شؤون عربية

خاص بالصبّار

العمال والنضال الاجتماعي في مصر

علاء كمال

مرت الطبقة العاملة المصرية بمراحل كثيرة في علاقتها بالنظام الحاكم في مصر، سواء قبل حركة يوليو 1952 أو بعدها. استعرض فيما يلي لمحة سريعة لهذا العلاقة وخاصة في العقود التي تلت حركة الجيش وسيطرته على السلطة.

تاريخ النضال الطبقي والاجتماعي في مصر تاريخ طويل وعريق، مر بمنحنيات ومنحدرات حادة اختلت فيها موازين القوى، تارة لصالح القوى الاجتماعية، وتارة لصالح نقيضها. وطيلة كل هذا التاريخ لم تغب الطبقة العاملة المصرية عن مجرى هذا النضال، بل كانت دائما في قلبه، قائدةً، معلمةً ومتعلمة. وقد أضفت على النضال الوطني والاجتماعي بُعدا طبقيا جذريا وراديكاليا، وأخرجت الكثير من القيادات العمالية التي شكلت علامات بارزة في التطور السياسي، بما لعبته من دور رائد في دفع الحركة الاحتجاجية المصرية باتجاه مصالح الطبقة العاملة وحلفائها.

مرت الطبقة العاملة المصرية بمراحل كثيرة في علاقتها بالنظام الحاكم في مصر، سواء قبل حركة يوليو 1952 أو بعدها. استعرض فيما يلي لمحة سريعة لهذا العلاقة وخاصة في العقود التي تلت حركة الجيش وسيطرته على السلطة.

كانت التعددية النقابية السمة المميزة للفترة المصطلح على تسميتها في التاريخ المصري "الليبرالية المقيدة". في هذه الفترة تعددت الأقطاب المتصارعة على الحكم، بين القصر من جهة، والمعتمد السامي البريطاني من جهة ثانية، والأحزاب السياسية بما فيها حزب الأغلبية "الوفد" وأحزاب الأقلية من جهة ثالثة. وقد ظل الصراع محتدما بين الأطراف الثلاثة، ما أتاح الفرصة للعديد من القوى الاجتماعية أن تعمل بقوة وتنتشر في ظل عدم قدرة أي من الأطراف الثلاثة على حسم سيطرته على مقاليد الأمور.

في هذه الفترة ازدهر نضال الطبقة العاملة، وتنوعت نقاباتها حتى شملت معظم الصناعات والحرف. فإلى جانب نقابات المصانع، كانت هناك نقابات للحرفيين، نقابة ماسحي الأحذية، نقابة الزبالين، نقابة الفرانين وغيرها. كما تعددت في تلك الفترة الاضرابات العمالية في شبرا الخيمة وكفر الدوار والمعاقل الصناعية الكبرى.

باحتدام التناقضات في المجتمع وبفشل القوى الثلاث المتنازعة على السلطة، قفزت الى واجهة المسرح السياسي القوة الوحيدة التي كانت على قدر كبير من التنظيم وقطعت مجرى الصراع الطبقي والاجتماعي واستولت على السلطة وهي "الجيش". قدم الجيش للسلطة بتصور ينفي أن يكون المجتمع المصري كأي مجتمع آخر مكوّن من قوى اجتماعية وطبقات متصارعة، بل اعتبره مكونا من مجموعة من الفئات الاجتماعية التي لا تعي مصالحها، وتنخرط في صراع اجتماعي مضلل. وعلى اساس هذا التصور، قرر النظام الجديد الغاء الأحزاب المعبرة عن القوى الاجتماعية المتعددة والمتصارعة، وصادر الصراع الاجتماعي بدعوة إدماج قوى الشعب العامل في تنظيم موحد يقود عملية التنمية ويقلل الفوارق بين الطبقات.

على اساس هذا المفهوم الادماجي، جمع النظام كل القوى السياسية بتناقضاتها، وأدمجها في تنظيم واحد هو "الاتحاد الاشتراكي". ومارس النظام الضبط الاجتماعي للمجتمع من خلال اما نفي الصراع الاجتماعي بين القوى المختلفة، أو ممارسة هذا الصراع تحت عين ومراقبة النظام الحاكم الذي يتدخل دائما لمنع خروج الصراعات عن المدى المحدد والمرسوم.

