تاريخ النشر ٢٦/٠٧/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

ما الذي يمنع اسرائيل من ضرب ايران

روني بن افرات

العقبة الاساسية التي تعترض قيام اسرائيل بضرب ايران هو موقف الولايات المتحدة. العقبة الثانية متعلقة بارتفاع اسعار النفط. ان المستفيدين الاساسيين من مجرد الحديث عن هجوم عسكري على ايران هم المضاربون في مجال النفط. العقبة الثالثة مرتبطة بمحدودية القوة الاسرائيلية نفسها، كما تجلت في حرب الخليج الاولى.

جاء التصعيد في حدة الخطاب الاسرائيلي بالنسبة للتسلح النووي الايراني، مرافقا بمناورات عسكرية جوية، شارك فيها حسب صحيفة "نيويورك تايمز" اكثر من مئة طائرة حربية اجتازت مسافة 900 ميل وعادت لمواقعها بتزويد ذاتي بالوقود. المسافة مماثلة للمسافة التي تفصل بين اسرائيل والمواقع النووية الايرانية. يبرر الاسرائيليون تهديداتهم بنيتهم احباط التهديد الايراني بالادعاء ان اسرائيل ستكون اولى المتضررين من حيازة ايران للقدرات النووية، تماما كما تعرضت تل ابيب لصواريخ "سكاد" العراقية في حرب الخليج الاولى مع انها لم تشارك فعليا في الحرب.

ثلاث عقبات

ولكن الواقع يبدو اكثر تعقيدا. فالعقبة الاساسية التي تعترض قيام اسرائيل بضرب ايران هو موقف الولايات المتحدة. فامريكا تلملم منذ سنوات جراح حروبها في افغانستان والعراق، بعد فشل نظرية المحافظين الجدد الذين حرّضوا رئيسهم جورج بوش على اعلان الحرب على صدام حسين. كان الاعتقاد ان الحرب ستفتح عهد الديمقراطية في عراق ما بعد صدام، وستعزز التيارات المعارضة في ايران والموالية للغرب. ما حدث كان العكس، اذ ادى سقوط صدام الى زيادة نفوذ ايران وتحولها الى لاعب مركزي في العالم العربي. روبرت غيتس، وزير الدفاع الامريكي، ومعظم رجال وزارة الدفاع (بنتاغون) يعارضون بشدة هجوما عسكريا على ايران، ويفضلون ان تبحث الولايات المتحدة عن سبل لاخراج قواتها من الشرق الاوسط وليس الامعان في الغرق بالمستنقع.

العقبة الثانية متعلقة بارتفاع اسعار النفط. ففيما تؤدي اسعار النفط الى زعزعة اقتصادات العالم وتسبب في ارتفاع اسعار السلع الاساسية، يتضح ان المستفيدين الاساسيين من مجرد الحديث عن هجوم عسكري على ايران هم المضاربون في مجال النفط. فمثلا ادى تصريح رئيس الجمهورية الايراني، محمود احمدي نجاد، باستبعاده امكانية نشوب حرب مع الولايات المتحدة، الى خفض سعر برميل النفط بعشرة دولارات. من جهة اخرى، ادى اعلان شاؤول موفاز، وزير المواصلات الاسرائيلي، بان ضربة اسرائيلية على ايران باتت امرا محتوما، الى ارتفاع سعر البرميل ب11 دولار في يوم واحد.

الهجوم على ايران، الدولة الثانية المنتجة للنفط بعد السعودية، سيؤدي كما وعد محمد جعفري، قائد الحرس الثوري الايراني، الى اغلاق مضيق هرمز الذي منه تخرج حاملات النفط عبر الخليج الفارسي للعالم. ليس من الصعب التنبؤ بمصير اسعار النفط اذا ما تحقق سيناريو كهذا.

العقبة الثالثة مرتبطة بمحدودية القوة الاسرائيلية نفسها، كما تجلت في حرب الخليج الاولى. حينها اضطرت اسرائيل للرضوخ لتعليمات الولايات المتحدة التي فرضت عليها تحمل صواريخ سكاد بصمت وعدم الرد. اسرائيل عاجزة عن التحرك دون موافقة امريكا، اوروبا والانظمة العربية المتواطئة معها، وهي تتجنب القيام بخطوات احادية الجانب. بدا الامر واضحا في حرب لبنان الثانية، عندما تشكلت لاول مرة جبهة اسرائيلية، سعودية، مصرية، اردنية ولبنانية ضد حزب الله. كما ان هناك من يرى في المفاوضات بين اسرائيل وسورية مجرد محاولة اسرائيلية لعزل ايران اكثر منها رغبة حقيقية في عقد اتفاق سلام مع سورية.

