شؤون اسرائيلية

الجبهة تنقسم في الانتخابات المحلية بتل ابيب يافا

اسماء اغبارية-زحالقة

قائمة "يافا" للعرب و"المدينة لنا جميعا" لليهود تعبر بشكل ساطع عن الانقسام داخل الحزب الشيوعي. "المدينة لنا جميعا" كانت محاولة من التيار الشيوعي-اليهودي القيام بانقلاب، اي إخضاع عرب يافا لمحبي البيئة من تل ابيب، وذلك من خلال التحالف مع نشيطي حزب ميرتس والخضر. غير ان عرب الحزب عارضوا، وكما أسلفنا فضلوا التحالف مع حزب التجمع القومي.

في عنوان ملفت للنظر على صحيفة "الاتحاد" (11/7) الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الاسرائيلي، تم الاعلان عن لقاء "تعاون حثيث ومشترك" بين قائمة "المدينة لنا جميعا" المشكّلة من عناصر يهودية في تل ابيب، وبين قائمة "يافا" العربية، بهدف "تعزيز يافا ومكانتها". في البيان الذي وزعه نشيطو القائمة من تل ابيب على النشيطين العرب جاء: "اننا نريد أن نغير معا هذا الوضع. نريد شراكة يهودية- عربية حقيقية في المدينة، ونقصد تنفيذها أيضا في "المدينة لنا جميعا". يهمنا بأن يُسمع صوت سكان يافا العرب بواسطة تمثيل حقيقي داخل مجلس بلدية تل أبيب- يافا. يهمنا ألا يكون هذا الممثل أو الممثلون هناك وحدهم إنما جزء من قوة ديمقراطية اجتماعية- بيئية قوية ومؤثرة".

لاول وهلة يبدو الخبر باعثا على التفاؤل، فها هم العرب واليهود يوحدون قواهم في المعركة على مستقبل مدينة تل ابيب يافا. ولكننا لسنا بصدد وحدة، بل انقسام عميق يمر به الحزب الشيوعي والجبهة. الحزب الذي عانى في السنوات الاخيرة من انقسام غير معلن بين اليهود والعرب على اساس قومي محض، يقوم اليوم بخطوة اضافية في الطريق لانتحاره السياسي. في الانتخابات المحلية بتل ابيب يافا ترشح الجبهة قائمتين منفصلتين، واحدة للعرب اسمها "يافا"، والثانية لليهود اسمها "المدينة لنا جميعا". نفس الحزب يرشح قائمتين في نفس الموقع، وينافس نفسه على نفس الاصوات. انها بلا شك سابقة خطيرة لم تشهد السياسة المحلية مثيلا لها.

قائمة جبهوية للعرب

منذ بداية التسعينات ترشحت الجبهة في الانتخابات المحلية بتل ابيب يافا على اساس ضمان تمثيل 20 الف عربي يافي ضمن البلدية، كجزء من اجندتها الساعية للمساواة بين الشعبين. قائمة "كلنا من اجل يافا" التي تشكلت عام 1992 كانت مبادرة مشتركة للجبهة والحركة الاسلامية في يافا، وقد نجحت في الحصول على تمثيل بلدي بفضل دعم اليساريين اليهود من تل ابيب من نشيطي الجبهة وانصارها.

ولكن الآمال العريضة التي وضعها الجمهور بالقائمة، تحولت الى خيبة امل مريرة. وكان السبب ان القائمة تنازلت عن النضال الشعبي على برنامجها المعارض، ودخلت بدل ذلك الى الائتلاف مع رؤساء البلدية سواء روني ميلو من الليكود، ثم بعد ذلك رون حولدائي من حزب العمل. وكانت النتيجة نجاح البلدية في تمرير مخططات خصخصة مدينة يافا دون معارضة، مما فاقم ازمة السكن، التعليم، التشغيل، الجريمة والفقر. الكثير من المواطنين عبروا عن عدم ثقتهم بالقيادة المحلية وهبطت نسبة التصويت في الانتخابات الاخيرة الى 26%.

اشارة الى ضعف القائمة اليافية كان في الانقسام الداخلي بين القوى التي شكّلتها. في الانتخابات الاخيرة عام 2003 تفككت "كلنا من اجل يافا"، وترشحت الحركة الاسلامية ضمن قائمة رون حولدائي، اما الجبهة فتحالفت مع التجمع في قائمة منفصلة. فصل القوى قاد الى اضاعة الاصوات، ولاول مرة منذ عام 1992 لم يدخل اي ممثل عن حزب عربي للبلدية.

هذه المرة تحاول الجبهة من خلال قائمة "يافا" ان تعيد تركيب اجزاءها، ولكن تعترضها عقبات كثيرة. الحركة الاسلامية الجناح الجنوبي الذي يعتبر القوة الاكبر في يافا، اعلنت انها في الوقت الحالي لن تشارك في الانتخابات. الحركة الاسلامية الجناح الشمالي عبرت عن دعمها للقائمة دون الانضمام الفعلي لها. وفي الوقت الحالي بقيت الجبهة مع حزب التجمع الذي يواجه محنة داخلية منذ ازمة قائده عزمي بشارة.

ولا تقتصر العراقيل امام القائمة العربية على الصعوبات مع سائر الاحزاب، بل هناك الازمة الداخلية في الجبهة. هذه المرة تترشح القائمة العربية دون الدعم التلقائي الذي حظيت به سابقا من اليهود اليساريين في تل ابيب. هؤلاء سيدعمون مرشحي الجبهة اليهود وغيرهم في قائمة مستقلة لتل ابيب. هذا الوضع الجديد يثير شكوكا في امكانية القائمة العربية الحصول على تمثيل في البلدية.

