شؤون دولية

ازمة الغذاء والنظام الرأسمالي

يعقوب بن افرات

رويدا رويدا تبدأ الخيوط التي تربط بين العاطل عن العمل الامريكي والفقير الموريتاني تجتمع، ومصير العامل الامريكي الذي يفقد بيته والعامل المصري الذي يفقد "عيشه" يقتربان من بعضهما البعض ايضا. هؤلاء هم ضحايا نفس النظام ونفس الطبقة الرأسمالية التي لا يفرقها دين، لون او قومية ولا يردعها شيء عن القيام بنفس الاعمال الفظيعة ضد الشعوب باسم السوق الحرة والديموقراطية.

شهدت مصر في الآونة الاخيرة اضرابا عماليا واسع النطاق هزّ النظام المصري. في نفس الوقت، في الطرف الثاني من العالم خرجت المظاهرات الشعبية في جزيرة هاييتي الواقعة في البحر الكاريبي، واجبرت الحكومة على الاستقالة. السبب المباشر للمظاهرات في مصر هو النقص في الطحين بسبب ارتفاع سعره، اما في هاييتي فقد انتفضت الجماهير بسبب ارتفاع سعر الرز. ما يجمع بين مصر وهاييتي هو الشعب الفقير الذي يعيش الفرد فيه من دولارين لليوم، ويعتمد في غذائه الاساسي على "العيش" او الرز.

وفي حين يتضور العالم جوعا، حدثت في نيويورك ظاهرة عكسية. فرغم الازمة المالية الخطيرة التي تمر بها البنوك الامريكية سجل مدراؤها ارباحا قياسية. احد هؤلاء هو جون بولسون الذي يدير "صندوق تحوط" كبير، وقد وصل راتبه السنوي الى 3,7 مليار دولار يعادل 20% من ارباح الصندوق. صحيفة "نيويورك تايمز" نشرت تقريرا حول ارباح امثال بولسون، وحددت ان احد مصادر الارباح هو المضاربة في سوق السلع والمراهنة على ان اسعار المواد الاساسية مثل النفط، القمح والنحاس سترتفع.

هناك من المعلقين من ينفي وجود علاقة بين ما يحدث في مصر من طوابير الخبز وبين ما يحدث في نيويورك من ثراء فاحش، وان النقص هنا لا علاقة له بالفائض هناك. وكما صارت العادة مؤخرا، يفضل هؤلاء ان يصبوا اللوم عن أزمة الغذاء العالمية على الصينيين. نمو الطبقة الوسطى في الصين بسبب النمو الاقتصادي السريع هناك، قاد في نظر المعلقين الى استهلاك كميات مضاعفة من المواد الخام، النفط، الصويا واللحوم، مما قاد لارتفاع اسعارها. ولكن يبقى هذا تفسيرا جزئيا فقط للازمة، والحقيقة ان هناك علاقة قوية بين الثراء الذي لم يسبق له مثيل في نيويورك، وبين ازمة القمح والرز والارتفاع الجنوني في سعر النفط، حتى لو كانت العلاقة مخفية ومعقدة للفهم.

ازمة الغذاء

تعبر ازمة الغذاء عن انفجار "فقاعة" اقتصادية جديدة هذه المرة في مجال الغذاء والمواد الخام. وقد جذبت هذه الفقاعة اليها استثمارت قصيرة الامد وحققت ارباحا طائلة. هذه "الاموال الساخنة" تتنقل من فقاعة لاخرى كالطيور الجارحة الباحثة عن فريسة سهلة، فمرة كانت الفريسة عبارة عن المضاربة بالعملات والتي انتهت بكارثة في دول جنوب شرق آسيا عام 1997، ثم جاءت فقاعة التكنولوجيا المتطورة حيث تم الاستثمار في الاسهم بمؤشر الناسداك، وبعد ان انفجرت فقاعة الناسداك عام 2000، انتقلت الاموال الى الاستثمار في سوق الرهن العقاري، وهناك خلقت فقاعة في اسعار العقارات وقادت لارتفاعها بشكل خيالي. وبعد ان انفجرت هذه الفقاعة، جاء دور المواد الخام وفي مقدمتها المواد الغذائية لتقع فريسة لصانعي الارباح السهلة على حساب الجمهور العام.

ما كاد الرأي العام يتعرف على المصطلحات المتعلقة بالمضاربة في مجال سندات سوق الرهن العقاري الثانوي، والمشتقات المالية المرتبطة بهذا السوق، والتي ادت لازمة العقارات، حتى اندلعت أزمة الغذاء العالمية لتجبرنا على التعرف على مجال جديد للمضاربة، هو سوق العقود المستقبلية.

