تاريخ النشر ١٥/٠٥/٢٠٠٨

فكر ورأي

موقف الصبّار

على نفسها جنت براقش

"على نفسها جنت براقش" - هكذا وصف حسن خليل، المعاون السياسي لحسن نصرالله، قراري حكومة فؤاد السنيورة الإطاحة بضابط مطار بيروت، وفيق شقير، وإبطال شبكة الاتصالات التي تخدم حزب الله. جاء هذا التصريح بعد "انتصار" حزب الله على خصومه من الموالاة في حرب خاطفة تمكن فيها من احتلال بيروت وجبل الشوف خلال ساعات معدودة. وقد اجبر حسن نصر الله الحكومة على التراجع عن قراريها، لينتهي بذلك فصل جديد من فصول النزاع الطائفي في البنان المستمر دون اية امكانية للحسم.

ولكن في الواقع، لم تكن الحكومة من جنت على نفسها وجرت عليها الويلات، بل لبنان برمّته بما فيه حزب الله. فمن الازمة الاخيرة تبين ان لبنان ليس دولة بل فيدرالية طائفية، تعتمد على دستور طائفي متعلق تطبيقه بإجماع ووفاق بين كافة الطوائف. فالديموقراطية اللبنانية لا تحتمل معادلات غربية مثل "الاغلبية والأقلية" ولا تعترف بمصطلحات مثل "حكومة ومعارضة"، كما شهدنا في الشوارع اللبنانية في الايام الاخيرة. لغة الطائفة هي وحدها التي تحكم، والسلاح وحده الذي يحسم.

وقد لوحظ في وسائل الاعلام العربية اختلاف التسميات والتوصيفات لما حدث. قناة "الجزيرة" القَطرية ارتأت استخدام مصطلح "معارضة" للتعبير عن حزب الله وانصاره، اما "العربية" السعودية فاستخدمت تعبير "انقلاب حزب الله"، ويبقى على المشاهد ان يقرر من الادق.

غير ان الحقيقة هي ان من بادر للهجوم المسلح كان حسن نصر الله الذي يتصرف كما لو كان الحاكم الاعلى للبنان، تماما كما حدث إبان حرب لبنان الثانية في تموز 2006. ومع ذلك، لم يكن بمقدور نصر الله الاقدام على خطوة خطيرة كالهجوم المسلح ضد تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، دون الغطاء السياسي الذي وفره له التيار الوطني الحر بقيادة الجنرال ميشيل عون، احد ابرز زعماء الطائفة المارونية.

ليس سرا ولا جديدا ان حزب الله يقيم تحالفات غير مبدئية. فقبل حرب تموز 2006 كان حليفا للحريري، ثم انتقل للتحالف مع عون. ففي حين يصر خصوم نصر الله على وصف ما يجري بانه نزاع طائفي بين حزب الله الشيعي التابع لايران من جهة، وبين تيار المستقبل السني التابع للسعودية من جهة اخرى، يستعين نصر الله بحلفائه من الطائفة المارونية، ليدعي ان النزاع لبناني-لبناني وليس فتنة طائفية.

غير ان تاريخ عون نفسه يشير انه لا علاقة له بالمقاومة، وليست له مصلحة في محاربة اسرائيل. كل ما يريده الجنرال السابق هو تحسين موقعه داخل الطائفة المارونية، على حساب حزب الكتائب التابع لامين الجميل وحزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع. وكان عون في السابق متحالفا مع سعد الحريري، ثم انتقل لمعسكر نصر الله لتحسين موقعه والوصول لمنصب الرئاسة.

ومع ان الصراع هو طائفي في جوهره، بامكاننا تشخيص الخطوط السياسية لهذا الصراع، مع الاخذ بالاعتبار ان الانتماءات السياسية للطوائف قابلة للتغير حسب تغير المصالح الآنية لكل فئة.

صحيح ان الطائفة الشيعية تقف في الوقت الحالي مع المحور الايراني السوري، في حين تقف الطائفة السنية والدرزية مع المعسكر الامريكي الاسرائيلي. في الماضي كان الوضع معكوسا، فقد وقف السنة والدروز مع الفلسطينيين، في مواجهة الشيعة والموارنة الذين حظوا بدعم سوري واسرائيلي. اما نصر الله فكان، كما ذكرنا، حليفا استراتيجيا لرئيس حكومة لبنان، رفيق الحريري، طيلة المدة التي حافظ فيها على علاقات ودية مع دمشق دون ان يخل بعلاقاته مع امريكا وفرنسا.

