تاريخ النشر ١١/٠٤/٢٠٠٨

شؤون عربية

القمة تبرز فشل الغائبين والحاضرين فيها

سامية ناصر خطيب

الاحتلال الامريكي للعراق هو اصعب مشكلة يعاني منها العالم العربي منذ خمس سنوات، ومع هذا لم ينل اهمية تذكر في القمة العربية. الاحتلال الامريكي لاحدى اهم الدول العربية قوّى دور ايران في المنطقة وساهم في انقسام العالم العربي. اما القمة فاكتفت باجترار قرارات قديمة بشجب الاحتلال الاسرائيلي للتغطية على عجزها عن حل مشاكلها الداخلية.

ما يلفت النظر في خطاب رئيس الجامعة العربية، عمرو موسى، في افتتاح القمة العربية بدمشق، هو طريقة وضعه الاولويات بالنسبة لهموم العالم العربي وكيفية مواجهة التحديات. الامر الاساسي الذي احتل الصدارة كان موضوع الاحتلال الاسرائيلي. وكان اقصى ما افرزته القمة تهديدها لاسرائيل باعادة النظر في المبادرة العربية، اذا هي لم تلتزم بتعهداتها في قمة انابوليس. المفارقة ان العالم العربي نفسه غير موحد حتى حول هذا الموقف، علما انه انقسم ايضا بشأن قمة انابوليس.

في الترتيب الثاني لسلم الاولويات تأتي قضية الخلاف بين فتح وحماس ودعم القمة للمبادرة اليمنية للاصلاح بين الحركتين، ثم الموضوع اللبناني فالعراقي. وبعد كل هذا تصل المشاكل الاقتصادية في العالم العربي.

من طريقة وضع الاولويات يمكن الاستنتاج بان القمة العربية تحاول حرف الانظار عن المشاكل الحقيقية التي تشكل نقطة الضعف الاساسية للعالم العربي، وتفضل تسليط الاضواء على اسرائيل التي وإن كانت تتحمل قسطا عظيما من المسؤولية عن ازماتنا، وخاصة باحتلالها للمناطق الفلسطينية، الا انها ليست السبب الوحيد لازماتنا جميعها.

القمة العربية كانت ضعيفة، فقد غاب عنها زعماء دول عربية اساسية، منها السعودية، مصر، الاردن واليمن. الخلاف واضح، وهو مع سورية حول الموضوع اللبناني الذي يواجه انقساما خطيرا، والاهم هو الخوف العربي من تحالفها مع ايران. ايران صارت تشكل خطرا رئيسيا على الدول العربية بسبب تزايد نفوذها في العراق الذي تحول الى قنبلة موقوتة تهدد بتفجير العالم العربي، ولبنان وحتى فلسطين التي وصلت دركا خطيرا على مستوى الخلافات الداخلية وليس فقط على مستوى مواجهة الاحتلال. الى هذا نضيف الازمة الاقتصادية الحاجة التي ردت عليها مصر بمظاهرات احتجاجية وكذلك اليمن. باختصار، العالم العربي يتمزق من داخله، ولكن القمة تتجاهل الامر وتدعو للتوحد امام اسرائيل.

لا شك ان الكلام ضد اسرائيل يأتي لاغراض الاستهلاك الاعلامي المحلي. ولكن تجاهل الانقسام العربي الداخلي الذي لا يقل خطورة عن الاحتلال الاسرائيلي، من شأنه ان يعمق الازمة على الصعيد السياسي والاقتصادي الداخلي.

القضايا الغائبة

القمة كانت ضعيفة في مضامينها وليس في تركيبتها فحسب. الرئيس العراقي لم يحضر القمة، اذ كان مشغولا بالمواجهات العنيفة في البصرة بين الجماعات الشيعية نفسها حول حصصها في تقسيم العراق. ولكن القمة لم تذكر امريكا بكلمة، ولم تتطرق لاحتلالها للعراق. بالنسبة لها العراق يواجه "خلافات داخلية"، كما لو كان الاحتلال انتهى والقوات الامريكية سحبت جيوشها منه.

خمس سنوات مضت على حرب العراق، ذُبح خلالها اكثر من مليون عراقي، وسيناريو تقسيمه بات قضية تجمع عليها الولايات المتحدة وايران. مع سقوط النظام العراقي وبروز حكومة الغالبية الشيعية، سعت الشيعة للانفصال عن العالم العربي وبناء دولة طائفية شيعية موالية لايران. ازدياد النفوذ الايراني خلخل التوازنات في لبنان من خلال دعم ايران لحزب الله، وفي فلسطين من خلال دعمها لحماس.

ولكن القمة العربية تتجاهل الدور الايراني في تفسخ وحدة الصف العربي، وتكتفي بالاشارة الى قضية هامشية تتعلق باحتلال ايران للجزر الاماراتية، دون ذكر كلمة "احتلال"، وتنادي الى تشجيع الاتصالات الجارية بين الامارات وايران لحل القضية. وقد كان هذ الموقف سخيفا الى حد ان وزير الخارجية الايراني، منوشهر متقي، نفسه رد في مؤتمر صحفي عقده بعد انتهاء القمة بالقول: "انه حان الوقت ليبذل موسى والدول العربية جهودا حول القضايا العربية الرئيسية، خصوصا القضية الفلسطينية، ولا يشيروا الى هذه القضية (الجزر الاماراتية) لعدم اعطاء ذريعة للكيان الصهيوني". (الحياة، 31 آذار)

اما عن فلسطين فحدّث ولا حرج. امكانيات التقدم مع اسرائيل معدومة، والوحدة مع حماس غير واردة. الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وجّه انتقادات حادة لاسرائيل (ولمَ لا؟) وتحدث بلهجة متشائمة للغاية بشأن مباحثات السلام التي يجريها الجانبان الاسرائيلي والفلسطيني، لكن دون ان يعلن تعليقها. اشاد عباس بالمبادرة اليمنية لاستئناف الحوار بين فتح وحماس، ولكنه اشترط اي تقدم نحو الوحدة الفلسطينية بتراجع حماس عن الانقلاب في غزة، الامر الذي ترفضه حماس.

