تاريخ النشر ٢٢/٠٥/٢٠٠٨

ثقافة

اية ثقافة نريد؟

اسماء اغبارية-زحالقة

اية ثقافة نتخذ في زمن فيه الانسان جائع ومضطهد ومهدد باسم القومية او الدين او العادات والتقاليد؟ الى اي متحف نذهب، الى اي مسرح؟ اية اوبرا نسمع، اية افلام نشاهد، اي الكتب نقرأ او نكتب، اي فن نبدع او نقتني، اذا كانت كرامة الانسان والعامل تُنتهك يوميا، وحياة كاملة كانت لها اسماء، دموع وابتسامات تُسلب ببساطة مريعة؟

اية ثقافة تحترم ذاتها واسمها إن لم تأتِ من وجع البشرية، وتقدم لها متنفسا واملا؟ كيف تُسمّى الثقافة "ثقافة" اذا كانت لامبالية، اذا انغلقت وانعزلت عن واقعها، وحكمت على نفسها بان تكون نخبوية وغير مؤثرة؟

جمعية معًا تقدم منبرا للعمل الثقافي والاجتماعي، بهدف بناء ثقافة جديدة، ثقافة جذرية من الشعب واليه. ازاء الدمار والكراهية المتزايدة بين البشر، ازاء اليأس والمعاناة، والقمع والاستغلال نختار عدم الانغلاق، ونعمل بدأب وصبر، نحرث الميدان. نحلل الواقع من منطلق رؤية ومصلحة الطبقة العاملة. تلك الاغلبية الصامتة، التي سُلب منها حقها الطبيعي بالعمل والانتاج بكرامة، وحُكم عليها بالبقاء خارج نادي الثقافة والابداع، اذ انه عندما ينتهي الخبز تنتهي ايضا الكلمات، ويُفسَح المجال للنقمة واليأس.

الابداع هو درة التاج التي عرفها المجتمع البشري، وهو الترجمة الارقى لكينونتنا الانسانية. ولكن، عندما يكون البحث عن الرغيف والامن الاقتصادي نصيب اغلبية البشر، عندما يتحول الى مهمة يائسة تعرقلها سياسة السوق الحرة تارة، وسياسة الدفاع عن "الامن القومي" تارة اخرى، يضطر هؤلاء الناس للبقاء في المرحلة الاكثر بدائيةً من وجودهم البشري، مرحلة البحث عن الغذاء، مرحلة تستنفذ قواهم ولا تفسح لهم الوقت للتطور باتجاه المرحلة الاعلى لممارسة انسانيتهم، مرحلة الابداع.

نحن نواجه هذا الواقع، ونوفر منبرا ثقافيا وسياسيا لاجندة اجتماعية، اقتصادية وسياسية اشتراكية، سواء من خلال موقعنا "الصبّار" بالعربية و"اتجار" بالعبرية، ومن خلال العمل النقابي في جمعية معًا النقابية. هذا المنبر يجذب اليه مثقفين عرب ويهود بفضل النضال النقابي اليومي من اجل تمكين العمال من ممارسة حقهم الاساسي في العمل والانتاج.

جمعية معًا تناضل يوميا من اجل فتح اماكن العمل امام كل امرأة ورجل، ضمن الحفاظ على كرامتهم الانسانية وحقوقهم الكاملة. معًا تخلق قِيَما جديدة في المجتمع العربي واليهودي، قيم المساواة والتضامن بين الشعوب والمساواة بين الجنسين. ترفع من مكانة المرأة العربية والشاب العربي في المجتمع، من خلال دورات التدعيم والتثقيف الاجتماعي والسياسي. هذا النضال من اجل العمل والتنظيم النقابي المستقل يمهد الطريق لاعادة ثقة الناس بقدرتهم على التغيير وعلى استعادة الحلم والامل.

كل قصيدة، كل مقالة، كل عمل فني، وكل انسان يساهم في الكتابة في الصبّار او "اتجار" او من خلال النشاط في جمعية معًا، انما يساهم في بناء مؤسسة ثقافية جديدة هي بيت للشعب. في هذا البيت يعيش عرب ويهود، عمال ومثقفون، شعراء وفنانون - صورة مصغرة للمجتمع الصالح المتساوي والعادل الذي نناضل من اجله، لاننا نستحقه.