يعتبر الكثيرون ان حقيقة كون السنة موالية للمعسكر الامريكي الاسرائيلي، كافية لاعطاء الدعم تلقائيا للمحور الايراني السوري المضاد. ولكن هناك اشكالية يصعب حلها. فايران ليست دولة ديموقراطية تحارب الرأسمالية والاستعمار، بل هي دولة طائفية اصولية ورأسمالية ايضا، لها اعتباراتها الضيقة جدا، وهي لا تحرّم التحالف مع امريكا مبدئيا، الامر الذي نراها ساطعا في العراق مثلا. الرئيس الايراني، محمود احمدي نجاد، هو ضيف عزيز في بغداد لدى الحكومة الشيعية العراقية التي اقيمت حسب تعليمات الامريكان. المفارقة ان "الموالاة" لامريكا في بغداد هم انفسهم اصدقاء نصر الله وايران، بينما يشكل السنة العراقيون ألدّ اعداء الامريكان.

واضح مما تقدم انه ليس بالامكان حصر المشكلة اللبنانية في مصطلحات "العملاء" و"الوطنيين"، على اعتبار ان هذه المصطلحات نسبية وتتغير معانيها حسب المكان والزمان. وعمليا الصراع الحقيقي هو الصراع الثقافي الاقتصادي القائم في كل العالم العربي، بين معسكرين: الاول معسكر يسعى للالتحاق بالاقتصاد الرأسمالي والسوق الحرة، على حساب اغلبية العمال والفلاحين؛ والثاني معسكر المهمّشين الذين تحتكر تمثيلهم الحركات الاسلامية بهدف نشر برنامجها الديني الاصولي دون اعطاء حل حقيقي لمعاناتهم بل بالعكس تجييرهم لخدمة الشريحة الحاكمة سواء في ايران او غزة او السودان. في لبنان المهمشون هم الشيعة الفقراء، وفي غزة هم الفلسطينيون اللاجئون والعمال والبؤساء.

لبنان هو نموذج لما يحدث في العالم العربي كله. في مصر ادى الصراع بين الحكومة والاخوان المسلمين، واحيانا التعاون بينهما، الى قمع كل الحريات وتحديدا حرية الطبقة العاملة في التنظيم النقابي الديموقراطي؛ في العراق، ادى الصراع الى حرب اهلية تفتك بالبلد وتفسح المجال لتغلغل النفوذ الايراني والأمريكي في آن معا، ومن اوسع الابواب؛ في فلسطين تراجع وضع الشعب الفلسطيني سنوات الى الوراء، ودخل في حالة انقسام تشبه الوضع اللبناني من ناحية معسكر "الموالاة" ومعكسر "المقاومة". وفي كل مكان تبقى الجماهير، من عمال وفلاحين، مغلوبة على امرها، ضحية لحرب اهلية، فساد وانهيار اقتصادي، دون افق للحل.

الازمة عميقة لدرجة انه حتى لو توصلت الطوائف، او الموالاة والمعارضة، الى وحدة وطنية فيما بينها، فهذا لن يحل المشاكل العويصة التي يعانيها العالم العربي. صحيح ان الوقف المؤقت للصراع وحقن الدماء هو افضل من الحروب الاهلية الدموية وانعدام الامان والاستقرار، ولكن هذا لا يحل ازمة الفقر والبطالة وانعدام الحريات الديمقراطية التي تعانيها الجماهير وخاصة العمال والفلاحين.

اية "وحدة وطنية" بين الاطراف المتصارعة اليوم، تهدف الى اعادة تقسيم الكعكة بين ايران، السعودية، امريكا واسرائيل. قد يتوصلوا لقواسم مشتركة للتهدئة، ولكن هذا لا يعني انهم سيأخذون مصالح الطبقة العاملة بالحسبان. من هنا، فلا مصلحة لأي حزب عمالي يساري في دعم احد الطرفين، هذا اذا كان جادا في بناء برنامج بديل للبرجوازية بصبغتها الامريكية او الدينية. ان الالتحاق بالمعارضة او بالموالاة انما يضلل الطبقة العاملة ويخلق البلبلة في صفوفها، بدل توعيتها لمصالحها الطبقية والاجتماعية والسياسية الحقيقية، والدفاع عن نفسها بشكل مستقل.

ان هذه الازمات تستدعي موقفا مستقلا، يُبعد الطبقة العاملة عن التناحر الطائفي والمذهبي، لصالح موقف اممي يوحد كل العمال على اساس المصلحة الطبقية دون تفريق على اساس الانتماء الديني او الطائفي او غيرها من الانتماءات. موقف كهذا يستدعي برنامجا مطلبيا واضحا يدعو للكف عن الحروب الطائفية واتخاذ موقف معارض واضح من احتلال العراق وفلسطين، يدعو للكف عن الخصخصة والبطالة، يقف بصلابة ضد كل اشكال الارهاب الفكري والمزايدات القومية المتعصبة، وينادي للدفاع عن حرية الرأي والديموقراطية الحقّة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__157
20.11.2017, 15:11