تاريخ النشر ٠٩/٠٦/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

سياسة الحكومة ازاء العمال الاجانب في طريق مسدود

اساف اديب

تقرير حكومي جديد يشير الى ضرورة اجراء تغييرات جوهرية في سياسة الدولة تجاه العمال الاجانب على نحو يفتح المجال امام العمال المحليين خاصة في الزراعة؛ اثار الامر حفيظة المزارعين الكبار وشركات القوى البشرية التي تتمتع بنفوذ في اروقة الحكم، وتسعى باستمرار لاحباط اي محاولة للتغيير. هذه التناقضات تفتح المجال امام جمعية معا لتكثيف حملتها الهادفة لتشغيل النساء العربيات ووقف استيراد القوة الاجنبية الرخيصة.

أصدر "المجلس الاقتصادي الاجتماعي" التابع لمكتب رئيس الحكومة تقريرا جديدا يعرف باسم "تقرير اكشتاين" وذلك في نيسان (ابريل) الماضي. يؤكد التقرير ضرورة تخفيض عدد العمال الاجانب في البناء والزراعة ومساعدة المرضى والمسنين لإفساح المجال للعمال المحليين للعمل في هذه المجالات.

جاء تقرير اكشتاين متازمنا مع توقيع اتفاق بين اسرائيل وتايلاندا ينص على اخضاع عملية استيراد العمال من تايلاندا لاسرائيل تحت رقابة حكومية ودولية، وادخال نظام جديد لكل عملية تشغيل العمال الاجانب في الزراعة، الامر الذي خلق توترا بين الحكومة وبين المزارعين.

ليس هذا التقرير الاول من نوعه الذي يصدر عن الحكومة الاسرائيلية. التقارير السابقة لم تنجح في فرض نفسها على ارض الواقع، بل تواصلت التجارة بالعمال الاجانب واستغلالهم البشع، مما زاد الفقر في الوسط العربي ووسع الفجوات الاجتماعية. هذه الحقيقة تثير شكوكا في جدية الموقف الحكومي الجديد.

غير ان الركود الاقتصادي المرتقب، والذي من المتوقع ان يزيد نسبة البطالة، من شأنه ان يفرض على الحكومة عاجلا ام آجلا، ان تتخذ خطوات عملية لخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل المحليين، الامر الذي يجعل تقرير اكشتاين يبدو اكثر جدية من التقارير السابقة. ويعني هذا ان معارضي السياسة الاقتصادية الحالية، مثل جمعية معًا، مقبلون على مساحة اكبر للتحرك لوقف ظاهرة استيراد العمال الاجانب - عبودية القرن الحادي والعشرين، وفتح فرص العمل امام العمال المحليين وبالذات العرب.

تقرير اكشتاين

رئيس الطاقم الذي اعد التقرير الجديد، البروفسور تسفي اكشتاين، نائب عميد بنك اسرائيل، قدم اهم استنتاجات التقرير في جلسة للجنة العمال الاجانب في الكنيست يوم الاثنين 26/5. وركز اكشتاين على ان العمال الاجانب يعملون في المجالات البدنية وغير المهنية مما يسدد ضربة للعمال المحليين غير المهنيين. فهؤلاء الاخيرون، قال اكشتاين، عاجزون عن منافسة العمال الاجانب بسبب تدني الاجور والتزاماتهم الشخصية والاجتماعية، وبالتالي يضطرون اما للعمل باجور منخفضة إن وجد العمل، او التوجه لمكاتب العمل والعيش من مخصصات الدولة المتدنية.

واضاف اكشتاين ان تشغيل العمال الاجانب يعطي دفعة قوية لشريحة معينة من الجمهور (يقصد المشغلين المستفيدين من استغلالهم - أ.أ.)، ولكنه يأتي على حساب شرائح اخرى تضررت مصلحتها بشدة (مثل عمال وعاملات الزراعة العرب – أ.أ.). واستخلص ان هذا الوضع يجب ان يدفع الحكومة الى اتخاذ خطوات مدروسة كيلا يتم تفضيل مصلحة شريحة واحدة على اخرى.

في هذا السياق اشار اكشتاين الى ان ظاهرة هجرة العمال الاجانب هي ظاهرة عالمية تشهدها كافة الدول الغنية، غير ان نسبتهم في اسرائيل تصل الى 10% بينما لا تتعدى في الدول الصناعية الاخرى 2-4%، كما ان تشغيلهم في اسرائيل يتم دون قيود او رقابة حكومية. وعليه، اعاد اكشتاين التأكيد، على اسرائيل ان تتعامل مع هذه الظاهرة بحذر والا تسمح لمجموعة ضيقة من المستفيدين ان تفرض مصلحتها على الجميع.

