شؤون عربية

شهادة حيّة

العمال المصريون يفرضون انفسهم على الساحة

اسماء اغبارية-زحالقة

لم تكن تلك رحلة سياحية. ما دفعني انا ورفيقتي سامية ناصر للقيام بالزيارة، كانت الحالة الجديدة التي تمر بها مصر مؤخرا. فبعد سنوات من الصمت والقهر، انتفضت الطبقة العاملة المصرية معلنة عن وجودها. اهتز النظام المصري ازاء سلسلة الاضرابات العمالية المتعاقبة، ووصلت ذروتها في احداث 6 ابريل الاخير في المواجهات الدموية بين اهالي المحلة ورجال الامن.

الطريق من المطار القديم الى الفندق تبوح بسر الحكاية: ابراج حديثة تتستر على مبانٍ كثيفة متساقطة؛ سيارات قديمة تجري منذ عقود بالقوة السرمدية وتخترقها متعجرفةً سيارات حديثة فارهة؛ لافتات شوارع ضخمة تروّج لشركات عالمية. وكل هذا يعيش جنبا الى جنب مع مساجد عظيمة البناء تشهد على حقبات تاريخية كانت فيها مصر مركزا اسلاميا وحضاريا، وليست مجرد دولة عالم ثالث، تتهافت عليها الشركات المعولمة لاستغلال الايدي العاملة الرخيصة. كان هذا لقائي الاول مع القاهرة. وكان عشقا من النظرة الاولى. عشقا للبلد ولعمالها الصامدين.

لم تكن تلك رحلة سياحية. ما دفعني انا ورفيقتي سامية ناصر للقيام بالزيارة، كانت الحالة الجديدة التي تمر بها مصر مؤخرا. فبعد سنوات من الصمت والقهر، انتفضت الطبقة العاملة المصرية معلنة عن وجودها، ومطالبةً بابسط حقوقها في اجر كريم وظروف عمل انسانية تمكّنها من مواجهة موجة غلاء الاسعار في ظل سياسة الخصخصة المسعورة. اهتز النظام المصري ازاء سلسلة الاضرابات العمالية المتعاقبة من الاسكندرية لاسوان، والتي اشتعلت اول ما اشتعلت في اضرابات عمال مصانع الغزل والنسيج بالمدينة الصناعية "المحلة الكبرى" شمالي القاهرة منذ عام 2006، ووصلت ذروتها في احداث 6 ابريل الاخير في المواجهات الدموية بين اهالي المحلة ورجال الامن.

حزمنا الحقائب وطرنا الى القاهرة في 24 ابريل، حيث التقينا بقيادات يسارية وقومية مختلفة، للوقوف على حقيقة وضع الطبقة العاملة وافق الحركة العمالية الجديدة التي تجتاح مصر. بين القيادات التي التقيناها اعضاء في "اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية والعمالية" اليسارية التي ساهمت بفاعلية في ارشاد العمال لتنظيم اضرابهم، قادة في الاتحاد العام للنقابات، حزب التجمع، حزب الكرامة الناصري، لجنة التضامن مع الفلاحين، "اطباء بلا حقوق"، "مهندسون ضد الحراسة"، وحتى مناضلين مصريين في منظمة التحرير، وغيرهم.

كان تفاؤلنا كبيرا ونحن نجلس امام القيادات من مناضلين تاريخيين يساريين معروفين، يجلسون الينا وهم على قدر كبير من التواضع، ويجيبون بصبر ورحابة صدر على اسئلتنا الكثيرة. الرفيق علاء كمال الذي تطوع في ترتيب اللقاءات استغرب بنفسه قبول الكثيرين اللقاء معنا، علما اننا نشطاء في حزب اممي يجمع رفاقا عربا ويهود، وذلك بسبب اجواء "معارضة التطبيع" التي بلغت درجة كبيرة من الانغلاق القومي الى حد انها اخذت الجميع بجريرة الصهيونية من يهود وحتى عرب ال48 انفسهم، لمجرد حملهم جواز سفر اسرائيلي.