من المقبول في التجارة ان يتم توقيع عقود مستقبلية بين منتجي السلع مثل المزارعين، وبين اصحاب شركات التوزيع. والهدف منها هو ضمان سعر السلع مسبقا، على نحو يرضي المزارع والتاجر في آن. ولكن المشكلة بدأت في العقد الاخير مع دخول صناديق استثمار كبيرة لا علاقة مباشرة لها بهذه العقود، بل هي مستثمرة في "عقود خيارات" مشتقة عن العقود المستقبلية الاصلية. المضاربة المالية على "الخيارات"، تعتمد على ارتفاع وانخفاض اسعار السلع التي تشملها العقود. في هذه المضاربة هناك من يراهن على ارتفاع اسعار السلع ويتحول الى ملياردير اذا صدق حدسه، وهناك ايضا من يراهن على انخفاض الاسعار وبامكانه ان يجني ارباح طائلة اذا تصرف السوق حسب توقعاته.

تعتبر الخيارات على اساس هذه العقود المستقبلية مشتقات مالية. ويعني هذا عمليا ان مختصين في الاستثمار بهذا النوع من التجارة، خلقوا لانفسهم سوقا خاصة بهم للمضاربة على عقود تخص السلع الحيوية للانسان. كل ما يريدهم هؤلاء هو تشغيل اموالهم، ولا يهمهم مصير الناس او اسعار المنتجات الزراعية التي تشملها العقود والمتأثرة بالضرورة من المضاربة التي يقومون بها.

المضاربة تهدد اركان النظام

في المرات السابقة ادت المضاربة في السندات الحكومية، او في العملات، او الرهن العقاري، الى ازمات كبيرة جدا زعزت حكومات مثل الارجنتين او روسيا، وقضت على ادخارات الجمهور العام في صندوق التقاعد كما حدث في الولايات المتحدة عام 2001، او فقدان عشرات الآلاف من الناس بيوتهم كما يحدث الآن في امريكا. والآن نتيجة المضاربة بالاغذية تقود الى ارتفاع اسعار الاغذية في كل مكان بالعالم.

عندما يتوجه رأس المال للاستثمار في فرع معين، مثل شركات التكنولوجيا المتطورة، العقارات، العملات واليوم المواد الغذائية، فانه يقود الى ارتفاع اسعار هذه السلع بسبب زيادة الطلب عليها، وذلك حسب القانون الرأسمالي نفسه. لا يمكن توجيه اصبع الاتهام ضد بنوك الاستثمار وصناديق التحوط كمسببي هذه الازمة، ولكن من الممكن اتهامهم باستغلال هذه الازمة لجني الارباح وتعميق الازمة من خلال المضاربة بالعقود المستقبلية. ان المسؤول الاساسي عما يحدث هو النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الذي اطلق العنان للسوق الحرة لتنشط دون رقابة وقيود قانونية او اخلاقية.

اننا امام ظاهرة خطيرة للغاية، فالمضاربة بدأت تهدد اهم اركان النظام الرأسمالي نفسه وهو الائتمان. وما نشهده من بداية ركود اقتصادي عميق في الولايات المتحدة نابع من ازمة الائتمان التي تعبر عن ازمة ثقة بين البنوك نفسها والتي باتت تعتبر اهم لاعب في السوق الرأسمالية.

الخسائر الضخمة التي تكبدتها اهم البنوك الامريكية والأوروبية، نابعة من استثمارها بسندات مرتبطة ببطاقات ائتمان وكل انواع القروض التي حفّزت المواطن الامريكي على الاقتراض للحفاظ على نمط ومستوى معيشة، وشكلت المحرك الاساسي للاقتصاد. ويعتمد المواطن الامريكي على برنامج الائتمان كوسيلة اساسية للاستهلاك، ومن ذلك شراء بيت وسيارة وتمويل التعليم العالي وغيرها.

بعد ان انكشفت مغامرة البنوك تفشى التشكيك بين البنوك نفسها، ولم يعد احد من البنوك يعرف مدى تورط البنك الآخر في الازمة، وامكانية تعرضه لخسائر وحتى لافلاس. وهذا يقود الى تخوف من اقراض بنك لآخر، كما جرت العادة في ايام التجارة العادية. صعوبة الاقتراض بين البنوك تخلق صعوبة اخرى في إقراض المستهلك العادي، كما ان البنوك توقفت عن منح قروض بلا ضمانات. كل هذا يؤدي الى ركود اقتصادي ويضع حدا لحفلة الاستهلاك غير المحدودة التي اعتادها الشعب الامريكي بتشجيع من الحكومة والبنوك.