واشار الخبير الاقتصادي الى ان خطته التي تنص على خفض عدد العمال الاجانب، هي جزء من عدة خطوات ومبادرات قامت بها الحكومة مؤخرا، مثل خطة ويسكونسين وضريبة الدخل السلبية، بهدف زيادة تشغيل قطاعات اجتماعية مثل النساء العربيات والرجال اليهود المتدينين. غير ان التجربة تثبت ان خطة ويسكونسين وضريبة الدخل السلبية ليس في مقدورهما خلق فرص عمل جديدة، بينما تعتبر خطة خفض عدد العمال الاجانب الاكثر اهمية وتأثيرا في هذا الاتجاه.

رغم ان التقرير المطروح يتناول وضع العمال الاجانب في كافة فروع الاقتصاد، الا ان التركيز في لجنة الكنيست كان على مجال الزراعة. فقد ادى قرار سابق بتقليص عدد العمال الاجانب في فرع البناء الى خلق فرص عمل جديدة للعمال العرب، وإن كان هذا ايضا لا يتم بالقدر الكافي. كما يسود اجماع على عدم اجراء تغييرات كبيرة في مجال مساعدة المسنين، رغم احتمال وصول عدد العمال الاجانب في هذا المجال الى 120 الفا (!) خلال خمس سنوات. في مجال الزراعة توصي لجنة اكشتاين بتخفيض عدد العمال الاجانب الثابتين الى سبعة آلاف حتى عام 2014، وذلك من العدد الحالي الذي يصل الى 29 الفا، مع ادخال بعض العمال (لم يحدد عددهم) للعمل موسمي. ويعتبر هذا البند الاخير غير واضح، وقد يشكل ثغرة تسمح بادخال عدد كبير من العمال الاجانب من الباب الخلفي.

رقابة دولية

تنوي الحكومة في الاشهر القليلة القادمة إدخال تعديلات في نظام تشغيل العمال الاجانب في مجال الزراعة. التعديل الاول والاهم ينص على فرض الرقابة على تسجيل العمال من تايلاندا، وإخضاعهم لمسؤولية "منظمة الهجرة الدولية" (IOM) التابعة للامم المتحدة، وذلك بالتعاون مع الحكومتين الاسرائيلية والتايلاندية. التعديل الثاني يخص تسجيل العمال وطريقة تشغيلهم والرقابة عليهم داخل اسرائيل.

أصبحت الرقابة الرسمية على تسجيل العمال في تايلاندا امرا ضروريا بعد ان تبين ان العمال يدفعون مبالغ خيالية لشركات القوى البشرية الاسرائيلية والتايلاندية التي تنظم سفرهم الى العمل في اسرائيل. حسب تقارير واحصائيات رسمية مختلفة يدفع كل عامل بين 8-14 الف دولار مقابل تصريح بالعمل في اسرائيل. ويضع هذا الامر العامل الاجنبي في وضع من العبودية المؤقتة، لمدة سنتين او ثلاث الى حين اعادة القرض الكبير الذي يكون قد حصل عليه عادة من "عالم الاجرام".

ليس صدفة ان شركات القوى البشرية والمزارعين الكبار المستفيدين من الوضع الحالي، يعارضون بشدة هذا الترتيب ويرفضون اي تدخل لمؤسسات الدولة. دليل على ذلك تصريحات رئيس اتحاد المزارعين الذي زار تايلاندا مطلع ايار الماضي، واعلن فور عودته بان وزيرة العمل التايلاندية تعارض مثله فرض الرقابة الدولية على تسجيل وسفر العمال. (ذي ماركر، 5/5). وفي تطور لاحق أصدرت السفارة التايلاندية في اسرائيل بيانا صحافيا كذبت فيه ادعاءات رئيس اتحاد المزارعين بشدة، واكدت ان حكومة تايلاندا تؤيد الترتيب الجديد وتنتظر تطبيقه بما يخدم مصلحة الرعايا التايلانديين العاملين في اسرائيل.

الكذب العلني لمسؤول المزارعين امام الرأي العام يدل على الضغط الكبير الذي يواجهه تجار العمال التايلانديين وحلفائهم من المزارعين. فكما هو معروف، اجر العامل الاجنبي يعادل 13 شيكل للساعة مقابل 20 شيكل للعامل الاسرائيلي الذي يعتبر الحد الادنى القانوني للاجر. كما ان المزارع لا يدفع للعامل الاجنبي بدل الساعات الاضافية ولا اية حقوق اجتماعية اخرى، بشكل منافٍ للقانون.

تناقضات داخلية

التناقضات في سياسة الحكومة باتت واضحة، بين المستويات المهنية المعنية باحداث تغيير في الوضع الاقتصادي الداخلي، وبين المستويات السياسية وخاصة في وزارة الزراعة الذين يميلون لخدمة لوبي المزارعين لاهداف انتخابية والاستمرار في السياسة الحالية. وقد ازداد ثقل ادعاءات الجهات المهنية الاقتصادية بسبب خطورة الوضع الاقتصادي، والتخوف من ان يؤدي استيراد المزيد من العمال الاجانب الى تدهور اضافي في الوضع وانتشار ظاهرة العمال الفقراء في اسرائيل.