ظلال هذه المفاهيم لم تخفَ عنا من اللقاء الاول. بثقة كبيرة قلت اننا هنا للتضامن مع عمال مصر وللبحث عن علاقات مع قوى يسارية تقدمية. ابتلعت ريقي وانا لا اصدق الجملة الاولى التي سمعتها: "لن تكون مهمة سهلة اقامة علاقات. بطش اسرائيل مؤخرا والخطاب القومي الحاد والاسلامي خلق بلبلة في صفوف اليسار. في الماضي كنا اكثر دقة، كنا نفرق بين الصهيونية واليهودية، اما اليوم فقد اختلف الوضع".

ضياع الهوية الاممية لليسار كان صدمتي الاولى. ولكن مع هذا فسرعان ما تعدل الانطباع وذاب الجليد لان القواسم المشتركة كانت كبيرة واللغة المشتركة اكبر. لم يكن صدفة هذا التغيير. فالنهضة العمالية بدأت تفرض لغة حوار جديدة، تجمع ولا تفرق بين كل من تهمه مصلحة الطبقة العاملة.

في جميع اللقاءات ساد إجماع متفائل بان احداث المحلة تعبر عن تدشين لحركة نقابية جديدة. حسب جميع من تحدثنا اليهم، تمر مصر بحالة مخاض لولادة مرحلة جديدة من الحراك الاجتماعي العمالي. واتفق الجميع ان الحركة عفوية تلتف حول مطالب موضوعية، سعيا لاسترداد حقوق اقتصادية مثل رفع الاجور، وهي تولّد من داخلها قيادات عمالية طبيعية، ولا تسيطر عليها القوى السياسية ولا حتى اليسارية. مع انها عفوية الا انها منظمة، اذ انها تتبع اساليب نضالية متنوعة استفادت فيها من خبرة الحركة العمالية المصرية عبر تاريخها الطويل.

6 ابريل: ليس حدثا عابرا

الدافع الاساسي وراء الزيارة كانت احداث 6 ابريل. وسرعان ما تبين لنا اننا لسنا امام حدث عابر او تفجر غضب شعبي بسبب غلاء مؤقت للاسعار، بل نقطة فاصلة في تحول عميق ومنعطف حاد يمر به المجتمع المصري، لا رجعة عنه للوراء. تبين ان الاحداث جاءت ذروة في سلسلة من الهبات والاضرابات العمالية المنظمة بدأت اواخر عام 2006 وكسرت صمتا استمر 12 عاما، اذ كان آخر اكبر اضراب في كفر الدوار عام 1994.

المياه كانت تغلي منذ مدة، وتفجرت في 6 ابريل التي كانت عبارة عن التقاء لعدة روافد: اهمها حركة عمالية عفوية مطلبية تناضل لتحسين اجورها وظروف عملها، والثاني غضب شعبي متزايد بسبب موجة الغلاء وازمة الخبز الذي غلى ثمنه وصغر حجمه، والتي عصفت بدول متعددة من العالم. ولا نغفل الرافد الثالث هو عنصر الشباب المصري على "الفيسبوك" وعددهم 70 الفا، الذين دعوا لحملة "خليك في البيت" وخلقوا بيئة وترقبا لشيء كبير سيحصل في هذا اليوم.

تبين ان عمال النسيج يعانون اكثر من غيرهم من قطاعات عمال القطاع العام. عمال المحلة بالذات يتقاضون 105 جنيه شهريا. وكان للاضراب 14 مطلبا، اهمها رفع الحد الادنى للاجور الى 1200 جنيه، حجب الثقة عن اللجنة النقابية التي انتخبت عام 2006 وسط تزوير للنتائج والمطالبة باجراء انتخابات جديدة، ورفع بدل الوجبة من 42 جنيه الى 150 جنيه او توفير وجبة ساخنة.

