شؤون فلسطينية

زياد ابو زياد: "السلطة الفلسطينية هي خصخصة للاحتلال"

يوناتان بن افرات

الواقع يتطور باتجاه استمرار القمع، او اسوأ من ذلك، باتجاه الابارتهايد (نظام الفصل العنصري). في نظام كهذا ستقوم اقلية يهودية تتمتع بكل الحقوق بالسيطرة على اغلبية عربية فلسطينية حُرمت من كل الحقوق الاساسية، كشعب، كمواطنين وكبشر.

ليس من الصعب الوصول الى زياد ابو زياد في هذه الايام. الرجل الذي كان حتى ثلاث سنوات مضت عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني ووزيرا بلا حقيبة في حكومة عباس حتى انتخابات كانون ثان (يناير) 2006، عاد للانشغال بشؤونه الخاصة. يقول في حوار خاص مع الصبّار: "خضت الانتخابات الاخيرة كممثل عن القدس، وخسرت المعركة. منذ ذلك الوقت ابتعدت عن النشاط السياسي وعدت لمزاولة عملي كصحافي ومحامٍ".

يشرف ابو زياد على اصدار فصلية Palestine-Israel Journal باللغة الانجليزية مع شركاء اسرائيليين وفلسطينيين. كان من القلائل الذين صرحوا بمعارضتهم للعمليات الانتحارية منذ مطلع الانتفاضة، ويعتبر من الجناح المعتدل في الحركة الوطنية الفلسطينية. من الحوار معه تبين انه ناقم على كلا القيادتين، الاسرائيلية والفلسطينية. بعد فشل نبوءة السلام التي تمسك بها ايام اتفاقات اوسلو، لم تعد في جعبته آمال كبيرة بل يتوقع مستقبلا مظلما لكلا الشعبين.

ما هي رؤيتك المستقبلية، دولتان ام دولة واحدة ثنائية القومية؟

زياد ابو زياد: في بداية طريقها تمسكت منظمة التحرير الفلسطينية (من الخمسينات وحتى السبعينات) بموقف الدولة الواحدة. غير ان اسرائيل رفضت دائما فكرة الدولة الثنائية القومية، ولم تقترح اي حل بديل. بعد اتصالات بين قيادات في المنظمة وتيارات في اليسار الاسرائيلي، تبنت المنظمة موقف دولتين لشعبين. بدأ الحوار مع حركات من معارضي الصهيونية وتواصل مع الشيوعيين وانتهى مع تيارات من القيادة الصهيونية ذاتها.

في نوفمبر 1988، بعد اندلاع الانتفاضة الاولى، اعترفت المنظمة بقراري الامم المتحدة 242 و338، وتبنت بشكل علني حل الدولتين، على ان تكون احداها داخل حدود ال48 (اسرائيل) والثانية في المناطق المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية والتوصل لحل لقضية اللاجئين. الانسحاب لحدود الرابع من حزيران 1967 كان شرطا لا بد منه لاي حل سياسي للصراع الاسرائيلي-الفلسطيني.

مؤتمرات مدريد ثم اوسلو كانت محاولات لحل النزاع في اطار الدولتين. غير ان الفجوة بين الرؤية وبين الواقع كانت في اتساع متزايد. فبينما قبل الفلسطينيون التسوية التاريخية، تمسكت القيادة الاسرائيلية باستراتيجيتها منذ عام 1994 وهي إحباط وإفشال اية امكانية لاقامة دولة فلسطينية.

كيف تفسر الرفض الاسرائيلي؟

ابو زياد: اسرائيل لا تريد دولة فلسطينية. الحكومات الاسرائيلية تواصل مشروعها الاستيطاني علما منها ان هذا يحبط الدولة الفلسطينية ويمنع اقامتها. من هنا فانا لا ارى اية امكانية على ارض الواقع لاقامة دولتين. المفارقة ان الامور انقلبت رأسا على عقب، وصارت اعداد متزايدة من اليمين والمركز الاسرائيلي مؤيدة لمشروع الدولتين بسبب الخوف الديمغرافي، ولكن في الجانب الفلسطيني بالمقابل عادوا للحديث عن دولة واحدة، لانهم لا يرون مجالا لدولة مستقلة خاصة بهم.

هل صدقت القيادة الفلسطينية فعلا ان اتفاقات اوسلو ستتمخض عن دولة فلسطينية؟

ابو زياد: نعم. كان هذا موقفا ساذجا.

