العدد ٢١٢, تشرين ثان ٢٠٠٧

شؤون فلسطينية

غزة تُقذف الى النسيان

ميخال شفارتس

احداث القتل في الذكرى الثالثة لوفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، تعكس الانقسام الداخلي والفتنة، وتؤكد خروج غزة من المعادلة الوطنية، وتحولها الى مشكلة ذات صفة اما امنية او انسانية.

مضت ثلاثة عشر عاما منذ وصول الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، الى قطاع غزة. في ذلك اليوم استقبلته الجماهير باغصان الزيتون، وتغنت بوعوده لهم تحويل غزة الى سنغافورة الشرق الاوسط. منذ ذلك اليوم تبدل العالم وتغير، ومن الوعود شيء لم يتحقق. بدا الواقع المرير مأساويا على نحو خاص في ١٢/١١ حين خرجت الجماهير في غزة لاحياء الذكرى الثالثة لوفاة الزعيم، وما كان من حماس الا ان فتحت النيران على المحتشدين، فقتلت سبعة مواطنين عزّل وجرحت ٨٠ واعتقلت ٤٠٠ آخرين. هذه الاحداث المأساوية لم تعكس الانقسام والفتنة والعربدة فحسب، بل أكّدت خروج غزة من المعادلة الفلسطينية الوطنية، وتحويلها الى مشكلة ذات صفة إما امنية او انسانية. لقد تحولت غزة الى منطقة غير معترف بها وبقيادتها، خارجة عن خريطة بلدان العالم، لا عنوان سياسي لها، لا خبز ولا مستقبل.

يدل على ذلك غياب قضية غزة تماما عن جدول اعمال المفاوضات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فهي غير مطروحة في جدول اعمال قمة انابوليس، وتكتفي القمة بالسعي لتقسيم المسؤوليات في الضفة الغربية بين اسرائيل وسلطة فتح. كما ان القضايا الجوهرية التي ستطرح في المفاوضات بعد انابوليس لا علاقة لها بغزة - لا القدس، ولا الحدود (بعد الانفصال الاسرائيلي عن غزة)، ولا اللاجئين.

العالم ترك غزة لتواجه مصيرها الاليم بعد استيلاء حماس عليها في ١٤ حزيران الاخير. وتبقى غزة امام احتمالين، إما ان يتمكّن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (ابو مازن)، من استعادة السيطرة العسكرية عليها، وهذا غير وارد، وعندها يتولى مسؤوليتها وتعود لتكون جزءا من الدولة الفلسطينية المزعومة؛ وإما ان يفشل، فتخرج بذلك من السياسة الدولية، وتتحول لموضوع امني وانساني، وتتسلم اوروبا المسؤولية عن تموينها، واسرائيل المسؤولية عن "تهدئتها" عسكريا، سواء بقصفها من خارج الحدود او باجتياحها من جديد.

الرئيس عباس قطع شوطا في التعاون الامني مع اسرائيل بهدف اسقاط حماس، وهو شريك في الاجراءات الاسرائيلية والدولية، بما فيها سياسة الطوق والتجويع المفروضة على قطاع غزة واهلها. ولا يبدو ان هذا الموقف يقوي ابو مازن في نظر شعبه. ضعفه هو وحركته نابع اولا من خطه السياسي، أي قبوله باتفاقات اوسلو وخريطة الطريق، مع انها لا تلبي الحد الادنى من حقوق الشعب الفلسطيني بالاستقلال بل ادت في نهاية المطاف الى انقسام داخلي حاد بين فتح وحماس.

في الخلاف بين فتح وحماس، تتفق الدول العربية على دعم ابو مازن كممثل وحيد للفلسطينيين. فهذه الدول، بما فيها مصر والاردن وحتى سورية، تخشى من تعزيز موقع حماس، لانه قد يقوي موقع الاخوان المسلمين الناشطين في حدودها. ومن شأن هذا ان يفسر احباط سورية للقمة البديلة لانابوليس التي نادى الى عقدها زعيم المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل.

الهوة في اتساع

استيلاء حماس على غزة قبل خمسة اشهر نزعت عنها الشرعية، وحولت غزة وسكانها الى فريسة للطوق والتجويع والاعتداءات العسكرية الاسرائيلية. قيام شرطة حماس باطلاق النار على ربع مليون من العزّل في المهرجان الضخم في يوم الذكرى الثالثة لوفاة الرئيس عرفات، كان عبارة واضحة عن ان حماس موجودة في مأزق، وانها لم تتعلم أي درس من الاشهر الخمسة الماضية، وانها تنغمس اكثر فاكثر في خطها العسكري المتطرف، دون طرح أي افق سياسي لاخراج نفسها والشعب من المحنة. الرؤية الوحيدة المطروحة بالنسبة لحماس هي تهديد اسرائيل بالعودة لاختطاف الجنود اذا واصلت رفضها اطلاق سراح اسرى حماس، وذلك على حد تصريح لعضو المجلس التشريعي عن حركة حماس، فتحي حماد من ١٨/١١.