لا بد في هذا السياق من لفت النظر الى ان تدهور الوضع الاقتصادي، بدأ عندما فُرض الطوق على العمال الفلسطينيين ومنعوا من العمل في اسرائيل، عندها سعت الحكومة لاصلاح الخطأ بخطأ جديد، عندما فتحت المجال واسعا جدا لاستيراد العمال الاجانب محل العمال الفلسطينيين لارضاء المزارعين والمقاولين الاسرائيليين، دون اية دراسة ولا رقابة ودون تحديد خطوط عريضة لسياسة عامة ومسؤولة. وبلغ الامر ان استبدل العمال الاجانب ايضا العمال المحليين ايضا مما حمّل الدولة مسؤولية الانفاق عليهم.

بعد 15 عاما من بدء تدفق العمال الاجانب، تقف الحكومة امام واقع خطير تصعب معالجته. فالحكومة تتقاعس عن اتخاذ الاجراءات الضرورية، وهي اولا وقف استيراد العمال الاجانب وبالتالي خلق فرص عمل لآلاف العمال المحليين وحتى للفلسطينيين للعمل في اسرائيل، وتحمل المسؤولية بذلك عن تدهور الوضع الاقتصادي في المناطق الفلسطينية نتيجة الاحتلال المتواصل. لكن الحكومة تواصل الرضوخ لمجموعة الضغط القوية للمزارعين واصحاب شركات القوى البشرية الذين يواصلون فرض جدول عملهم ويمنعون اي تغيير في الاتجاه المطلوب.

تحرك نقابي مكثف

تقاعس الحكومة عن تطبيق ما يتم اقراره في الجلسات الرسمية، يفتح المجال امام جمعية معًا لتكثيف حملتها الهادفة لتشغيل العمال العرب وضمان حقوقهم. الى جانب جمعية "كاف لعوفيد - عنوان للعامل" المهتمة بحقوق العمال الاجانب، تقف جمعية معًا طرفا اساسيا يطرح بديلا للعمال الاجانب وهو عاملات الزراعة العربيات، وتحضر كافة جلسات لجنة العمال الاجانب في الكنيست وفي لجنة اكشتاين ووزارة الزراعة، الامر الذي منح الجمعية مصداقية واعترافا رسميا بدورها الرائد في مجال تشغيل العمال المحليين.

تجربة جمعية معًا في مجال تشغيل العاملات العربيات في الزراعة والعمال العرب في فرع البناء، تدل على بطلان ادعاءات المقاولين والمزارعين بعدم وجود عمال محليين مستعدين للقيام بالعمل البدني في هذه المجالات.

الامر الملاحظ في كل هذه المداولات هو غياب احزاب اليسار والاحزاب العربية، وكذلك عدم حضور الهستدروت بصفتها النقابة الرسمية التي من المفروض ان تلعب دورا رئيسيا في منع استمرار استغلال العمال الاجانب ودفع العمال العرب للبطالة.

الطريق المسدود الذي وصلته السياسة الاقتصادية الحكومية، والادراك الرسمي بضرورة تغيير الوضع، لا يعني تلقائيا ان التحول آت. ولكن من الواضح ان التناقضات في اوساط الحكومة والانتقاد المتزايد لدور شركات القوى البشرية المتاجرة بالعبيد الجدد، يشكل ارضية خصبة للجمعية لممارسة المزيد من الضغط، وتكثيف حملتها لتحقيق المزيد من الانجازات في مجال تنظيم العمال، وفرض اتفاقات عمل مع اصحاب عمل اضافيين. جمعية معًا تعمل في هذا المجال باسلوب خلاق وليونة عالية، الامر الذي يسمح لها ببناء قاعدة لبناء النقابة العمالية الجديدة.

انه نضال سياسي من الدرجة الاولى، اذ اننا نتعامل هنا مع حق اساسي للمواطن – الحق بالعمل والعيش الكريم. البطالة التي تواجهها النساء العربيات، والنابعة اولا من سياسة حكومية متعمدة، ونابعة ايضا من البنية التقليدية للمجتمع العربي، هي ظاهرة خطيرة تمس باحد الحقوق الجماعية للجماهير العربية.

اذا اضفنا لهذا الجانب ما تقوم به الجمعية في مجال مكافحة المقاولين الفرعيين وطرق التشغيل "الاسود" والمجحف للنساء والشباب العرب، نرى اننا في خضم معركة متعددة الجوانب. في نهاية المطاف تساهم جمعية معا في معركتها من اجل عاملات الزراعة العربيات، في خلق بنية تحتية لحركة اجتماعية جذرية سعيا لبناء مجتمع جديد متساو بين العرب واليهود وبين النساء والرجال، يضع حدا لكل انواع الاستغلال والتمييز والعنصرية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__177/سياسة_الحكومة_ازاء_العمال_الاجانب_في_طريق_مسدود
15.12.2017, 21:12