كنت بين من اعتقد ذلك ايضا، أليس صحيحا؟

ابو زياد: نعم. اعترف اني فشلت مع كل القيادة.

اذا كان شعار الدولتين وشعار الدولة الواحدة غير مقبولين على كلا الطرفين، فما الحل برأيك؟

ابو زياد: الواقع يتطور باتجاه استمرار القمع، او اسوأ من ذلك، باتجاه الابارتهايد (نظام الفصل العنصري). في نظام كهذا ستقوم اقلية يهودية تتمتع بكل الحقوق بالسيطرة على اغلبية عربية فلسطينية حُرمت من كل الحقوق الاساسية، كشعب، كمواطنين وكبشر.

هل ترى بالفعل اننا نتجه لنظام ابارتهايد؟

ابو زياد: نعم.

هل تعتقد ان العالم سيقاطع اسرائيل، كما قاطع النظام العنصري في جنوب افريقيا؟

ابو زياد: اعتقد انه من المبكر ان نطالب بذلك، فليست هناك بعد اجواء دولية مواتية لفرض المقاطعة على اسرائيل. انا لا اطمح للوصول الى هذا الوضع، ولكن اذا واصلت اسرائيل سياستها فانها ستقرّب اليوم الذي ستتحول فيه مقاطعتها الى امكانية واردة.

لماذا تواصل القيادة في اسرائيل الحديث عن دولتين اذا لم تكن معنية بهذا الحل كما تقول؟

ابو زياد: هذه مجرد شعارات فارغة من اي مضمون، للادعاء بانها مع السلام. جيل القادة الاسرائيليين القادرين بالفعل على تفكيك المستوطنات والوصول الى السلام، انتهى.

كيف تقيم اذن دور السلطة الفلسطينية في ظل هذا الواقع؟

ابو زياد: السلطة الفلسطينية تحولت الى مقاول فرعي ينفذ التعليمات الاسرائيلية، كان هذا واضحا على مدار الانتفاضة الثانية. السلطة الفلسطينية هي عبارة عن خصخصة للاحتلال. اسرائيل تطلب الخدمة، الاوروبيون يموّلون والسلطة هي المقاول المنفذ.

عموس يدلين، عموس يدلين، رئيس الاستخبارات العسكرية، يدعي ان هناك احتمالا قويا ان تنهار السلطة وتختفي. ما قولك في ذلك؟

ابو زياد: انه محق، السلطة فشلت ولم تحقق شيئا. اذا كان ابو مازن يعتقد انه ببعض الابتسامات والمديح الذي يكيله له اولمرت سيتمكن من تحقيق شيء للشعب الفلسطيني، فهو مخطئ.

اذن، من يستطيع ان يغير القيادة؟ هل يمكن ان تنشأ قيادة بديلة؟

ابو زياد: يصعب التنبؤ بذلك اليوم. ما استطيع الجزم به ان اية قيادة بديلة ستكون اقل اعتدالا واقل براغماتية من القيادة الحالية. فهي ستنشأ في ظل واقع اشد وأمرّ، وسترى معاناة اكبر، والرد سيكون بالمثل، معاناة اكبر وسفك للدماء في اسرائيل.

اذا كان الشعب الفلسطيني لا يرى امكانية واقعية لاقامة دولتين، لماذا لا يطالب اذن بدولة واحدة وبحقوق مواطنة في اسرائيل؟

ابو زياد: هناك اشخاص لهم مصلحة في حفظ الوضع القائم، لانهم يستفيدون على المستوى الشخصي. الجمهور الاسرائيلي لا مبالٍ تجاه ما يحدث في المناطق المحتلة، ولا يستوعب انه مُقاد وانه يقود الى ابارتهايد. العالم، بما في ذلك اوروبا، يتجاهل معاني هذه العملية وانعكاساتها التي ستؤدي الى تصعيد الصراع وبالتالي تصعيد القمع الاسرائيلي. هذا التصعيد سيصل الى نقطة يصعب ازاءه مواصلة اللامبالاة، وسيقوم العالم ضد اسرائيل كما قام في حينه ضد الابارتهايد في جنوب افريقيا.