الحشد الكبير لم يكن جمهور حركة فتح فقط، بل شارك فيه جمهور من كل الفصائل، بما فيهم بعض مصوّتي حماس. وقد احتج هؤلاء على الازمة الاقتصادية الخانقة الناجمة عن الحصار، وغياب اية بوادر للانفراج. كان في هذا الحشد رسالة من الجماهير الى حماس، رسالة ترفض الانقلاب العسكري والانفصال واستخدام السلاح والاستفراد. في هذا كتب الصحافي الفلسطيني عبد الله عواد ان حماس "اختارت السلاح بدل صناديق الاقتراع، ثم انقلب السلاح من سلاح مقاومة الى سلاح قمع وقتل". ("الايام"، ١٥/١١)

ومما يدل على احتقان الاجواء، تصريحات لقيادات بارزة في حماس مثل محمود الزهار، الذي توعد بان حماس ستسيطر على الضفة الغربية كما سيطرت على قطاع غزة، بمجرد انسحاب الاسرائيليين منها. كما هدد الزهار الرئيسَ الفلسطيني ابو مازن بان حماس ستلقي القبض عليه وسوف تحاكمه وتفصله.

ويرى معلقون ان تهديد الزهار بالسيطرة على الضفة، هو دعوة صريحة للاسرائيليين بعدم الانسحاب منها، على حد قول المعلّق صالح القلاب: "معادلة حركة حماس كانت ولا تزال: إما ان تكون منظمة التحرير لنا، والا فالى الجحيم، واما ان يفاوضنا الاسرائيليون والا لا مفاوضات، واما ان تكون الدولة المستقلة دولتنا وحدنا، والا لتبق اسرائيل في الضفة الغربية الى الابد... ان حماس ذاهبة في هذا الشوط حتى النهاية، وانها تسعى لتدمير كل شيء حتى يكون لها كل شيء...". ("الشرق الاوسط"، ١٥/١١)

حماس من جانبها تهاجم خط السلطة وقمة انابوليس، كما تهاجم رئيس الوزراء الفلسطيني، سلام فياض، الذي صرح في ١٤/١١ بانه مصر على اتباع الخطة الامنية في قطاع غزة اي فرض سيطرة السلطة الامنية ونزع السلاح، كما يجرى في نابلس؛ هدف آخر لهجوم حماس كانت تصريحات وزير الداخلية في حكومة فياض، عبد الرزاق اليحيى، الذي اعترف في حديث لصحيفة "الرأي" الكويتية في ١٨/١١، بان السلطة الفلسطينية قررت حل تنظيمات المقاومة، بما فيها تلك التابعة لحركة "حماس"، ذاهبا الى حد القول بان الانتفاضة اتت بنتائج "كارثية" على الفلسطينيين. واعتبرت حماس هذا التصريح "خيانة للمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني" و"انقلابا على الاعراف النضالية لشعبنا وقواه الحية". (بيان لاسرى حماس في سجون الاحتلال، المركز الفلسطيني للاعلام، ١٩/١١)

كجزء من الحملة المضادة تستخدم حماس مصطلحات تكفيرية في خطابها ضد قيادة فتح، وتستعين في ذلك بفتاوى رجال دين المقربين منها. بيان اسرى حماس المذكور يشير الى "تقاسم المسؤولية الامنية مع قوى الاحتلال في نابلس، حيث تعمل قوات الامن الفلسطينية من الساعة السادسة صباحا وحتى الساعة الحادية عشرة مساء، وبعد ذلك يدخل الصهاينة كقوة احتلال".

الوضع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، يشهد انفصالا جغرافيا وسياسيا بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وحكومتين متوازيتين يهدد كل منهما ب"احتلال" مساحة الآخر، دون ان يكون لاي طرف الغلبة او القدرة على الحسم. الهوة السياسية والفكرية بين الحركتين والعداوة بينهما موجودة في اتساع خطير، مما يصعب على الفلسطينيين انتزاع حقوقهم الوطنية من اسرائيل، لا في انابوليس ولا في طهران. واذا كان فوز حماس في الانتخابات عبارة عن فشل فتح السياسي والاخلاقي بعد ١٣ عاما من الحكم، فقد جاءت الاحداث الاخيرة، بعد اقل من عامين على فوز حماس في الانتخابات، لتثبت فشل التيار الاسلامي ايضا، وفي جميع الحالات الشعب الفلسطيني هو الذي يدفع الثمن.

