شؤون فلسطينية

طوق بهدف الترحيل ضد تجمعات الجهالين بين القدس واريحا

على هوامش الشارع السريع

ميخال شفارتس

تعيش عدة تجمعات بدوية بظروف قاسية، اسرى الجدار الفاصل الكبير من جهة الذي يهدد بترحيلهم، وضحايا جدران الشارع السريع الوقائية من جهة اخرى.

ينشغل بعض المثقفين مؤخرا بالسؤال: هل اسرائيل هي مجرد دولة استعمارية محتلة، ام انها تحولت الى نظام فصل عنصري كنظام الابارتهايد الذي ساد في الماضي جنوب افريقيا. وفيما النقاش محتدم، يعيش ابراهيم سويلم صرايعة ومئة آخرين من التجمع البدوي، وضعا غريبا. فقد "انقطع" الطريق الترابي المؤدي من شارع القدس-اريحا لبيوتهم. السبب هو توسيع شارع القدس-اريحا من مسارين الى اربعة، وتحويله لشارع سريع وبناء جدران وقائية على هوامشه في شباط الاخير. هذه الجدران هي التي قطعت الطريق الترابي المؤدي للموقع الذي تسكنه عدة تجمعات بدوية منذ سنوات.

للوهلة الاولى يبدو سبب حصار العائلات تافها، ولكن الحقيقة ان الامر مربوط بمخطط سياسي كبير. يدور الحديث عن بناء جدار فاصل جديد حول مستوطنة معاليه ادوميم وخمس مستوطنات اخرى مجاورة. وسيضم الجدار حسب تخطيط أقرته الحكومة في شباط 2005، 70 الف دونم من الضفة الغربية، تشمل معظم احتياطات الاراضي التابعة لابو ديس والسواحرة، كما سيطوّق نحو 1500 من ابناء عشيرة الجهالين، ويبدو ان تضييق الخناق عليهم يأتي بهدف تيئيسهم حتى يرحلوا بانفسهم دون ان تتحمل السلطات الاسرائيلية اية مسؤولية عن مصيرهم. بناء الجدار مجمد منذ ثلاث سنوات بسبب التماس قدمه المحامي شلومو ليكر لمحكمة العدل العليا باسم اهالي ابو ديس والسواحرة.

حصار من نوع جديد

بلغ طول الطريق الترابي الذي كان يؤدي من براكيات الزينكو للشارع حوالي مئة متر فقط، اي دقائق معدودة سيرا على الاقدام او بالسيارة. لكن منذ شباط، يضطر السكان للمرور عبر طريق جبلي وعر وخطير، يستغرق السفر فيه نصف ساعة متعبة. وليس هذا فحسب، بل يتخلل الطريق فجأة نفق لصرف مياه الامطار يمر تحت الشارع السريع، والعبور فيه ليس مريحا في الصيف وخطير في الشتاء. الوفد التضامني من جمعية معًا الذي زار الاهالي في 24 ايار، جرب "على جلده" مشقة السفر في هذا "الشارع".

وفيما يستطيع الاطفال والعمال السير على الاقدام والقفز فوق الجدران الوقائية، للوصول للشارع السريع، فالامر يعتبر مستحيلا بالنسبة للحوامل والمسنين والمرضى. المشكلة انه حتى الوصول للشارع غير مجدٍ، فليست هناك محطة، وتمنَع السيارات والباصات من الوقوف فيه. وبينما يعاني السكان من التهميش واهمال كافة الجهات، تبقى الشرطة الطرف الوحيد "المهتم" بهم على نحو خاص، اذ انها تتواجد بكثافة وتحرر المخالفات بقيمة مئة شيكل لمن تضبطه واقفا على هوامش الشارع السريع.

واضح ان هذه المشكلة المدنية البسيطة هي مسؤولية السلطة في المكان، وكان بالامكان حل الازمة من خلال شق شارع بديل لخدمة السكان، قبل بناء الجدران الوقائية. ولكن في الضفة الغربية، وخاصة في مناطق "سي" الخاضعة للسيطرة الاسرائيلية المطلقة، فكل قضية تتحول الى معضلة. وقبل ان يقوم المقاول بشق الطريق الترابي الوعر كبديل مؤقت، اضطر السكان للزوم مساكنهم 20 يوما دون اية امكانية لتحريك سياراتهم.

