تاريخ النشر ١٢/٠٧/٢٠٠٨

شؤون فلسطينية

مبادرات محلية لانقاذ اقتصاد اريحا

هداس لهب

حقل الباذنجان في اريحا التابع لاحد اعضاء الجمعية. في الخلفية بيوت شبكية لزراعة الخضار.

سكان اريحا فقدوا الامل بان يطرأ تغيير ايجابي على مدينتهم. اريحا، المدينة الاولى التي نُقلت لسيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة، وتضم 45 الف نسمة، تكاد تبدو مهجورة. محل الكازينو حلّ سجن اريحا، ومحل السواح الذين ارتادوها من كل حدب وصوب، انتشر رجال الشرطة الفلسطينيون في كل زاوية. حسب تقديرات غير رسمية، يعتبر معظم اهالي المدينة عاطلين عن العمل، ودون اي مصدر دخل. في الماضي اعتبرت اريحا "مصدر الغذاء" لفلسطين، غير ان الطوق المتواصل، اهمال السلطات، غلاء نفقات الانتاج الزراعي، وانعدام الاستثمار في البنى التحتية، تهدد بالقضاء حتى على الزراعة في اريحا.
خلافا لمدن فلسطينية اخرى، تنعدم في اريحا اماكن العمل. يعتاش 55-60% من اهلها على الزراعة. مكاتب السلطة والبلدية لا تشغل اكثر من 5% من السكان، ويعمل بضعة مئات آخرون في جسور الاردن وفي المنطقة الصناعية بمستوطنة ميشور ادوميم المجاورة. انهيار فرع الزراعة يعني الحكم بالاعدام على المدينة.

مزارعو الاعشاب الطبية والمنتجات الزراعية الاورجانيك

خالد ابو عيد، فريدة رشماوي وماجدة عياد يحضّرون الكبة في مصنع الغذاء التابع ل"جمعية الشابات المسيحية".

وفد من جمعية "سنديانة الجليل" للتجارة العادلة التي تتخذ من قرية كفر كنا بالجليل مقرا لها، زار المشروع الزراعي للجمعية التعاونية لمزارعي الاعشاب الطبية والمنتجات الزراعية الاورجانيك"في اريحا، والذي اقيم عام 1999 بهدف مساعدة مزارعي المنطقة على تحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي. مكاتب الجمعية التعاونية موجودة في مبنى متواضع بين حقل الباذنجان وبين اشجار النخيل.
كان اعضاء الادارة في انتظارنا بترقب، فهم لم يحظوا منذ مدة بزيارات "من الخارج". موفق هاشم القريشي، رئيس الجمعية والمشرف الزراعي، هو الروح المبادرة لنشاط الجمعية التعاونية. اكتسب هاشم ثقافته المهنية من خلال المشروع الفرنسي "المعهد العلمي للمتنزهات والحدائق" الذي نشط في اريحا في التسعينات. اليوم يزرع الخضار والتمر ويمثل الجمعية التعاونية التي تضم 55 مزارعا وعائلاتهم.

عن الازمة التي مرت بفرع الزراعة الفلسطينية عموما وبمزارعي اريحا خصوصا، قال هاشم: "تحولت الزراعة الى فرع مهمل ومعرض للانهيار. 40% من الاراضي الزراعية الفلسطينية غير مستصلحة. واذا استمر الوضع على حاله، فخلال خمس سنوات ستكون نسبة الاراضي المستصلحة 20% فقط. اليوم يعيش 75% من المزارعين تحت خط الفقر، ولا يزيد معدل دخل العائلة عن 500-700 شيكل شهريا".

وضع الكثير من مزارعي اريحا لا يختلف عن وضع الاقنان زمن النظام الاقطاعي في العصور الوسطى، يقول مضيفنا: "يفتقد المزارعون صندوق تأمين، ليس هناك من يدفع لهم التعويضات، لا بنوك تعطي قروض، وبالاساس ليست لهم سوق لتسويق بضائعهم. بسبب انعدام مخازن التبريد التي تتطلب استثمارات غير متوفرة، فليست هناك امكانية لحفظ البضاعة. لذلك يضطر المزارع ان يبيع بضاعته بسرعة وبكل ثمن. كان المزارعون في السابق يصلون السوق الاسرائيلية بشكل مباشر، اما اليوم فهم متعلقون تماما بالتجار المحليين، وهؤلاء يستغلون معاناتهم".

حول هذا يقول هاشم: "ان المزارع يقترض من التاجر المحلي لشراء البذور والمعدات الزراعية. مقابل القرض يلتزم المزارع ببيعه محصوله بالسعر الذي يحدده التاجر. وهكذا، في حين يبيع المزارع الاسرائيلي الفلفل مقابل 2 شيكل للكيلو، نبيع هنا الفلفل ب20 اغورة (اي 10% من السعر في اسرائيل). ويضمن هذا الا يتمكن المزارع ابدا من الخروج من دائرة القروض والبيع باسعار الخسارة. التصدير للغرب بات مغلقا امامنا بسبب عدم امكانية الوصول للموانئ البحرية او الجوية. نحن نزرع نفس التمر الذي يُزرع في اسرائيل، ولكننا لا ننجح في تصديره. كل محاولاتنا لتصدير كافة منتجاتنا من خلال الشركات الاسرائيلية انتهت بخيبة امل وخسائر كبيرة".

