه اللوحات، يمنح فضل تفسيرا ذاتيا تهكميا للامور التي تتحول الى موضوع للاعجاب المبالغ به.

ضباط 2

"نحن نعيش في غابة، خاصة هنا في الشرق الاوسط"، يقول فضل حول اختياره لرمز الضباط واسم السلسلة. انه ينتقد بشدة الضباط والمجتمع الذي يمنحهم اهمية مبالغ بها، يقول: "انهم يركّزون في ايديهم قوة تجعلهم يتحكمون بحياتنا. كل شيء متعلق بهم. ولهم حق القرار بان يقتلوا اينما شاؤوا ومتى شاؤوا، بسهولة غير محتملة. انهم يختبئون خلف اقنعة عدوانية، ويتسترون على الجوانب الانسانية فيهم".

يجب العمل لوصول الجنة

ضباط 4

يشارك فضل في معارض مختلفة منذ سن مبكرة نسبيا، وبدأ من عام 1999 تنظيم عروض فردية في حيفا، رام الله، تل ابيب ورمات جان. في عام 2006 حصل على جائزة "فنان السنة" في المعرض الدوليTransitions في رام الله، وبعد عام حاز على "جائزة شتروك" من بلدية حيفا. لم يحقق فضل نجاحا خاصا في الناصرة، بسبب الاهتمام المحدود بالفن في الوسط العربي. يقول: "ان معظم الشباب العرب منشغلون بمعارك وجودية، وللاسف اولئك الذين يملكون المال لا يبدون اهتماما او وعيا كبيرا لموضوع الفن".

لم يدرس فضل الفن ابدا، بل تعلمه بقواه الذاتية، وهو يرسم منذ مدة طويلة. وُلد في كفر ياسيف عام 1977، وفي السادسة من العمر انتقل مع عائلته لحي وادي الصليب بحيفا. حدّثنا فضل عن تجربته الاولى عندما ادّخر مصروفه قرشا قرشا لشراء اول فرشاة رسم، ولكن سرعان ما خابت آماله عندما اكتشف انه اشترى فرشاة مكياج.

لا يعتبر فضل نفسه فنانا ساذجا، بل فنانا تزيينيا. الزخرفة هي جزء من موروث فني اسلامي غني، ينعكس في فن غزل الاقمشة والسجاد. طوّر فضل اسلوبا ولغة خاصة به، وهو يستخدم الالوان ليأسر المشاهد ويقرّبه. "لا يعنيني الرسم على اساس التأمل. انا ارى الاشكال والالوان في ذهني، واعمل بلا مخططات مسبقة، وارسم مباشرة على القماش المفروش ارضا".

"اشعر بان علي ان ارسم يوميا"، يقول فضل الذي يسكن مع والديه ويعتاش من عمله في فرع البناء. من اعماله يمكن ان نرى فعلا انه لو لم يرسم لفقد صوابه. ليس له ستدويو ولذلك فهو يرسم على السطح. في ايام الشتاء الماطرة، يضطر للرسم في البيت. عادة يعمل فضل على اعداد عدة اعمال فنية من نفس السلسلة في نفس الوقت. وقد تكون الجنة التي يدعو فضل المشاهدين اليها، هي الابداع بمعناه الواسع، ذلك المتعلق بالفكر الحر من الآراء المسبقة، بالنظرة النقدية، بالتأمل والانفتاح على الآخر.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__202/إوز،_ضباط_والطريق_الى_الجنة
18.10.2017, 16:10