قوى سياسية مثل "كفاية" و"حزب العمل" الاسلامي دعت لاضراب عام وعصيان مدني مما استغله النظام لاستنفار مليون ونصف المليون من قوات امنه، والسيطرة على المصنع. في هذه الظروف اضطر العمال لارجاء الاضراب، ولكن هذا لم يمنع الاشتباك الدموي بين الجماهير الفقيرة من اهالي عمال المحلة، مما اسفر عن سقوط ثلاثة شهداء وعشرات الجرحى واعتقال المئات.

الرد على الخصخصة

ليس صدفة ان يبدأ التحرك بعد تولي احمد نظيف رئاسة الحكومة في 2004. فمنذ ذلك التاريخ دخلت سياسة الخصخصة الى وتيرة متسارعة، تطبيقا لتعليمات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي التي تنص بالاساس على تفكيك مؤسسات القطاع العام. نتائج هذه السياسة كانت من جهة ارتفاع نسبة النمو الى 7%، ولكن كما هو الحال في بلدان عديدة اقتصر النمو على شرائح محددة استفادت من العولمة، بينما ساءت احوال العمال والقطاعات الواسعة من الشعب.

صابر بركات، القيادي النقابي البارز في اللجنة التنسيقية قال لنا: "ان نتائج سياسة الخصخصة كانت مدمرة على العمال والفقراء. نتيجة ارتفاع الاسعار، الفساد والاحتكارات كانت المزيد من البطالة والفقر. بين الاعوام 1996-2006 تمت احالة 750 الف عامل للتقاعد المبكر مقابل 20-30 الف جنيه دفعت لمرة واحدة، ووصل عدد العاطلين عن العمل 12 مليون انسان يشكلون 25% من القوة العاملة المصرية.

"النسبة العظمى من العمال تحولوا للقطاع الخاص، ولم يبق في القطاع العام سوى 400 الف عامل فقط. ومنذ اواخر التسعينات بدأت موجة من المؤامرات لاعادة الاراضي للاقطاعيين، حتى انه بين 2003-2005 بقي الكثير من الفلاحين دون مصدر رزق، وبدؤوا يتوافدوا على المدن المجاورة مما زاد البطالة والمعاناة".

العمال والخصخصة

رد فعل العمال على الخصخصة جاء واضحا، فقد كسروا حاجز الخوف من النظام وكانوا كمن قال عنهم ماركس لم يعد لهم سوى القيود يفقدونها.

يقول بركات: "منذ مطلع ال2000 بدأ التفكير في بناء تنظيمات عمالية مستقلة ضاغطة. "اللجنة التنسيقية" هي ترجمة معينة للامر وقد بدأت عام 2001. انا شخصيا خرجت من نقابة الحديد والصلب بعد ثماني سنوات كنت فيها امينا عاما، وذلك بعد ان اكتشفت انه لا يمكن اصلاح النقابات من الداخل. رفعنا شعار من اجل بناء نقابات ديمقراطية مستقلة عن الدولة، وعن اصحاب العمل والاحزاب السياسية كافة".

مع هذا اكد ان: "هدف النقابة هو الدفاع عن حرية الرأي، فلا يمكن ان تكون نقابة حقيقية اذا لم تدافع عن حقوق اعضائها الاجتماعية والاقتصادية والتي هي انعكاسات للسياسة".

النقابي البارز في المحلة حمدي حسين قال لنا بوضوح: "انه من عام 1994 حتى ديسمبر 2006 توقفت الحركة العمالية، ولم تكن كوادر كثيرة وقيادة عمالية على درجة عالية من الوعي لينظموا اضرابا. في ديسمبر 2006 خلقت ظاهرة من عمال غير سياسيين، برزت بينهم النساء ونقابيين كبار في السن امثال وائل حبيب. بعض العمال منتمٍ لليسار او حزب التجمع، وبعضهم لا يخضع لبرنامج حزبي معين. بدأنا نشكل لجانا عمالية نشطة بهدف تثقيف العمال ومنها "اللجنة التنسيقية"، وهدفها عقد ندوات وتثقيف العمال وتنظيم مشروع كوادر".