الجمعية التعاونية تمنح المزارعين المنظمين في صفوفها سندا اقتصاديا وارشادا. توفر لهم خدمات ارشادية، تشتري لاجلهم بشكل مركّز كل المعدات والمواد اللازمة، وتساعد في التسويق. حسب اهداف الجمعية فهي تلتزم بما يلي: "تحسين احوالهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وتنظيمهم وفقا للمبادئ والقيم والاخلاق التعاونية القائمة على المساعدة الذاتية والاعتماد على الذات والديمقراطية والمساواة والعدالة والتضامن".

يفخر اعضاء الجمعية ببعض الانجازات الملموسة التي حققوها في مجال الزراعة. في السابق كانوا يعتقدون ان الزعتر لا يمكن ان ينمو الا في الجبال، ولكن قبل عدة سنوات وزّعت الجمعية على اعضائها 250 الف شتلة زعتر، وتحولت زراعته لاحد الفروع الرئيسية. بالاضافة لذلك، فان اعضاء الجمعية هم الوحيدون الذين يزرعون الخضار في البيوت الشبكية، وهي وسيلة تمكّنهم من زيادة المحصول في ظروف الطقس القاسية التي تميز المنطقة.

تُعنى الجمعية ب15 مزرعة طبيعية "اورجانيك" تزرع الخضار والاعشاب الطبية الخاصة. يقول هاشم: "قبل عشر سنوات شاركنا في دورة نظمتها جامعة بير زيت، تعرفنا خلالها على النواحي البشعة لاستخدام المبيدات. تبين ان المزارعين الفلسطينيين كانوا يستهلكون 21 طنا من المبيدات سنويا، بينما يحتاج فرع الزراعة الفلسطينية لطن واحد فقط. فهمنا اننا تحولنا الى حاوية سهلة للكيماويات، لتضخيم ارباح الشركات. السبب الثاني لاختيار هذا النوع من الزراعة متعلق بموضوع البيئة".

سبب آخر، يضيفه هاشم هو ان "معظم المزارعين الصغار في المنطقة لا يستخدمون الكيماويات لانهم ببساطة لا يملكون ثمنها. اردنا انقاذ هذا القطاع من المزارعين، وتطوير الزراعة الطبيعية في مزارعهم. المشكلة ان السلطة الفلسطينية تفتقر الى هيئة مؤهلة لمنح المزارعين رخصا للزراعة الطبيعية، مما يضر بارباح هذا الفرع".

تنشط الجمعية بشكل ديمقراطي، ويتم انتخاب ادارتها من بين اعضائها. ابتسام سراديح، واحدة من ثلاث نساء في ادارة الجمعية، انهت تسع سنوات تعليم وتعتبر خبيرة في التصنيع الغذائي والحرفي. تزرع الخضار والاعشاب الطبية في قطعة ارض تبلغ مساحتها خمسة دونمات. يعمل زوجها في بلدية اريحا، ويتقاضى الف شيكل للشهر فقط. واضح انه دون عملها ما كان بمقدور عائلتها التي تضم 10 انفار، ان تصمد. لم تدعنا ابتسام نودعها الا بعد ان اهدتنا بعض معلبات الفلفل المكبوس، من انتاجها الخاص.

مشروع خيرات أريحا

موفق هاشم في مكتب "الجمعية التعاونية لمزارعي الاعشاب الطبية والمنتجات الزراعية الاورجانيك" مع بعض منتجات اعضاء الجمعية.

زار وفد "سنديانة الجليل" ايضا مركز "جمعية الشابات المسيحية" YWCA، حيث يعمل مصنع الغذاء التابع للجمعية
التعاونية "مشروع خيرات أريحا"، والذي تديره نظر خلته بمساعدة عبير غانم. التقينا بنظر وعبير لاول مرة في مؤتمر حركة slow food في تورينو بايطاليا عام 2004، ومنذ ذلك الوقت لم نلتق. فالاثنتان، مثل سائر سكان اريحا، ممنوعتان من دخول اسرائيل ل"اسباب امنية"، ومن جهة اخرى، يُمنع المواطنين في اسرائيل هم ايضا من دخول المناطق أ من المناطق المحتلة.
اقيم مصنع الغذاء عام 2001 بعد ان وضعت الانتفاضة الثانية حدا لاوهام اتفاق "غزة اريحا اولا" ومعاهدات اوسلو التي وعدت بالاستقلال والازدهار الاقتصادي. تقول نظر: "بعد الانتفاضة تحولت اريحا الى جيتو. توقف السواح عن القدوم اليها، ولم يعد يُسمَح للعمال بالخروج منها للعمل في اسرائيل. تدهور الوضع الاقتصادي، واضطررنا للتفكير في طرق لمساعدة الناس في الحصول على مصدر دخل. الطريق الوحيدة كانت البدء بالانتاج للسوق المحلية".