في عالم فيه قِيَم البورصة والتجارة والمضاربة بالعقارات هي التي تحدد معالم الواقع، في عالم فيه الاغنياء يزيدون ثراءً على حساب العمال العرب، اليهود، التايلانديين والصينيين في كل العالم، ويحظون بمديح وتشجيع وسائل الاعلام، بينما لا تحظى الفجوات الاجتماعية الجنونية الا بخبر صغير هامشي؛

بينما تتواصل حروب "اهل النور" ب"اهل الظلمة" التي تمارسها الولايات المتحدة في العراق، واسرائيل في المناطق الفلسطينية المحتلة، تهدر ارواح اعداد متزايدة من البشر، تزرع دمارا اجتماعيا واقتصاديا فظيعا، وتقتل مرة بعد مرة الانسان الذي فينا؛
بينما يتحول التمييز العنصري ضد المواطنين العرب الى امر مفروغ منه، وعقاب جماعي مقبول وشرعي؛
بينما تنشر الاصولية الدينية الرعب في قلوب الشعوب وحتى بين اهلها، فقط لانهم اختاروا دربا غير دربها؛ بينما تواصل القيم الذكورية الابوية العربية التجذر في مجتمعنا وإغلاق المرأة وراء قضبان الخوف والهلع؛
بينما تواصل وسائل الاعلام في كلا طرفي النزاع، إذكاء نار الكراهية، وينغلق كل طرف على نفسه ويمنّي نفسه بحلم الانتقام؛
في مواجهة هذا كله يقف موقع الصبار واتجار وجمعية معا بلهجتنا الحادة وخطابنا الواضح، ولا نخشى الوقوف خارج الاجماع، سواء القومي العربي-الديني او اليميني-اليهودي. لا نتردد في قول الحقيقة التي نؤمن بها ضد كل اشكال القمع والاضطهاد في كلا المجتمعين، وطرح بديل تضامني انساني اساسه المساواة والتعاون العربي-اليهودي.

في الصبّار و"اتجار" لا نواجه فقط الواقع الاجتماعي العصيب، بل نهتم بتوضيح الواقع السياسي الذي يحدد مصيرنا، والنضال من اجل حل عادل له. الصبّار يتميز بالوضوح السياسي الذي يرى في الاحتلال الاسرائيلي المسؤول الاول عن تدهور الاوضاع، ويدعو المجتمع الاسرائيلي للتوقف عن إنكار مسؤوليته الاولى عن معاناة الشعب الفلسطيني.

اليوم اكثر من اي وقت مضى، يبدو الحل واضحا: ليس انسحابا احادي الجانب، ولا دولة اشلاء فلسطينية مؤقتة، بل دولة مستقلة وذات سيادة. فقد اعترف ايهود اولمرت، رئيس وزراء اسرائيل نفسه، انه اذا اضمحلت السلطة الفلسطينية فستضمحل اسرائيل ايضا، لانها ستضطر لممارسة سيطرتها المباشرة من جديد في المناطق المحتلة، والتحول بذلك الى دولة ابارتهايد رسمية، مما سيقضي على اسرائيل.

يشارك في الصبّار و"اتجار" كتاب عرب ويهود يؤمنون بقاسم مشترك هدفه المساواة الاجتماعية، ويناضلون ضد الاستغلال الطبقي ومن اجل نزع قيود الاحتلال التي تقيد العرب والاسرائيليين ايضا لان شعبا يمارس الاحتلال او يقبل به لا يمكن ان يكون حرا ابدا. نحن نناضل من اجل تحرير الانسان وتمكينه من ممارسة انسانيته وطاقاته الابداعية.

الصبّار و"اتجار" ليسا موقعين تجاريين، بل هما منحازان للعمال ولمحبي السلام والمتنورين. لا نريد ان نكون طرفا في لعبة الدم والكراهية الطاحنة، بل نسعى لبناء معسكر يساري بديل، جدي، نشط، يعيد لليسار كرامته ويخرجه من جموده لاسترداد مكانته ودوره التاريخي على الساحة المحلية والعالمية. اليوم، ونحن على وشك ازمة اقتصادية عالمية تهدد بمزيد من البطالة والفقر والاضطهاد، يصبح الصبار و"اتجار" منبرا ضروريا اكثر من اي وقت مضى.

* كلمة القيت في امسية في مسرح "عنبال" بتل ابيب بمناسبة صدور مجلة "اتجار" زميلة الصبّار بالعبرية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__160/اية_ثقافة_نريد؟
21.11.2017, 21:11