لا يمكن ان تشن اسرائيل ضربة على ايران دون تنسيق مسبق مع السعودية التي قد تكون اكثر المتضررين من ضربة كهذه. وكانت السعودية في السابق قد عارضت الحرب الامريكية على العراق لتقديرها بان اسقاط صدام سيزيد من النفوذ الايراني، وهو ما حدث بالفعل. ايران هي الاخرى تعتبر السعودية خطرا استراتيجيا عليها اكثر من اسرائيل. ففي الثمانينات شنّت السعودية وصدام حسين حربا على ايران الخميني، استمرت اكثر من ثماني سنوات وضربت بشدة الاقتصاد الايراني. هذا بينما لا يشهد التاريخ الايراني اعتداءات على جاراتها، وهي تصر على الادعاء بانها تطور القدرات النووية لاغراض سلمية.

اسرائيل، ايران والقضية الفلسطينية

اذا كانت السعودية، لا اسرائيل، هي الخطر الاستراتيجي على ايران، فلماذا تحتل اسرائيل الحيّز الاكبر في تصريحات احمدي نجاد؟ للامر علاقة بالمشاكل الداخلية في ايران - الفقر، البطالة، القمع والقمع الديني. في مواجهة كل ذلك يستخدم النظام الصراع الاسرائيلي- الفلسطيني لحرف نقمة الجماهير عن قضاياه الداخلية باتجاه عدو خارجي بعيد، هو اسرائيل. من خلال ذلك ايضا تسعى ايران لتبوء مركزها كقائدة العالم الاسلامي. تطوير القدرات النووية يأتي بالاساس لتثبيت مكانة النظام في مواجهة القضايا الداخلية ولقمع اي معارضة او تذمر واستياء، اكثر مما هو موجّه ضد اعداء خارجيين. احتذاءً بباكستان، تتبنى ايران السلاح النووي لتعزيز المشاعر القومية.

صياح اسرائيل ضد التسلح النووي الايراني لا يحظى بالكثير من المصداقية، فاسرائيل هي الدولة التي ادخلت السلاح النووي للشرق الاوسط (حسب مصادر اجنبية)، وهي ترفض السماح بمراقبة مفاعلاتها والتوقيع على وثيقة حظر انتشار السلاح النووي. ميزان الرعب الذي خلقته اسرائيل يؤدي الى عصبية متزايدة في العالم العربي. فتدعي مصر مثلا ان السلاح النووي الاسرائيلي هو الذي يشجع دولا مثل ايران على تطوير سلاح "يوم القيامة". واكثر من ذلك، لو حلّّت اسرائيل نزاعها مع الفلسطينيين على نحو يعترف بالحقوق الفلسطينية، لما استطاعت ايران او اية دولة اخرى الادعاء بانها راعية الفلسطينيين، ولما حظي حزب الله وربما حماس ايضا باية مكانة او نفوذ.

التعنت الاسرائيلي على عدم حل النزاع هو الذي يمنح الفرصة لانظمة مثل احمدي نجاد ان يتذرع بمواجهة اسرائيل لتطوير السلاح النووي، والتهرب بذلك من مواجهة قضاياه الداخلية. المشكلة ان النزاع الاسرائيلي- الفلسطيني يخلق ذرائع للمزيد من الحروب، ويشعل المنطقة من خلال "مساهمته" في رفع اسعار النفط. الحل الحقيقي للنزاع الاسرائيلي– الفلسطيني من شأنه ان يلطّف الاجواء الساخنة في المنطقة، ويضع العالم العربي امام مشاكله الحقيقية من انعدام التطوير، الفقر والامية. الامر سيسمح لاسرائيل ايضا، بعد ان تعوّض الشعب الفلسطيني عن الدمار والمآسي التي سبّبتها له، بان تواجه مشاكلها الحقيقية المتعلقة بهويتها، الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد اهداف للتطوير على اساس متساو بين كافة مواطنيها.

* الكاتبة هي محررة تشالنج، والمقال هو افتتاحية العدد الاخير من المجلة

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__199/ما_الذي_يمنع_اسرائيل_من_ضرب_ايران
22.11.2017, 22:11