ألا تعتبر الاعتماد على الاوروبيين مرة اخرى نوعا من السذاجة؟ سبق ان رأينا ان الانتفاضة الثانية بكل تصعيدها لم تكف لتحريك العالم ليجبر اسرائيل على التراجع؟

ابو زياد: العالم لا يزال متعاطفا مع اسرائيل بسبب المحرقة (الهولكوست). لكي نعرف الى اين تهب الرياح سيكون علينا الانتظار حتى شباط (فبراير) 2009، عندما يدخل الرئيس الجديد للبيت الابيض.

التدخل الامريكي على مدى سنين طويلة لم يكن في صالح المطلب الفلسطيني اقامة دولة مستقلة. كلتا الادارتين، الديمقراطية والجمهورية، انحازتا بوضوح لمفهوم اسرائيل حول السلام، ولم تلعبا دور الوسيط المحايد في الصراع.

ابو زياد: ليس من الممكن ان يكون اختراق في المفاوضات دون تدخل امريكي. اذا لم تقم الولايات المتحدة بقيادة المسيرة، فليس هناك طرف آخر سيكون قادرا على ذلك. في ظل الادارة الحالية، لا ارى اي استعداد او رغبة صادقة في قيادة عملية من هذا النوع. لذلك نحن في طريق مسدود.

لماذا يصر ابو مازن على مواصلة اللعبة؟

ابو زياد: ابو مازن يدرك الامور، ولكنه لا يريد ان يتهم بانه العقبة امام السلام، وبانه ليس شريكا. من الناحية السياسية ليس امامه مفر آخر، مع ان السياسة الاسرائيلية-الامريكية تتعارض مع المصلحة الفلسطينية. في المقابل، عليه ان يبذل جهودا لتحقيق الوحدة الوطنية والحفاظ على مصالح الشعب الفلسطيني.

هل تعني بالوحدة الوطنية الحوار مع حماس؟

ابو زياد: نعم. عليه ان يعيد حماس الى الاطار. في رأيي اذا حاولت فتح المساومة والوصول الى حل وسط، فستجد تيارات معتدلة داخل حماس مستعدة للتعاون معها.

كيف وصلت حماس الى موقع القوة هذا في مواجهة السلطة؟

ابو زياد: سياسة اسرائيل هي التي تقوّي حماس. النموذج على ذلك الانفصال الاحادي الجانب عن غزة. عندما عزم شارون على الانسحاب من غزة، كنت وزيرا في السلطة. حاولنا اقناعه حينها ان ينفذ الانسحاب كجزء من عملية السلام. ولكن جوابه كان ان الانسحاب هو خطوة عسكرية، وانه لا ينسّق خطواته العسكرية مع العدو. بهذه الطريقة أفسح المجال لحماس ان تصور الانسحاب على انه انتصار لها. الحصار على حماس يقويها بينما يجعل السلطة جسما مكروها في نظر الشعب. من يريد معرفة رأي الشارع في السلطة، فليذهب الى المعابر وليسمع الناس الذين يعانون هناك كيف يتهمون قيادتهم المعتدلة ويحمّلونها مسؤولية معاناتهم. الكراهية تجاه فتح في ازدياد.

ما رأيك في موقف اليسار في اسرائيل، وحتى الاحزاب العربية، الذين دعموا الانفصال الاحادي الجانب عن غزة ومؤخرا دعموا ايضا قمة انابوليس...

ابو زياد: ليس في اسرائيل يسار راديكالي كالذي نعرفه في دول عديدة اخرى. هناك في اسرائيل معسكر سلام، وانا اعتبره مجرد ملحق لليسار الصهيوني، واقصد ضمن ذلك ميرتس والجبهة ايضا.

على ضوء فشل مشروع اقامة دولة فلسطينية مستقلة، هل تنازلت عن الحوار الاسرائيلي-الفلسطيني؟

ابو زياد: شاركت مؤخرا في مؤتمر الرؤساء الذي نظمه شمعون بيرس بمناسبة 60 عاما على قيام اسرائيل. حضر المؤتمر العديد من الرؤساء واعضاء البرلمانات الاوروبية ورجال الاعمال. قلت لهم انهم اذا ارادوا الحفاظ على الدولة اليهودية، فعليهم الخروج من المناطق المحتلة والسماح لنا باقامة دولتنا المستقلة. اذا فشل هذا الامر فان حلمهم الصهيوني سيتحطم.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__162/زياد_ابو_زياد_السلطة_الفلسطينية_هي_خصخصة_للاحتلال
24.11.2017, 05:11