خطاب جديد

التحرك العمالي فرض على الواقع خطابا سياسيا جديدا، بعد ان انفرد الخطاب القومي والاسلامي بالسيطرة على حديث الشارع. فاذا كنا نسمع عن مصر من خلال قمع كاتب ليبرالي ما او حرق كتاب او تفجير العالم على موضوع الحجاب، فان شيئا كبيرا وقع. منذ رفع العمال رؤوسهم، لم يعد بالامكان تجاهلهم. لقد فرضوا انفسهم على الساحة، وبكل القوة.

لعل اهمية التحرك العمالي في انه بدأ يكشف طبيعة القوى السياسية القائمة، من النظام، للاخوان المسلمين لليسار بكل اقطابه. فقد فرضت الطبقة العاملة اجندة اجتماعية جديدة وطرحت اوضاع الناس المعيشية بقوة على طاولة البحث، وفي صدارة وسائل الاعلام. وصار الحدث من الخطورة بدرجة أجبرت كل القوى السياسية لاتخاذ موقف منه بالسلب او بالايجاب.

حتى الآن كانت القوى السياسية محكومة بالمعادلة الثنائية "النظام مقابل الاخوان"، وكان بقية القوى بما فيها اليسار تصطف حسبها، كما لو كانت مضطرة ان تدعم طرفا على حساب طرف.

صحيح ان "كفاية" التي انطلقت عام 2004 كانت الاولى التي تحدّت معادلة "النظام الاخوان" ولكن دون ان تكسرها. فهي كانت مدعومة بموازين قوى فرضتها الولايات المتحدة المطالبة باصلاحات ديمقراطية، وانتهت عندما غير الامريكي اعتباراته. كونها عبرت عن شرائح ليبرالية برجوازية ضيقة من المجتمع، جعلها تتجاهل القضايا المعيشية للاهالي ولا تخرج ضد سياسات العولمة.

ولكن عندما نتحدث عن الطبقة العاملة فنحن نتحدث عن شعب بأكمله يعاني من نتائج السياسة الاقتصادية التي يتبعها النظام. بالنسبة للطبقة العاملة، العولمة هي مشكلة اقتصادية مربوطة بمشكلة سياسية، وهي منع النظام لانتخابات نقابية حرة وهذا له انعكاس على فقدان الحريات الديموقراطية وتحريم الاحزاب بشكل عام.

هذه النظرة العمالية من شأنها توحيد كل شرائح المجتمع ليس على اساس مذهبي، بل ديموقراطي، علما ان حركة الاضرابات العمالية واسعة بقدر انها تعبر عن مطالب فئات مختلفة من الشعب المصري من عمال، موظفين ومثقفين. هذا ما يجعل الكثير من السياسيين والمحللين والخبراء يرون في الحركة العمالية الجديدة طليعة لحركة التغيير الديمقراطي في مصر، وليس المطلبي فحسب.

هذا بالضبط ما يخيف النظام الذي تجند بكل قوته لقمع التحرك العمالي. فهو يدرك انه ليس امام مجرد حركة مطلبية داخل مصنع، ويفهم ان المحلة الكبرى انما تعبر عن مصر كلها. لذا كان رد فعله عنيفا جدا وقمعيا.

من جهة اخرى، كان واضحا ان الاحداث فرضت على النظام ان يغير خطابه وان يتطرق صبح مساء للاوضاع الاقتصادية. فخرج في يوم الاول من ايار يعلن عن علاوة في الاجور بقيمة 30%. ولكن الكل يدرك انه انما يطفئ النار دون ان يعطي الحل الجذري للمشكلة، لانه ببساطة لا يريد التخلي عن سياسة الخصخصة، اذ انه اول المستفيدين منها باحتكاراته وفساده.

مع هذا وجد النظام نفسه مضطرا ازاء الضغط الشعبي للخروج الى الناس لتفسير نفسه وتحليل الوضع الاقتصادي. منذ الحدث لا ينفك جمال مبارك، الذي يستعد لوراثة والده في الحكم، عن التصريح في وسائل الاعلام حول بان الخصخصة هي الوسيلة الوحيدة لانعاش الاقتصاد المصري وفتح اماكن العمل.

