العدد ٢١٢, تشرين ثان ٢٠٠٧

فكر ورأي

العودة الى نقطة الصفر

ينعقد مؤتمر انابوليس، في لحظة كتابة هذه السطور، لهدفين اساسيين: اولهما قريب وملحّ، والثاني بعيد ولا موعد محدد له. اما الهدف العاجل فهو جمع اكبر عدد من دول العالم والشرق الاوسط ضد ايران وحلفائها في المنطقة؛ والهدف الابعد هو الوصول لسلام نهائي بين اسرائيل والفلسطينيين. بالنسبة لاسرائيل المكسب من المؤتمر هو بمجرد انعقاده، ولكن الفلسطينيين يحتاجون الى فحوى حقيقي والتزام اسرائيلي بجدول زمني للمفاوضات، لكي يقدموا الامر كانجاز لشعبهم. من هنا صعوبة التوصل لبيان مشترك حتى آخر لحظة.

الدول العربية من جانبها متمسكة بموقفها ان عزل ايران يستوجب التزاما اسرائيليا تجاه المطالب العربية، وفي مقدمتها ازالة الاستيطان من الضفة الغربية والانسحاب من الجولان. التعنت الاسرائيلي الرافض لالتزام من هذا النوع، والانحياز الامريكي التام للموقف الاسرائيلي، جعلا الدول العربية وخاصة السعودية تتردد قبل ان تلبي الدعوة. علما ان المؤتمر يأتي لخلق جبهة مضادة لإيران، تضم اسرائيل التي ترفض المبادرة العربية والالتزام بالحد الادنى من شروط السلام.

حضرت اسرائيل لانابوليس برؤية واضحة تؤيدها الادارة الامريكية، وتستند الى عنصرين اساسيين: الاول خريطة الطريق والثاني وعد بوش في نيسان 2004 لاريئل شارون، والقاضي بضم الكتل الاستيطانية الكبيرة المتاخمة للخط الاخضر للسيادة الاسرائيلية. الرسالة واضحة، وهي ان كل الاتفاقات السابقة بين براك وعرفات في صيف عام 2000 قد تقادم عليها الزمن، وان المفاوضات ستبدأ من نقطة الصفر.

السنوات السبع الاخيرة في نظر اسرائيل غيرت الواقع السياسي الفلسطيني، لدرجة لم تعد تسمح بالوصول لاتفاق نهائي بين الطرفين. ما لا تعترف به اسرائيل طبعا انها هي التي قضت على شريكها الفلسطيني. تعنتها ومواصلتها المشروع الاستيطاني، قادا لاندلاع الانتفاضة مجددا، الامر الذي انتهى بدخول الجيش الاسرائيلي للمدن الفلسطينية وتقويض اركان السلطة الفلسطينية وإفقادها القدرة على الحكم. وجاء الانفصال الاحادي الجانب عن غزة ليقوي حماس وينتهي بالانقلاب، مما سدد ضربة قاضية لأبو مازن. بعد كل هذه الجهود الاسرائيلية، واضح انه لم يعد هناك شريك فلسطيني امين على مصالح اسرائيل وقادر على تنفيذ أي اتفاق بينه وبينها.

وفي ظل هذه المعمعة تأتي قمة انابوليس لحشد دعم دولي وعربي لتحريك العملية التفاوضية من جديد، ولكن على اسس جديدة. فمن ناحية تلتزم اسرائيل لأول مرة بان هدف المفاوضات هو اقامة دولة فلسطينية، وهو تنازل شكلي لأن الدولة المطروحة فاقدة لاركان السيادة، مما يجعلها مجرد "دويلة" خاضعة لاسرائيل وتابعة لها. فحتى هذه "الدويلة"، حسب المفهوم الجديد، لن ترى النور في القريب العاجل، بل سيتم تجميدها الى اجل غير مسمى.

موقف اسرائيل ينص على ابقاء "خريطة الطريق" ورقة ضغط بيدها، يمكن ان تلجأ له مستقبلا. واذا كانت خريطة الطريق تستخدم حتى الآن لتعجيز الفلسطينيين واجبارهم على القضاء على المظاهر المسلحة كشرط للتقدم في العملية السلمية، فقد فهم الجميع ان المهمة باتت خيالية خاصة بعد هزيمة السلطة امام حماس. من هنا يأتي الاقتراح بان تشرع اسرائيل في المفاوضات حول القضايا الجوهرية، دون اشتراط القضاء على الارهاب. ولكن ايضا دون تحديد جدول زمني لانهاء المفاوضات، ما يعني انها قد تستمر فترة طويلة جدا، حتى يخضع الفلسطينيون للاوامر الاسرائيلية. وحتى لو تنازل الفلسطينيون عن حق العودة والقدس واعترفوا بالكتل الاستيطانية كمناطق اسرائيلية، فهذا لا يضمن لهم "دويلتهم". عندها ستلوح اسرائيل بخريطة الطريق، وتطالب الفلسطينيين بتطبيق البند الاول منها، أي القضاء على الارهاب، وفرض سيطرتها الامنية الكاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومن هنا، فان قمة انابوليس مثل كل الاحتفالات والقمم التي سبقتها لا تبشر بالسلام، بل باستمرار الاحتلال وقمع الحريات الاساسية للشعب الفلسطيني. ان هذه القمة لن تحقق السلام رغم كل الضجة الاعلامية حولها، بل من المرجح جدا ان تكون مقدمة لحرب جديدة في المنطقة عنوانها ايران. ان من يبدأ بسياسة العزل في الحلقة الاولى، ينتهي بالحرب في الحلقة الاخيرة. هذا ليس اكيدا ولكنه سيناريو محتمل.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__13/العودة_الى_نقطة_الصفر
17.12.2017, 02:12