ازمة كونية

ولا تتوقف الازمة عند هذا الحد، بل انتقلت للمجال الاساسي الثاني في اهميته، وهو مجال الغذاء. ومعروف ان النظام الرأسمالي نقل المصانع من الغرب الى الشرق، وهو الذي خلق بيديه الطبقة الوسطى الصينية التي "اكتشفت" طعم اللحم وزادت الطلب عليه وساهمت بذلك في رفع اسعاره. في نفس الوقت، ادى التصنيع المتطور الى مزيد من التلوث البيئي، وادى ارتفاع الحرارة الى جفاف في استراليا وهبوط حاد في انتاج الرز، وهو سبب آخر لارتفاع سعره.

وفي امريكا بقيت هناك طبقة عاملة ضعيفة، تقوم الحكومة والبنوك بتشجيعها على العيش بمستوى معيشة مرتفع ليس على اساس منحها اجورا محترمة، بل لم يتم رفع الاجور هناك منذ اكثر من 20 عاما، بل على اساس تشجيعها على الاقتراض. اليوم ليس بمقدور هذه الشريحة تسديد ديونها للبنوك، وتعجز من جهة اخرى عن تمويل النفط والسلع الاساسية التي ارتفعت اسعارها.

اما الدول الفقيرة التي اعتمدت على الزراعة، فقد كانت الاولى التي شعرت بوطأة العولمة. منذ اكثر من 30 عاما تعاني هبوطا مستمرا في الاسعار المنتجات الزراعية والمواد الخام، وصعوبة في منافسة المنتجات العالمية. الكثيرون اضطروا لترك الريف والانتقال للمدن، واليوم لا يستطيعون حتى الاستفادة من ارتفاع اسعار المنتجات الزراعية. بالعكس، الشركات الزراعية الكبرى والفلاحون الكبار الاغنياء هم المستفيدون من هذه الكارثة، وهم يفضلون تصدير المحاصيل الى خارج البلاد، مما يؤدي لنقص هذه المواد في بلادهم وارتفاع اضافي في الاسعار.

وتشير الاحصائيات العالمية الى زيادة النفقات على المواد الغذائية، ففي حين كان الفرد ينفق 50% من دخله على الوجبة اليومية، يضطر اليوم لانفاق 80% من دخله، مما يعجزه عن تمويل اجر للمأوى، للادوية، الكتب المدرسية، الملابس او حتى تذكرة السفر للعمل.

نسبة قليلة جدا من الناس، وشريحة ضيقة اكثر من اصحاب شركات النفط، عائلات خليجية مرتبطة بمجال النفط، شركات زراعية، وأصحاب البنوك – كل هؤلاء يواصلون مسيرتهم نحو تحقيق المزيد من المليارات، ويتجاوزون كل الارقام القياسية في تكديس الثروات، ومن الجانب الآخر للمعادلة يتجاوز الفقراء كل الارقام القياسية في طريقهم نحو المزيد من الافتقار.

رويدا رويدا تبدأ الخيوط التي تربط بين العاطل عن العمل الامريكي والفقير الموريتاني تجتمع، ومصير العامل الامريكي الذي يفقد بيته والعامل المصري الذي يفقد "عيشه" يقتربان من بعضهما البعض ايضا. هؤلاء هم ضحايا نفس النظام ونفس الطبقة الرأسمالية التي لا يفرقها دين، لون او قومية ولا يردعها شيء عن القيام بنفس الاعمال الفظيعة ضد الشعوب باسم السوق الحرة والديموقراطية.

انها ازمة كونية. ليست مجرد ازمة غذاء بل ازمة سياسية، اجتماعية وأخلاقية وصلت من خلال العولمة الي كل بيت في المعمورة. ومن هنا، لا بد من مواجهتها بأسلوب مماثل، من خلال طرح برنامج اممي يعتمد على الطبقة العاملة، ويطرح اقتصادا بديلا للرأسمالية معتمدا على الحاجات الانسانية وليس على الربح كمحرك اساسي للمجتمع. في مدن مختلفة من امريكا، في شوارع هاييتي وفي أزقة المحلة الكبرى تقوم الطبقة العاملة بشكل عفوي من الرماد لتمنح الاشتراكية معانيها الاممية المتجددة لان النظام الرأسمالي الذي يمنع من الناس حتى غذاءهم الاساسي يفقد تلقائيا مبرر وجوده.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__134/ازمة_الغذاء_والنظام_الرأسمالي
21.11.2017, 13:11