الاخوان المسلمون ايضا لم يفهموا من اين خرجت عليهم هذه الحركة الجديدة. وبعد ان حاولوا تقزيم احداث 6 ابريل واعلنوا عدم مشاركتهم فيها، اضطروا اليوم لادراجها في خطابهم لدرجة الادعاء بانهم هم القيادات الحقيقية وراء التحركات العمالية. مع ان الجميع يدرك ان الاوضاع الاقتصادية المعيشية، الخصخصة والعولمة، كلمات غير موجودة في قاموس الاخوان.

واذا كان العمال يرون في العولمة مشكلة اقتصادية تعبر عن مشكلة سياسية، فان الاخوان يرونها من منظور ايديولوجي محصور وغيبي، ويعتبرونها مشكلة ثقافية حضارية، فهي الغرب وهي الكفر والاباحة.

لهذا السبب بالذات يفضل النظام تطرف الاخوان المسلمين ونظرتهم المذهبية الطائفية، لانها مهما بلغت من قوة، الا انها لا يمكن ان توحد اقطاب الشعب كله، علما انها في نهاية المطاف غير ديمقراطية ولا تقدم برنامجا اقتصاديا بديلا للنظام الرأسمالي والخصخصة. وليس هذا فحسب، بل يستغل النظام الاخوان لتخويف الناس من الغرب وقيمه بما فيها الديمقراطية.

الكثيرون ممن تحدثنا اليهم وصفوا الاخوان بانهم "مع اصحاب الاعمال ضد العمال ومع الاقطاعيين ضد الفلاحين وان دعايتهم تلعب دورا مثبطا في مقاومة الفلاحين".

فرصة لليسار

النهضة العمالية لم تفاجئ النظام فحسب، بل فاجأت حتى الاحزاب اليسارية. علينا التوضيح ان اليسار يضم طيفا واسعا من اشتراكيين بانواعهم وقوميين ناصريين. وفي حين انضوى بعض اليسار في كنف النظام بالذات الحزب الشيوعي في حزب "التجمع" خوفا من الاخوان، ما أفقده مصداقيته في نظر الشعب، هرع البعض الآخر لدعم الحركات الاسلامية بما فيها مقاومة حماس وحزب الله.

لاحظنا اصرارا عنيدا في حديث من تحدثنا معهم على التركيز على عفوية الحركة العمالية، وعدم ارتباطها بقوى سياسية لا يسارية ولا يمينية. لم يكن من الصعب اذن ان نستشف غياب القوى السياسية التنظيمية لليسار التقدمي، والفريد ان احدا من قوى اليسار التي التقيناها لم يحاول ان ينكر ذلك بل اعترف بضعف اليسار الشديد.

اسباب هذا الضعف عديدة، يحصي منها بركات انهيار الاتحاد السوفييتي، ذوبان اليسار في البرنامج الوطني للحزب الحاكم من خلال دخوله في حزب "التجمع" وتنازله عن بناء حزب يساري ثوري مستقل، واخيرا بسبب قبضة النظام ورجال امنه التي زجّت بالقيادات العمالية اليسارية في السجون وحرمتها من المشاركة في انتخابات اللجان العمالية في المصانع عام 1996، بعد ان كانت نجحت في السيطرة عليها في انتخابات النقابات مطلع التسعينات. ولا شك ان كل هذه العوامل ادت الى "ترهل سياسي"، كما يقول بركات، زاده حدةً ظهورُ الاخوان المسلمين في الثمانينات.

الضربات التي تعرض لها اليسار والتي لا يزال يواجهها بسبب القمع السياسي، تجعل مهمة النهوض من الضعف مهمة غير سهلة، خاصة ان النظام قد استشرس وهو يشعر بخطر التحرك العمالي الجديد. ولكن يمكن القول ان النهضة الاخيرة خلقت مناخا ملائما لخطاب جديد بعيدا عن الخطاب القومي او الاسلامي، يفسح المجال لبناء بديل ثالث عمالي يساري اممي. مع النهضة العمالية لوحظ ان هذه القوى اليسارية بدأت تنتعش وترفع قامتها من جديد، علما ان الحركة العمالية هي بيئتها ومحيطها الطبيعي للنشاط.