في لبنان الجمود سيد الموقف، ولا رئيس للبلاد بعد. المعارضة والموالاة غير معنيتين بتحريك الوضع نحو الانفراج.

مصر وازمة الخبز، الاضرابات، ارتفاع معدلات البطالة والفقر، معدلات الامية في العالم العربي، غابت هي لاخرى عن القمة. اليمن العربي يشهد اضرابات منذ عدة ايام، واجهتها قوات الامن باطلاق الرصاص على آلاف المتظاهرين من قدامى ضباط وجنود الجيش الجنوبي، نشيطين سياسيين، شبان عاطلين عن العمل يطالبون بايجاد حلول لمشكلاتهم. قُتل من هؤلاء شخص وجرح العشرات واعتقل المئات، ولكنهم جميعا غابوا عن القمة. ان هذا هو حال غالبية الشعوب العربية التي تركض منذ عقود وراء الرغيف كمن يركض وراء سراب.

شرق اوسط جديد

قبل غزو العراق كانت مناطق النفوذ في العالم العربي مقسمة بشكل واضح. لسورية كان نفوذ على لبنان، للسعودية نفوذ في منطقة الخليج، وايران كانت تقريبا خارج اللعبة وكان عراق صدام سدا منيعا امام تغلغلها للعالم العربي.

بعد الحرب على العراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين اختلت التوازنات، وسطع نجم ايران. في عام 2000 انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان، واسقطت بذلك حجة استمرار الوجود السوري فيه. بعد اغتيال الحريري اضطرت سورية ايضا للخروج من لبنان بعد 30 عاما، وهي لا تزال تحتفظ بنفوذها فيه من خلال تحالفها مع ايران وحزب الله.

العالم العربي بات منقسما الى محورين اساسيين: المحور الايراني-السوري ويضم حزب الله وحماس، والمحور السعودي-المصري ويضم "الانظمة العربية المعتدلة" المتواطئة مع امريكا ومعها في نفس الخندق اسرائيل. هذا هو شكل "الشرق الاوسط الجديد" الذي خلقته امريكا بغزوها للعراق.

تعبير عن هذا الخلاف، يمكن ان نجده في تراشق الاتهامات بين الصحف المصرية والسورية. الصحف المصرية الرسمية هاجمت دمشق، واتهمتها بالتبعية لايران وحملتها المسؤولية عن فشل القمة. صحيفة "الجمهورية" المصرية كتبت "ان الدول العربية لن تقبل رهانات سورية "الخاسرة" على تولي ايران قيادة المنطقة".

الصحف السورية لم تقف مكتوفة الايدي في حملة "الردح المتبادل"، فردت صحيفة "تشرين": "ان هذه القمة شكلت محورا لحملة تشويش وتشويه امريكية، لم يسبق لها مثيل في تاريخ القمم العربية". حتى ان النظام السوري اضطر لاستصدار فتوى دينية من مفتي سورية، الشيخ احمد بدر الدين حسون، الذي اعتبر "تخلف اي حاكم عربي عن القمة العربية بلا عذر صحي، إثم. كما انه لا يجوز لاي حاكم ارسال من يمثله لان الامة العربية بحاجة الى لقائهم". (سي. ان. ان. العربية، 2 نيسان). واضاف المفتي الذي ظن كما يبدو ان لفتواه فعل السحر على الحكام المتخلفين عن الحضور، "ان من سيتخلف سيكتب عنه التاريخ انه مزّق الصف العربي وأضعف الامة".

المأساة ان العالم العربي غير منقسم فقط بين "جماعة امريكا" التي تخلفت عن القمة وجماعة ايران التي حضرتها، بل تتصارعه حروب اهلية ونزاعات داخلية تستدعي ان تجتهد كل دولة لرأب الصدع، كشرط لتوحيد شظايا العرب. لكن هذه ليست مهمة الانظمة العربية التي لا يهمها سوى بقاؤها على العرش ووجودها كله مرهون بعلاقتها مع امريكا واسرائيل، بدءا بمصر "اكبر الدول العربية" وانتهاءا بمحمود عباس رئيس احدى الدويليتين الفلسطينيتين. وهو ليس مهمة للدول والحركات الاصولية التي تعزل نفسها وشعوبها عن الواقع والتقدم.

صحيح ان اسرائيل مسؤولة مباشرة عن الحال المزرية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ولكن الانظمة العربية تتحمل المسؤولية المباشرة عن الاوضاع المزرية التي تعيشها شعوبها. ولذلك ستبقى القمم العربية تدفن رأسها كالنعام في التراب وتجتر خطاباتها القديمة لتغطي على عجزها وتحفظ نظامها.

ان مستقبل الشعوب العربية مرهون ببناء نقابات تقدمية ومؤسسات اجتماعية تسعى لتحقيق مصلحتها بالعيش الكريم والاستقرار والتقدم. هذا لن يتم بعزل واغلاق انفسنا بل بفتح علاقات وجسور من التضامن والتحالفات مع كل شعوب العالم المتضررة من النظام الرأسمالي الذي تقوده امريكا وشركاؤها في العالم، والذي يجر الكوارث الاقتصادية ويقود لزعزعة استقرار العالم برمته وليس العالم العربي وحده.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__131
21.11.2017, 12:11