تاريخ النشر ٠٨/٠٦/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

خصخصة السياسة

يعقوب بن افرات

بغض النظر عما اذا انتهت الازمة السياسية الحالية بانتخابات مبكرة او لا، سيبقى الفساد ميزة اساسية للنظام السياسي الاسرائيلي، تماما كنظيره الامريكي. انه نظام من اجل الاغنياء، ممول من قبلهم ويتستر بالزي الديموقراطي. الديموقراطية في زمن الرأسمالية اصبحت كأي بضاعة اخرى يتاجر بها ويستثمر فيها.

تمر اسرائيل في هذه الايام بعاصفة سياسية كبيرة قد تؤدي لحل البرلمان (الكنيست)، وإجراء انتخابات مبكرة في تشرين ثان (نوفمبر) المقبل. السبب هو التحقيق مع رئيس الحكومة، ايهود اولمرت، للاشتباه به بتلقي رشوة من المواطن الامريكي موريس تلانسكي على مدار 15 عاما منذ كان رئيس بلدية القدس في التسعينات. واعتبرت الشهادة المبكرة التي ادلى بها تلانسكي في المحكمة المركزية، قنبلة سياسية ادت لاستياء شعبي كبير من رئيس الوزراء، الى درجة مطالبته من قبل شركائه في الحزب وخارجه (وبالذات وزير الدفاع ايهود براك) بالاستقالة من منصبه.

غير ان اولمرت، السياسي المحنك والمحترف الذي صمد امام الانتقادات اللاذعة التي وجهتها له لجنة فينوغراد للتحقيق في حرب لبنان الاخيرة، استبق الامور استعدادا للمواجهة. فقد أعلن منذ نشر اول خبر حول التحقيق الحالي أنه سيستقيل اذا قدمت النيابة العامة ضده لائحة اتهام.

كانت شهادة تلانسكي امام المحكمة عبارة عن ادانة واضحة لاولمرت، اذ انه صرح بتسليمه لرئيس الوزراء في اكثر من مناسبة مظروفات تحتوي على آلاف الدولارات لتمويل احتياجاته الشخصية والحزبية. غير ان اولمرت نفى تسلمه الاموال، ونقل المسؤولية لصديقه المحامي اوري ميسر الذي كان مكلفا بإدارة اموال الحملة الانتخابية. ويأمل اولمرت ان يتمكن محاموه الممتازون من نقض شهادة تلانسكي، الشاهد الرئيسي في القضية، وضرب مصداقيته، وبالتالي منع النيابة من تقديم لائحة اتهام ضده.

ولا يعلق اولمرت كل آماله على الجانب القانوني فحسب، بل يعتمد على حسه السياسي بان اعضاء الكنيست لا يريدون انتخابات مبكرة. كان هذا نفسه السبب الذي انقذه من ازمته الاخيرة التي اثارها تقرير لجنة التحقيق في حرب لبنان. ولا غرابة في الامر، اذا ان الوحيد الذي يمكنه الاستفادة من الانتخابات هو رئيس الوزراء الاسبق وزعيم الليكود بنيامين نتانياهو الذي مني بهزيمة ماحقة في الانتخابات الاخيرة عندما تراجع الى 11 مقعدا على اثر انشقاق اريئل شارون وشخصيات بارزة اخرى عن الليكود قبيل الانتخابات، وتأسيس حزب كديما الحاكم. من جهة اخرى، يخشى حزب العمل من انتخابات جديدة علما ان شعبيته لم تتحسن بعد تسلم رئيسه الجديد ايهود براك وزارة الدفاع. وعليه، فان اولمرت يركن الى هذا "الخوف" من نتانياهو لكسب المزيد من الوقت واقناع النيابة بعدم وجود مبرر لتقديم لائحة اتهام، وبالتالي البقاء في منصبه.