بغياب الحركة العمالية، اضطر اليسار ان ينشط في الساحة الوطنية. في عام 2000 دعم الانتفاضة الفلسطينية، وبالتحديد دعم المقاومة الاسلامية "حماس"، مما جعله يؤجل محاولاته لبناء قوة سياسية جديدة، الا انه رأى في النشاط الشعبي لدعم الفلسطينيين عاملا ايجابيا، اذ انه اكتشف قدراته على التنسيق بين اطرافه المختلفة.

محاولة للوحدة عام 2006 في اطار "اتحاد اليسار" فشلت على خلفية الموقف من حرب لبنان الثانية، واتضاح دعم اطراف معينة داخله لمقاومة نصر الله، ورؤية آخرين ضرورة معارضة اسرائيل ونصر الله في آن معا، واهمية بناء موقف يساري ثوري مستقل.

لا شك ان هذا النقاش على قدر كبير من الاهمية، خاصة في ظل النهضة العمالية. والسؤال الذي سيواجهه اليسار في محاولات اعادة بنائه هو هل يتحرر من آرائه مسبقة وقيوده الفكرية التي ادخلته الى نوع من الجمود ويخرج نفسه من المعادلة الثنائية "النظام مقابل الاخوان" ويسعى للاستقلال؟

الجواب الاكيد هو ان خيار البقاء مع حزب الله وحماس لن يمكّنه من بناء بديل للنظام. فهذه الحركات الدينية الطائفية هي الوجه الثاني لنفس النظام، وهذا سيحكم على اليسار بان يبقى مع غشاوة على عينيه محصورا في رؤى قومجية متعصبة او اسلامية غيبية لا تجعله يرى حلفاءه الحقيقيين.

التحدي الحقيقي يصبح اكبر بعد ان اخرج العمال انفسهم من المعادلة و"اعلنوا استقلالهم". وقد بدأنا نلمس محاولات لمجاراة الاحداث السريعة. حتى ان التجمع نفسه اومأ للحزب الشيوعي بان يتحرك بشكل مستقل عنه في محاولة لاجتذاب العمال، وذلك بعد تضرر مصداقية التجمع بسبب دعمه للنظام.

الحركة العمالية أبدت جاهزية عالية للمواجهة، انها فرصة سانحة لليسار لاعادة بناء نفسه. فاذا تعلم كيف يتعامل مع هذه الحركة العمالية العفوية، فمن الممكن ان يتحول الى قوة ذات نفوذ تكون المعارضة الحقيقية الجذرية للنظام، وليس المعارضة الوهمية التي يقترح الاخوان والذين لن يتوانوا عن الاصطفاف مع النظام ضد العمال.

الانجاز الاساسي في احداث 6 ابريل انه وضع الطبقة العاملة على الخريطة. على المستوى المصري المحلي ولكن على مستوى العالم العربي والعالمي ايضا. كان هذا اكبر رد على كل من ادعى موت الطبقة العاملة ونهاية التاريخ. ان هذا التحرك هو بلا شك بداية لمرحلة تاريخية جديدة، ستكون لها ابعادها على العالم العربي ككل علما انه يواجه نفس الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية العصيبة، ويضع معادلة "السلطة-الاخوان في خطر".

واذا كانت قضية العمال لم تعن احدا من الاحزاب السياسية في بلادنا او في المناطق المحتلة، فان عمال مصر قد حددوا جدول عمل جديد لقضية اجتماعية نواجهها جميعا، وهي عابرة للحدود في كل العالم، ووصلت ذروتها بسبب غلاء الاسعار. وتجعل طرح الاجندة العمالية الاجتماعية الذي نقدمه هنا كجمعية معا النقابية وكحزب دعم العمالي واقعيا، مهما وممكنا.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__153
20.11.2017, 07:11