ولم تنج النقابات العمالية من "مذبحة" الادماج. فقد فطن القائمون على الأمور في السلطة، على خطورة ترك منظمات الطبقة العاملة مستقلة تدير نفسها بارادة أعضائها، الامر الذي نافى تصور النظام بالنسبة لطريقة ادارته للصراع في المجتمع. ولذلك جرى ادماج كل النقابات التي بلغت نحو 2000 نقابة في 23 نقابة عامة كبيرة، ووضع في رأس التنظيم اتحادا عاما لعمال مصر، يتحكم بمقاليد الأمر العمالي. وقد سهل هذا الادماج على النظام السيطرة على هذا العدد المحدود من النقابات، كما شُرّعت قوانين حظرت التعددية النقابية والاضراب.

منذ ذلك الوقت تولت هذه النقابات واتحادها أداء وظيفتين: الاولى، التفاوض مع الدولة والنظام باسم العمال حول مصالح ومتطلبات العمال؛ والثانية، فرض الرقابة على هؤلاء العمال وقياداتهم، لضمان عدم خروجهم عن توجهات النظام الحاكم ومفهومه للعمل السياسي والنقابي.

تجلت سيطرة الدولة على النقابات في وضع رجالها في رأس كل نقابة وفي رأس الاتحاد العام لعمال مصر. ولضمان بقاء الطبقة العاملة تحت سيطرتها، جعلت الدولة العضوية في النقابات اجبارية على كل عامل.

منذ بداياته تعامل النظام بقسوة مع الطبقة العاملة ونضالاتها المطلبية. فبعد ايام قليلة من حركة يوليو 1952 اضرب عمال بمصنع كفر الدوار وكانوا على يقين بان النظام الجديد سيدعم مطالبهم الاقتصادية. فما كان من النظام الا ان رد بعنف وقام باعدام اثنين من القيادات العمالية للاضراب هما خميس والبقري. وكان هذا التصرف الاجرامي رسالة من النظام للطبقة العاملة وحلفائها بأنه لن يتهاون في مواجهة اي نضال ذا بعد طبقي، وسيقابله بمنتهى الشراسة.

منذ ذلك الحين وحتى اللحظة الراهنة تخوض الطبقة العاملة المصرية نضالاتها ضد الوضع الاستغلالي، وفي مواجهة سلسلة طويلة من القوانين التي تحظر الاضراب والتعددية النقابية وتأسيس نقابات مستقلة. وبالرغم من هذه الترسانة من القوانين الاستثنائية، مارست الطبقة العاملة المصرية نضالها وأنجزت العديد من الاضرابات التاريخية مثل اضراب المحلة 1975، الحديد والصلب بحلوان 1989، كفر الدوار 1994، وغيرها من الاضرابات والاعتصامات المحدودة.

بدخول عقد التسعينات وتوقيع اتفاقية التصحيح الهيكلي مع صندوق النقد الدولي، بدأت مصر تطبيق روشتة الصندوق التي كان من أبرز شروطها الاسراع في تطبيق برنامج الخصخصة. ويهدف هذا البرنامج لبيع الكيانات والمصانع الكبيرة ونقل ملكيتها للقطاع الخاص المنوط به قيادة التنمية في الفترة المقبلة، ورفع يد الدولة عن ادارة الاقتصاد والعملية الانتاجية.

وقد خاض العمال المصريون نضالا مريرا في مواجهة البيع وتفكيك المصانع الكبرى وفي مواجهة المعاش المبكر وغيرها من الاجراءات التعسفية. ومع توسع الدولة في تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي، تدهورت الأحوال المعيشبة لملايين العمال والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي والفلاحين، وزادت أعداد الفقراء بمعدلات درامية. وقد قدرت احصائية حديثة نشرت بالواشنطن بوست منذ أيام القليلة عدد من يعيشون تحت خط الفقر في مصر الآن بحوالي 44% من عدد السكان .