مريانا مرسيل وكريات اللبنة، في مصنع الغذاء.

مصنع الغذاء ينتج طعاما بيتيا، يُباع معظمه في الدكاكين والمناسبات ولاشخاص مستقلين. يعمل المصنع حسب مبادئ "التجارة العادلة"، الامر الذي اكسبه زبائن بين منظمات التجارة العادلة في اوروبا. في الثلاجات الكبيرة المنصوبة في الممر يتم تخزين معلبات اللبنة، الكبة، الصفيحة، المفتول، الفريكة وغيرها. تقوم عبير غانم بالاشراف على العمل في المصنع الذي يشغّل 12 عاملا جميعهم المعيلون الوحيدون لعائلاتهم. يتقاضى العمال اجورا تتراوح بين 1500-2500 شيكل للشهر، وهو ما يعتبر اجرا عاليا بالمقاييس المحلية، فهو يعادل ضعفي ما يتقاضاه عامل الزراعة مثلا. تقول عبير ان المصنع يغطي 60% من نفقاته والبقية تتم تغطيها من التبرعات الخارجية.

يوم وصولنا عمل طاقم المصنع على اعداد طلبية كبيرة للمعجنات لعرس في القدس. مريانة مرسيل هي طباخة محترفة. عملت في السابق في فندق "انتركونتننتل"، واضطرت لترك العمل بسبب جمود الحركة السياحية. مرسيل هي من مؤسسي المصنع الذي يمكّنها من مواصلة مزاولة مهنتها وإعالة والدتها المريضة. عندما التقيناها كانت مرسيل تعد كريات اللبنة وتدخلها في معلبات زجاجية مليئة بزيت الزيتون.

خالد ابو عيد (ابو علاء) من قرية بدو، عمل طباخا في فنادق "رمادا"، "هوليلاند" و"القدس" بمدينة القدس. ولكن منذ اقامة الجدار الفاصل لم يعد بمقدوره دخول القدس، وهو يضطر للاعتماد على عمله في اريحا لاعالة عائلته الكبيرة التي تضم تسعة ابناء بعضهم يدرس في الجامعات. يعود الى بيته في بدو فقط كل نهاية اسبوع، اذ يستغرق السفر من بدو لاريحا بسيارات الاجرة والباصات ساعتين على الاقل، ويكلّفه 30 شيكلا في كل اتجاه. عندما وصلنا المصنع كان ابو علاء منهمكا في تحضير الكبة مع فريدة رشماوي وماجدة عياد، اللتين تعملان في المصنع منذ اربع سنوات. بالنسبة لرشماوي وعياد وبقية العاملات، المصنع ليس مجرد مصدر دخل ثابت بل هو مصدر فخر وامل.

تنظيم ذاتي

اريحا مليئة بالجمعيات عدا الجمعية التعاونية لمزارعي النباتات الطبية، ومشروع خيرات أريحا اللتين زرناهما. هناك ايضا جمعية تنمية المرأة التعاونية للتوفير والتسليف، جمعية اريحا والاغوار التعاونية لتربية النحل، جمعية الجفتلك التعاونية لتربية الدواجن وغيرها. كل جمعية في مجالها تحاول ملء الفراغ الذي خلّفته الاتفاقات السياسية التي افتقدت الرؤية والنية الحسنة.

يؤمن النشيطون في الجمعيات بان التنظيم الذاتي هو الضمان الوحيد للصمود ولتطور الزراعة المحلية. المنظمات الدولية الداعمة، المؤسسات والمندوبون الحكوميون يحضرون ويغادرون، ووعودهم تتبخر في حرارة اجواء غور الاردن ولا تبقي ذكرا. اما التضامن بين اعضاء الجمعيات التعاونية، المكانة التي يمنحوها للنساء العاملات، المبادرة، الامل والاصرار، فكل هذه باقية، وقد ملأتنا املا وتفاؤلا.

انتهت زيارتنا عندما أعلمنا سائق سيارة الاجرة بان وقتنا انتهى وان عليه العودة للقدس. غادرنا المكان وكلنا رجاء ألا يعتقلنا الجنود الذين يطوقون اريحا، بتهمة تهريب الفلفل المكبوس، هدية ابتسام لنا.

* هداس لهب، هي مديرة جمعية "سنديانة الجليل"

مقالات اخرى للكاتب/ة هداس لهب

لماذا تكلف صفيحة زيت الزيتون ٦٠٠ شيكل؟

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

السابق

"الجمعيات"

ماجده عياد
اريحا/شارع الزهور
نشر بتاريخ ٠٥.٠٨.٢٠٠٨, ١٧:٥٢

نشكر لك زيارتك لنا في اريحا واطلاعك على اوضاعنا واوضاع بقية الجمعيات والتي هي عينه بسيطه من احوال الشعب الفلسطيني وما يعانيه من اوضاع صعبه.نتمنى ان تتكرر الزياره وان تحاولي مثلما وعدتينا محاولة الحصول لنا على تصاريح لنتمكن من زيارة جمعيتكم ولك جزيل الشكر.


www.alsabar-mag.com/ar/article__195
18.11.2017, 15:11