شارع القدس-اريحا يعتبر ذا اهمية استراتيجية لاسرائيل وهو خاضع لسيطرتها. الارض التي يسكن فيها بدو الجهالين نقلت للسيادة الاسرائيلية منذ احتلال 1967، وتعتبر التجمعات السكنية البدوية غير شرعية، رغم انهم ولدوا في الموقع. السلطة الفلسطينية مسؤولة عن موضوع الولادات والوفيات ورخص السيارات، وسوى ذلك لا تهتم بشيء. البدو، كما قالوا لنا، ليسوا هم ايضا في سلم اولويات السلطة التي لا تعدو ان تكون اكثر من مقاول فرعي لاسرائيل.

في هذه الوضعية الخاصة، تعتبر الادارة المدنية الاسرائيلية المسؤولة عن شق شارع بديل للسكان. ولكن الادارة المدنية محكومة باعتبارات عسكرية وسياسية، وهي لذلك لا تقدم اية حلول.

ما يزيد تعقيد الوضع هو الاعتبارات العسكرية، فقد أعلنت المنطقة منذ السبعينات منطقة عسكرية مغلقة، كما ان وجود مستوطنين في مستوطنة "الون" المجاورة، لا يجعل الامور اسهل. اذ يقوم المستوطنون احيانا باغلاق الطريق الوعر البديل، بادعاء ان المنطقة مغلقة عسكريا، ولا يبقى امام الاهالي مفر الا الانتظار ساعات طويلة حتى يعاد فتح الطريق.

واذا لم يكف هذا، فهناك ايضا الاعتبارات الاثرية. يقول ابراهيم صرايعة ان المقاول الذي شق الشارع السريع نزل عند طلب السكان وبدأ بشق شارع ترابي بديل من مفترق الخان الاحمر الى مساكنهم، ويصل طوله الى 150 مترا فقط. ولكن حين باشر المقاول بشق الطريق، حضر المسؤول الاسرائيلي عن موقع الخان الاحمر الاثري، ومنعه من مواصلة العمل، بادعاء وجود آثار تاريخية في المكان.

على ذلك يعلق المحامي ليكر بالقول ان الطريق الترابي لا يمس بالآثار اطلاقا، بل كان مخططا خارج سياج الخان الاحمر في منطقة عامة، وعليه فان منع المقاول من شق الشارع لم يكن ضمن صلاحيات مسؤول سلطة الآثار. من جهة اخرى، يتطلب شق شارع رخصة من الادارة المدنية، ويجب ان يكون شارعا شرعيا معبدا وليس طريقا ترابيا، وهذه عملية قد تستغرق سنوات، وامكانيات انجازها من خلال المحاكم ضئيلة، الا اذا وقعت فيضانات تمنع السكان من استخدام الطريق الالتفافي الحالي.

خطر الترحيل

ابراهيم صرايعة (45 عاما) متزوج من امرأتين وله من الاولاد 11، هو شخصيا ولد ونشأ في نفس المكان. ابراهيم يريد بناء بيت من اسمنت وليس من زينكو، ولكنه يعرف ان هذا مستحيل في الوضع الحالي. دخول ابراهيم وبقية السكان للقدس بات ممنوعا منذ عام 2000 لانهم يعتبرون من سكان الضفة، والادارة المدنية لا تمنحهم التصاريح بالدخول. نصف سكان التجمع السكاني يعملون في المستوطنات القريبة، منهم ابراهيم الذي يعمل منذ عام 1985 في كسارة "سلعيت" بالقرب من مستوطنة ميشور ادوميم المحاذية لمنطقة سكناه. النصف الآخر من الاهالي يعيش من تربية المواشي، وهذه الفئة تعرضت للخسائر بسبب النقص بالمياه وشح الامطار والمرعى، وغلاء الشعير من 600 الى 2000 شيكل للطن، مما حول تربية المواشي الى تجارة خاسرة.

الاولاد غالبا لا يكملون تعليمهم الثانوي، اما البنات فيتوقن عن التعليم في سن مبكرة بسبب صعوبة الوصول لمدارس الواقعة اما في اريحا او في عناتا شمالي القدس. المياه التي تزود مئة نفر تصل عبر انبوب واحد مكشوف، وفي الصيف تصل المياه وقد غلت تماما، لدرجة تضطر السكان للانتظار حتى الليل الى ان تبرد. ليست هناك خطوط كهرباء، والعائلات تستخدم مولدات الكهرباء الصغيرة تكفي لتوفير الانارة وتشغيل التلفزيون، وليس لتشغيل الثلاجات. ظروف المعيشة اصبحت صعبة للغاية، لدرجة تدفع بالبعض لترك المكان وشراء ارض في قرى فلسطينية مجاورة.