في هذا السياق بدأ الشعب المصري يتململ ويعلو صوته رافضا الأوضاع المعيشية المتدهورة، وتنوعت طرق نضاله لمواجهة هذا الوضع ومواجهة النظام الجاثم على صدره منذ أكثر من ربع قرن. وتعددت طرق المواجهة، وكان أبرزها تأسيس لجان مستقلة تجمع كل أشكال الطيف السياسي على هدف واحد، وهو ما سمح لها بتجاوز الخلافات السياسية بين الفسيفساء المكونة لهذه اللجان. وكانت الطبقة العاملة في قلب هذه المعارك وتأسست بمعرفة عدد من القادة العماليين.

"اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية والعمالية" تقوم بمهمة محددة، وهي دعم نضالات العمال في تأسيس نقابات مستقلة، ودعم فكرة التعددية النقابية ودفعها، وتقديم النصح والمشورة للقيادات العمالية الجديدة التي تعاني من افتقاد الوعي النقابي والسياسي، بسبب حالة الانقطاع الناجمة عن خروج القيادات العمالية القديمة صاحبة التاريخ النضالي من سوق العمل، اما لبلوغ سن المعاش، واما لبيع المصانع وتسريح أعداد من العمال، وغيرها من الأسباب. كما تأسست لجان عديدة لمواجهة قوانين الطوارئ، واحتمالات توريث السلطة من الرئيس الأب الى الابن.

وقد مرت مصر في تلك الفترة بحالة زخم كبير، وكان الكل يتناقش ويفكر في حلول وطرق لمواجهة ما يحدث. وقد نضج المزاج النفسي للجماهير وأصبح قابلا للجهر بصوت عال ومواجهة السلطة بمطالبه وبحلول لما آلت اليه الأحوال المعيشية.

وفي هذا السياق بالضبط وُلدت الحركة المصرية من أجل التغيير" كفاية" معبرة عن قطاعات كبيرة من الشعب المصري، وكانت المرة الأولى التي خرج فهيا المصريون للتظاهر في الشوارع ومهاجمة رئيس الجمهورية بالاسم والمطالبة باسقاطه بلا خوف. ولكن حركة كفاية بسبب كونها أسست بواسطة النخب السياسية، فقد طرحت مطالب، بالرغم من أهميتها، الا انها لم تمس جوهر وجذور الاستغلال القائم، وتراوحت المطالب بين: رفض توريث السلطة، اسقاط حالة الطوارئ، استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، التوقف عن تزوير الانتخابات، تشكيل جمعية تأسيسية لاقرار دستور جديد للبلاد، وغيرها من المطالب ذات الملمح البرجوازي الديمقراطي.

وكان لحركة كفاية تأثير ايجابي وتأثير سلبي. تمثل التأثير الايجابي في أنها نجحت في استغلال الأوضاع المحلية والعالمية، والمتمثلة بالضغوط التي كانت تمارسها الادارة الأمريكية على النظام المصري لتوسيع المجال الديمقراطي. واقتحمت الشارع المصري بقدر كبير من الجرأة انتقل فيما بعد لصفوف شرائح كبيرة من المصريين. ازاء هذا التطور اضطرت السلطة لتقديم بعض التنازلات، منها اجراء أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ، وهي بحق حدث فريد برغم التزوير الذي حصل في نتائج هذه الانتخاباتـ الا أنها تعتبر خطوة متقدمة على طريق طويل.

أما الأثر السلبي فتمثل بمحدودية البرنامج المطلبي لكفاية، والذي لم يمس الوضع المعيشي والاجتماعي الاقتصادي للشعب المصري. فقد تركز التجلي الأكبر لعملها السياسي في التظاهر فقط، وهو ما أثر على الحركة بشدة حينما تغيرت الظروف الدولية والاقليمية التي سمحت باطلاق يد نظام الحكم المصري لسحق حركة الاحتجاج التي استمرت نحو عامين.

ومع وصول حركة كفاية الى مفترق طرق، اقتحمت الطبقة العاملة المصرية المشهد السياسي ومنحت حركة التغيير بُعدها الطبقي والراديكالي. وقد دخلت المشهد السياسي ببرنامج مطلبي ركز على جذور عملية الاستغلال والأوضاع المعيشية المتدهورة، وحملت مطالب كل الشعب المصري بأجر عادل، ساعات عمل محددة، وقف عملية بيع المصانع، وتأسيس نقابات للعاملين بمصانع القطاع الخاص بالمدن الصناعية الجديدة والمحرومين من وجود نقابات تدافع عن مصالحهم. ولكن الهدف الاهم الذي تمحور حوله النضال العمالي كان "رفع الحد الأدنى للأجور".