اولمرت ليس وحيدا

ما يدفع اولمرت لعدم التنازل عن منصبه رغم الشهادة القاطعة التي ادلى بها تلانسكي في المحكمة ضده، ليس الدافع الطبيعي لكل انسان ان يثبت براءته. الدافع الحقيقي هو قناعته بان ما قام به امر مقبول في اللعبة السياسية، بل اسلوب لا مفر منه لاي سياسي يريد النجاح. التاريخ القصير يشير الى ان هذا هو المتداول فعلا. فكل رئيس وزراء في العقد الاخير تعرض للتحقيق بتهمة الرشوة او الفساد وخرق القانون في موضوع تجنيد الاموال، سواء نتانياهو، براك وحتى شارون الذي حمّل المسؤولية لابنه عومري الذي حُكم مؤخرا بالسجن لعدة اشهر.

ما الخلل الذي ادى للتحقيق مع اربعة رؤساء حكومة في العقد الاخير؟ هل الخلل في الاشخاص او في النظام نفسه؟ الفساد هو ظاهرة سلطوية في العالم كله وليس في اسرائيل فحسب. وتختلف درجات الفساد من مكان لآخر، فهو ظاهر ساطع في السلطة الفلسطينية ومصر مثلا، ومستتر في معظم الدول الديموقراطية. في روسيا مثلا اصبحت السلطة نفسها مصدرا للفساد حيث يتم توزيع المنشآت الاقتصادية على المقربين من الحكم، وفي ايطاليا هناك علاقة حميمة وجلية بين الحزب الحاكم والمافيا، كما ان رئيس الوزراء نفسه، سلفيو برلوسكوني، غني جدا وخاضع في فترات متقاربة للتحقيق.

في اسرائيل يتمحور الخلل في الطريقة السياسية الجديدة نسبيا التي تبنتها الاحزاب المختلفة، وهي الانتخابات الداخلية (بريمريز). هذه الطريقة هي مصدر للفساد السياسي، اذ يضطر كل مرشح لتمويل حملة شخصية لانتخابه، ومن ينجح في تجنيد مبلغ اكبر يحظى بالاولوية في نشر الاعلانات في الصحف، استئجار مبانٍ ونشيطين وطاقم مختص في موضوع العلاقات العامة. يختلف الامر بالنسبة للانتخابات العامة للكنيست حيث تتنافس الاحزاب وليس الاشخاص، فالدولة هي التي تتكلف بتمويل الاحزاب حسب المقاعد التي فازت بها في الانتخابات الاخيرة.

طريقة البريمريز لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة لاستنفاذ الطريقة القديمة التي اسسها حزب مباي (العمل لاحقا) الذي حكم الدولة منذ تأسيسها عام 1948 حتى السبعينات. ماذا كانت تلك "الطريقة القديمة"؟ بسيطة للغاية، كان سكرتير الحزب يسجل على بطاقة صغيرة اسماء المرشحين للانتخابات ويقدمها الى "لجنة الترتيب" التي دورها التصديق على القائمة. صحيح ان هذه الطريقة منعت الفساد الحزبي، ولكن المشكلة كانت ان الحزب كان ايضا يعين مدراء المرافق الاقتصادية الحكومية وتلك التابعة للنقابة العامة الهستدروت (التي خضعت لنفس الحزب)، وفتحت بذلك الباب الى الفساد.

كان الاقتصاد الاسرائيلي اقتصادا مؤمَّما وتعاونيا، وكما في كل الدول التي اعتمدت او تعتمد على هذا النوع من الاقتصاد، انتهى الامر بنشوء شريحة من البيروقراطية المنتفعة ذات امتيازات خاصة بها. فقد كان المدير يعين المقربين منه في مناصب مهمة في المصانع او المرافق الحكومية مثل الكهرباء والموانئ وسلطة البريد وغيرها. ومع تكدس الثروات في السبعينات، انتشرت ظاهرة الفساد الشخصي، وقام وزراء ومدراء باختلاس اموال المؤسسات التي عملوا بها، ومنها صندوق المرضى العام وبنك "هبوعليم" اللذين كانا تابعين في حينه للهستدروت. وبلغت الذروة بانتحار وزير الاسكان بعد الاشتباه به بتهمة الفساد.