قائمة جبهوية لليهود

من الجانب الاسرائيلي للمعادلة، تشكلت قائمة "المدينة لنا جميعا". حتى الآن لم يتم تعيين رئيس لها، ولكن القائد والمبادر لها هو ممثل الجبهة في الكنيست، دوف حنين. احد اهداف القائمة، هو كما يشير اسمها على الاقل، توحيد كلا طرفي المدينة، تل ابيب من جهة ويافا من جهة اخرى ليكون مكان للعرب واليهود في المدينة. لهذا الهدف لجأت القائمة في بداية الطريق بضم بعض النشيطين الجبهويين العرب.

ولكن سرعان ما تبين للعرب انهم وقضايا يافا تحولوا الى مجرد بند ضمن بنود عديدة في برنامج القائمة، مثل جودة البيئة، مواقف للسيارات، مسارات للدراجات الهوائية، ولا تتمتع قضية يافا باية افضلية خاصة. ولم يكن التذمر خاليا من خلاف على اساس قومي على المواقع القيادية في القائمة، فقد تبيّن العرب انهم لن يحصلوا على المكانين الاول والثاني في القائمة كما جرت العادة. فكانت النتيجة انشقاقهم عن القائمة، وبدء العمل على تشكيل قائمة عربية مستقلة هي قائمة "يافا".

ولم تلجأ قائمة "المدينة لنا جميعا" الى تمويه قضايا العرب ضمن البنود العديدة فحسب، بل وهو الاهم لقد تسترت على هويتها الحقيقية – الجبهة. جاء هذا بهدف اجتذاب شرائح معينة من الوسط اليهودي الذي لم يعد مهتما بالبرامج الاشتراكية والطبقية. بدل النضال على سلم اولويات النضال، انجرت الجبهة وراء الجمهور بدل ان تقوده، وغيرت الوانها من الاحمر الشيوعي الطبقي الى الاخضر البيئي.

الانقسام البارد يحتد

قائمة "يافا" للعرب و"المدينة لنا جميعا" لليهود تعبر بشكل ساطع عن الانقسام داخل الحزب، والذي وصل ذروته في المؤتمر ال25 للحزب الشيوعي عام 2007. في المؤتمر انقلب التيار القومي العربي بزعامة محمد بركة على التيار الشيوعي التقليدي بقيادة تمار غوجانسكي وعصام مخول. وكان الهدف إخضاع الاقلية اليهودية للاغلبية العربية داخل الحزب، والتركيز على القضية الوطنية الفلسطينية على اساس إقصاء القضايا الطبقية والنضالات الاجتماعية. وقد هُزم تيار غوجانسكي-مخول عندما انتخبت لقيادة الحزب اغلبية من التيار القومي.

قائمة "المدينة لنا جميعا" كانت محاولة من التيار الشيوعي-اليهودي القيام بانقلاب مضاد، اي إخضاع عرب يافا لمحبي البيئة من تل ابيب، وذلك من خلال التحالف مع نشيطي حزب ميرتس والخضر. غير ان عرب الحزب عارضوا، وكما أسلفنا فضلوا التحالف مع حزب التجمع القومي.

المثير ان الانقسام غير المعلن داخل الحزب لا يتم على اساس خلاف سياسي. تيار بركة وتيار غوجانسكي يدعمان ابو مازن، حليف الامريكان، كما انهما متفقان على سياسة التحالفات مع حزب العمل سواء في الهستدروت مع عوفر عيني او مع يونا ياهف من حزب "كديما" في بلدية حيفا، كما تحالفوا في السابق مع رون حولدائي من حزب العمل في بلدية تل ابيب. من خلال تفضيلها التحالف مع احزاب السلطة، تنازلت الجبهة منذ زمن عن طرح نفسها كبديل يساري مستقل، وهي تشكل بالاسم فقط حزبا "معارضا" بينما تشارك في الواقع في كل ائتلاف سلطوي ممكن.

خبر اللقاء بين القائمتين الذي نقلته صحيفة "الاتحاد" كان لقاءً بين شقيّ الحزب نفسه الذي انقسم فعليا على اساس قومي. قائمة "المدينة لنا جميعا" بقيادة دوف حنين عمّقت الانقسام داخل الحزب، بددت قوى الحزب وشقّتها بدل ان توحدها. ليست امامنا "مدينة للجميع"، بل ليس هناك "حزب للجميع". هناك حزبان، واحد للعرب وواحد لليهود. الحزب الذي يتحدث بلغة مزدوجة يعبر عن افلاس سياسي وفقدان البرنامج والقيادة. انها وصفة للفشل، لان الانقسام يهدد بحرق اصوات الحزب نفسه.

حتى لو نجحت القائمة اليهودية في الدخول للبلدية، فهذا لا يمنع ان الجبهة خسرت على المدى البعيد. من المتوقع ان تشارك القائمة، في حالة نجاحها، في الائتلاف البلدي مع رون خولدائي، وبذلك فانها تلغي نفسها كبديل حقيقي، الامر الذي سيضر بالنضال البيئي، وبالتضامن مع يافا، وسيتضح عمليا ان الحزب انقسم وتنازل واخفى هويته، سدىً.

* الكاتبة هي مرشحة حزب دعم العمالي الاممي، لرئاسة وعضوية بلدية تل ابيب يافا

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__200/الجبهة_تنقسم_في_الانتخابات_المحلية_بتل_ابيب_يافا
15.12.2017, 15:12