في العام والنصف المنصرمين شهدت مصر حالة مزدهرة من النضال العمالي، شملت سلسلة من الاضرابات والاعتصامات حقق فيها العمال مكاسب ملموسة في ضوء توازن القوى بينهم وبين النظام، وفي ضوء حدود وسقف عملية المفاوضة والمساومة الجماعية بين العمال والنظام الحاكم. تُوّجت هذه الاضرابات باضرابين في المحلة الكبرى، شكلا علامة بارزة في تطور الحركة الاضرابية المصرية. فرغم الشروط التعجيزية الواردة في قانون العمل حول آليات وخطوات القيام بالاضراب، الا أن عمال المحلة ضربوا بها عرض الحائط ومارسوا مفهومهم هم عن الأضراب.

هكذا وُلد اضراب كانون اول (ديسمبر) 2006، وتلاه اضراب ايلول (سبتمبر) 2007. وكان لهما أثر ضخم على الأوضاع داخل مصر، فقد منحا الأمل والقوة للعديد من الفئات التي استلهمت نضال العمال وبدأت تحفر مجرى نضاليا خاصا بها. على هذا الاساس تشكلت حركة "معلمون بلا نقابة" وفاوضت على كادر أجور المعلمين، كما تأسست حركة "أطباء بلا حقوق" وهي تناضل الآن من أجل تحسين كادر أجور الأطباء، كما يطالب القضاة بكادر أجور محدد.

لقد نقلت الطبقة العاملة المصرية الثقل السياسي لحركة الاحتجاج في مصر من المطالب البرجوازية الديمقراطية التي قادتها النخب السياسية، الى برنامج مطلبي ذي بعد اجتماعي وطبقي. وفي تقديري ان هذا هو سبب العنف الشرس والجنوني الذي قابل به النظام المصري اضراب المحلة الأخير الذي كان مقررا له السادس من ابريل الماضي. فقد أصيبت الدولة بالهوس بسبب حالة التضامن الكبيرة التي دعا لها ناشطون مصريون لتحويل يوم السادس من ابريل الى يوم اضراب عام تضامنا مع عمال المحلة، احتجاجا على الأوضاع المعيشية السيئة.

أن ينتقل الحس النضالي الطبقي من العمال الى شرائح المجتمع الأخرى، على نحو يسمح للطبقة العاملة بقيادة النضال في الفترة القادمة، هذا ما لا يحتمله النظام على الاطلاق. ولذلك سعى بشراسة الى تلقين مدينة المحلة من عمال ومواطنين، درسا في العنف المنفلت الدموي لم يكن المستهدف منه مدينة المحلة فقط، بل كان رسالة معمدة بالدم لكل القوى المهمومة بالتغيير في مصر. وقد أكد النظام انه لن يسمح بانتقال الحس النضالي العمالي من الطبقة العاملة الى الطبقات والفئات الأخرى، ولن يسمح بقيادة الطبقة العاملة لحالة الاحتجاج وتعبيرها عن مطالب الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى المصرية.

ولكن الحسم ليس مرهونا فقط برغبة النظام وقدرته على ممارسة العنف، وانما هو متعلق ايضا بقدرة الطبقة العاملة على تطوير نضالاتها وتنظيم صفوفها بما يسمح بخلق توازن قوى جديد مع النظام، يمكّن الطبقة العاملة من احراز المزيد من المكتسبات، ويسمح لها أيضا برفع سقف عملية المفاوضة الجماعية والمجتمعية مع النظام.

وستظل الطبقة العاملة هي رأس الرمح لكل المضطهدين والمحرومين، وأتوقع أن تشهد الفترة القادمة جولات أخرى بين الطبقة العاملة ببرنامجها المعبر عن مطالب المجتمع، وبين النظام الاستغلالي الحاكم في مصر.

* علاء كمال ناشط شيوعي مصري مستقل، مهتم ومنخرط في نضالات الطبقة العاملة

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__158
18.11.2017, 15:11