الفساد والخصخصة

لم تصمد الطريقة القديمة طويلا امام الاستياء الشعبي العارم الذي كلف حزب العمل (مباي) فقدان السلطة لصالح الليكود. فالركود الاقتصادي العميق الذي اصاب اسرائيل منذ حرب اكتوبر 1973، انتهى بأزمة بنكية شاملة اضطرت الحكومة لتأميم البنوك. وادى هذا الوضع الى تغيير جذري في النهج الاقتصادي، وتبني اسرائيل نمط الاقتصاد الامريكي، الامر الذي اعتبر ثورة حقيقية ادت لتحول كبير في كل مرافق الحياة في الدولة.

كانت احدى سمات هذا التحول ان حلّ رأس المال المحلي والأجنبي محل الدولة. ومنذ ذلك الحين لم يعد القرار بيد الاحزاب، بل بيد من يملك مفاتيح الاقتصاد. وبهدف إتمام التحول تم تقليد النهج الامريكي في انتخاب المرشحين للبرلمان من خلال الانتخابات الداخلية الشخصية، على اعتبار انها اكثر ديموقراطية من طريقة التعيينات القديمة. وكانت النتيجة المباشرة هي تسجيل عدد كبير من الاعضاء للحزب دون ان يكون لهم انتماء حقيقي للحزب او اي نشاط فيه، وينحصر دورهم في التصويت للمرشح الفلاني الذي دفع من جيبه رسوم عضويتهم. ولتمويل هذه العملية وكل الحملة الانتخابية الداخلية، تم تجنيد الاموال من الاثرياء الجدد.

هؤلاء الاثرياء الذين اصبحوا الممولين المباشرين للساسة، سواء الوزراء او رئيس الوزراء او رؤساء السلطات المحلية وغيرهم من المتنفذين، يتمتعون بامتيازات خاصة ذات قيمة اقتصادية كبيرة. فردّا ل"جميلهم"، يقوم السياسيون من موقعهم في الحكومة بتسليم الاثرياء المرافق العامة من خلال خصخصتها مقابل اسعار زهيدة. لقد اصبحت السياسة رهينة لرأس المال الذي يوزع القليل من ارباحه لكسب النفوذ السياسي. وكل هذا يتم تحت غطاء ما يسمى بالعملية الديموقراطية. حسب اللعبة الديموقراطية يمكن تداول السلطة بين الاحزاب المختلفة، ولكن شيء واحد يبقى ثابتا وهو النفوذ الرأسمالي والفساد المرافق له.

من الواضح ان كل انسان ذا ضمير وقدرات شخصية سيتجنب خوض المعترك السياسي من خلال الاحزاب البرجوازية التي تتنافس على السلطة، لان هذا يتطلب التوجه لرأس المال لضمان النجاح. فلم يعد النجاح مرهونا بميزاته الشخصية بل بكمية الاموال التي يمكنه تجنيدها لتمويل حملته الانتخابية وبمدى قربه من الاثرياء. ويدرك ايضا ان نجاحه مربوط بان يبيع نفسه للحكام الحقيقيين وهم اصحاب رؤوس الاموال، وان عليه دفع الثمن السياسي والاقتصادي مقابل "الخدمة" التي أسدوها اليه.

بغض النظر عما اذا انتهت الازمة السياسية الحالية بانتخابات مبكرة او لا، سيبقى الفساد ميزة اساسية للنظام السياسي الاسرائيلي، تماما كنظيره الامريكي. انه نظام من اجل الاغنياء، ممول من قبلهم ويتستر بالزي الديموقراطي. الديموقراطية في زمن الرأسمالية اصبحت كأي بضاعة اخرى يتاجر بها ويستثمر فيها.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__175/خصخصة_السياسة
21.11.2017, 13:11