معظم السكان يعيشون خوفا مستمرا من خطر الترحيل وعدم الاستقرار. فقد رحلوا من النقب عام 1948. صرايعة ليس انسانا عنيدا، وهو وبقية السكان مستعدون للانتقال من مسقط رأسهم لمكان آخر بالتنسيق مع الادارة المدنية. وهم يطالبون من خلال المحامي ليكر اما بفتح طريق ملائم لمساكنهم، او نقلهم بشكل منظم لموقع آخر ثابت. ولكن حتى الآن لم يثمر التوجه عن نتيجة.

المحامي ليكر، الذي يمثل كل ابناء عشيرة الجهالين منذ التسعينات، يؤكد في مقابلة مع الصبّار ان اسرائيل حاولت ترحيل ابناء الجهالين من المنطقة سي. لمناطق ب. او أ. الخاضعة للسلطة الفلسطينية. وقال انه قدم 19 التماسا لمحكمة العدل العليا في السنوات الاخيرة، مما أوقف محاولات الترحيل. وقد حقق ليكر ما يسمى "المستوطنة الوحيدة التي اقيمت للفلسطينيين" حين بنت اسرائيل في عام 1999 تجمعا سكنيا في ابو ديس لابناء عشيرة الجهالين الذين تم اخلاؤهم بهدف بناء حي جديد لمستوطنة معاليه ادوميم، ولاجل هذا الغرض خصصوا قطعة ارض وتعويضات مالية وبيوت ومياه وكهرباء للاهالي الفلسطينيين.

يقول ليكر للصبّار: "ان لاتفاق الذي حصلت عليه في 1999 في ابو ديس، كلّف الدولة مبالغ كبيرة، ولذا فهي غير معنية بالوصول لمثل هذا الاتفاق مع تجمعات اخرى من الجهالين. منذ عشرات السنين لم تقترح الدولة اي تسوية للوضع القانوني للسكان رغم الاعتراف بانهم يسكنون في المنطقة سنوات طويلة، ومع هذا تصر الدولة على اعتبارهم مقتحمين لاراضيها. ولكن تخطيط الدولة لبناء جدار فاصل حول معاليه ادوميم سيؤدي الى شمل 1500 من ابناء الجاهلين داخل الجدار، لذلك قد تضطر الدولة للوصول معهم لاتفاق بنقلهم بشكل منظم لانها لا تريدهم في المناطق التي تسعى لضمها".

كان ليكر قد قدم التماسا قبل ثلاث سنوات ضد مسار السور الفاصل بادعاء ان الاعتبارات وراءه سياسية وليست امنية، لانه سيضم 70 الف دونم من الضفة للمستوطنات الاسرائيلية وسيمتد الى شارع الون بالقرب من اريحا. منذ ذلك الحين تم تجميد مخطط الجدار في المنطقة. يذكر ان الجدار حول معاليه ادوميم مربوط بالمخطط الاسرائيلي الساعي لبناء حي استيطاني في المنطقة إي.1 التي تربط بين معاليه ادوميم والقدس، على اساس خلق تواصل جغرافي استيطاني من القدس الى مشارف اريحا، يشطر الضفة الى شطرين، شمالي القدس وجنوبها، لدرجة تجعل التواصل بين المنطقتين صعبا للغاية.

يقول ليكر انه ما دام السور الفاصل مجمدا، فاسرائيل غير معنية بايجاد حل لعرب الجهالين. ولكن في حالة سماح العليا ببناء الجدار، فقد تكون اسرائيل معنية بنقل التجمعات السكنية الى مقر متفق عليه غير بعيد عن الخان الاحمر. لكن ليكر يشك في رغبة الدولة في استثمار مئة مليون شيكل للحصول على اتفاق شبيه بما حققه هو في ابو ديس، ويرجّح بان اسرائيل تفضل وتسعى الى دفع السكان للرحيل وحدهم، دون تحمل نفقات نقلهم وتسوية وضعهم.

يلخص ليكر بالقول: "ان هناك المئات من العائلات التي تسكن على هوامش الشارع السريع بظروف غير ملائمة للقرن ال21، ولا احد يلقي بالا اليهم، لا اسرائيل ولا السلطة الفلسطينية التي لا تشارك حتى في مساعدة اهالي ابو ديس والسواحرة في الالتماس الذي قدموه للعليا".

والى ان تحسم المسائل السياسية الكبيرة، سيضطر ابراهيم وافراد عشيرته للعيش بظروف قاسية، اسرى الجدار الفاصل الكبير من جهة الذي يهدد بترحيلهم، وضحايا جدران الشارع السريع الوقائية من جهة اخرى. ولا يبدو ان ابراهيم يلقي بالا بشكل خاص لكيفية تعريف حياة القمع هذه، سواء نظام فصل عنصري او مجرد جحيم.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__194/على_هوامش_الشارع_السريع
16.12.2017, 16:12