٠٤% من اطفال غزة يعانون سوء التغذية

ما زال معبر المنطار (كارني) مغلقا منذ ١٣/٦ الماضي، كما تم اغلاق معبر صوفا بشكل دائم في ٢٨/١٠، ويبقى معبر "كرم ابو سالم" المعبر الوحيد لحركة ادخال البضائع الى قطاع غزة الذي يقارب عدد سكانه مليون ونصف المليون نسمة. وتسمح اسرائيل بادخال عشرة مواد اساسية لغزة فقط، هي زيت الطبخ، الملح، الارز، السكر، القمح، الحليب، منتجات الالبان، الخضار المجمدة، اللحم المجمد، المعدات الطبية والادوية، بالاضافة للوقود. تقرير لامين عام الامم المتحدة، بان كي مون، صدر في ١٣/١١ ان "الانكماش المستمر في الاقتصاد المحلي" في القطاع، يمكن ان يؤدي للنقص في البضائع والادوية وارتفاع الاسعار وسوء التغذية.

اكثر المتضررين صحيا من الحصار الجائر هم الاطفال. هؤلاء يعانون فقرا حادا في الدم، بالاضافة لقصر القامة، النحول والضعف العام في بنيتهم بسبب سوء التغذية والفقر الذي يطال ٧٠% من اهالي القطاع. صحيفة "الحياة" افادت في ١٥/١١ ان اسرائيل منعت وعرقلت في احيان كثيرة دخول وجبات طبية لنحو ٢٠ الف تلميذ لا تتجاوز اعمارهم الخمس سنوات. وتتألف الوجبة الواحدة من قطعة من البسكويت وعلبة حليب مدعمتان بالمعادن والفيتامينات بهدف رفع نسبة الهيموغلوبين في الدم واطالة القامة وزيادة وزن التلاميذ.

وتشير تقديرات صحية أجرتها منظمات محلية وعالمية الى ان نحو ٤٠% من اطفال القطاع قبل سن الدراسة يعانون من سوء التغذية، ويعيش معظمهم في مخيمات اللاجئين او في المناطق المهمشة في القطاع. وتقول مديرة برنامج الحليب في مؤسسة "انيرا - لتصنيع البسكويت"، الدكتورة منى ابو رمضان، ل"الحياة" ان الكثير من الاطفال لا يتناولون وجبات الافطار، وإن تناولوها فتكون عبارة عن قطع من الخبز مغمسة في كوب من الشاي. ولاحظت ابو رمضان ان هناك اطفالا يحضرون الى رياضهم او مدارسهم ومعهم قطعة خبز صغيرة فارغة.

ويفيد تقرير للصحافي فتحي صباح في "الحياة" (١٥/١١)، ان النقص في السجائر وارتفاع سعر العلبة الى نحو ٣٠ شيكلا، دفع الغزيين الى انتهاج نظام المقايضة البدائي، اذ اخذ بعض الركاب يدفع سيجارة واحدة نظير اجرة السفر، في حين بدأ المدخنون يشترون السجائر فرط (بالمفرق) وليس بالعلبة. واصبح العثور على زجاجة كوكا كولا او اي مشروب محلي مهمة شبه مستحيلة، حتى بات الغزيون يتندرون بان الكوكا كولا اصبحت ل"وحام" النساء الحوامل.

وأفاد تقرير صباح ان الشهور الاخيرة تشهد انخفاضا في معدل الزواج بين الفلسطينيين، وذلك "لارتفاع ثمن الذهب الذي يقدم للعروس "مهرا" او "شبكة" من ناحية، وبسبب نفاذ الاخشاب ولوازم اخرى تدخل في صناعة اطقم غرف النوم، ومنها فرشات الاسفنج". ويضيف صباح: "واذا قُدّر للفلسطيني ان يتزوج ويخلف ابناء، فلن يجد لهم «حفاظات» بعدما نفدت من الاسواق واصبحت خاضعة للتهريب بطرق شتى وكمياتها لا تكفي حاجة الاطفال. وتلجأ الامهات الى "الشرايط" (لفافات القماش)... تماما كما كانت الحال عليه قبل اكثر من ٢٠ عاماً".

صاحب سوبرماركت قال لصحيفة القدس (١٥/١١) انه تبقى لديه علبتا شمع فقط، الامر الذي سيُظلم بيوت مخيم اللاجئين "الشاطئ" عندما تقوم اسرائيل بقطعها للتيار الكهربائي المستمر منذ عدة اشهر، ويضيف: "بحلول هذا الشهر سأكون قد بعت كل ما لدي من مخزون".

الى كل هذا تُضاف مشكلة السيولة المالية. فبعد الاعلان الاولي الصادر عن بنكي "ديسكونت" و"هبوعليم" الاسرائيليين، بقطع كافة العلاقات المالية مع البنوك في غزة، اتفق البنكان على تأجيل الاجراءات حتى منتصف كانون اول (ديسمبر) المقبل. ويجري حاليا بحث امكانية ان يقوم بنك البريد بدور البنك البديل. ومن المتوقع حسب تقرير للامم المتحدة، ان يحصل نقص في السيولة والمساعدات النقدية والتحويلات مما سيؤخر دفع الرواتب للموظفين. ومن المحتمل على المدى البعيد، ان تضطر البنوك (بنك فلسطين والبنك الاسلامي وبنك القدس للتنمية والاستثمار) الى اغلاق فروعها في غزة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__14
18.11.2017, 10:11