شؤون فلسطينية

الاستيطان يجتاح القدس بعد انابوليس

ميخال شفارتس

الاستيطان في حي "نوف تصيون" الملتصق في جبل مكبر. تصوير: تومر ابلباوم

لا يُعرف إن كانت هناك مفاوضات سرية على تقسيم القدس، ولكن من الواضح انها فارغة من اي مضمون على ضوء الهجمة الاستيطانية خاصة بعد مؤتمر انابوليس، والتي تهدف الى فصل القدس عن الضفة الغربية. مواصلة الاستيطان في القدس والمنطقة المحيطة بها يشكل رسالة واضحة بان حكومة اولمرت غير معنية بالسلام، بل تستخدم المفاوضات لتغطي على الاستيطان المستمر.

الاستيطان هو النتيجة الملموسة لقمة انابوليس سيئة الصيت. فمنذ القمة تشهد مدينة القدس اكبر حملة استيطانية منذ سنوات، وهذه المرة على الملأ. فلا تحاول اسرائيل انكار الامر، ولا تبدو آبهة بالمجتمع الدولي المتحفظ ولا بالسلطة الفلسطينية التي ازداد حرجها وتآكلت مصداقيتها.

حاولت الحكومة تصوير عملية البناء في مستوطنات القدس كجزء من مساعيها لتثبيت ائتلافها، خاصة ازاء تهديدات حزب "شاس" اليميني المتدين المتكررة بالانسحاب من الحكومة، اذا طُرح موضوع القدس في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. كما هدد حزب "شاس" بالتغيب عن الكنيست في جلسة حجب الثقة عن الحكومة في 10 آذار. بعد سلسلة "الضغوط" على الحكومة، خرج رئيس الحزب، ايلي يشاي، بتصريح ان حزبه تمكن من الغاء تجميد الاستيطان في القدس لتثبيت مكانتها كعاصمة ابدية لاسرائيل.

في 31 آذار التزم رئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود اولمرت، امام الزعيم الروحي لشاس، عوفاديا يوسف، بالغاء تجميد البناء في المستوطنات التي تطوق القدس. في نفس التاريخ اقرت اللجنة المحلية للتنظيم والبناء التابعة لبلدية القدس، خطة لبناء 600 وحدة سكن في بسجات زئيف. حول هذا قال اولمرت: "لم نبنِ مستوطنات جديدة"، ولكنه عاد واكد: "ليست هناك حاجة للتصريح كل يومين بان البناء في احياء القدس سيستمر، واننا لن نترك الكتل الاستيطانية".

في الموضوع نفسه، نشر موقع ynet (في 9 آذار) ان وزير الامن ورئيس حزب العمل، ايهود براك، توصل بمعرفة اولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، الى صفقة غير رسمية مع المستوطنين. بموجب الصفقة، سيتم من جهة تكثيف البناء في الكتل الاستيطانية التي ستبقى تحت السيطرة الاسرائيلية في أي حل مستقبلي، ومنها معاليه ادوميم وجفعات زئيف اللتان تطوقان القدس، غوش عتسيون، اريئل والكانا، وبالمقابل يوافق المستوطنون على اخلاء 18 بؤرة استيطانية غير مشرعنة. وماذا يحدث على ارض الواقع؟ كالمتوقع، الاخلاء غير وارد وينكره المستوطنون، اما الحملة الاستيطانية فتتقدم بشكل ملموس.

ولا يتوقف العدوان الاستيطاني عند هذا الحد، بل دخل الى مرحلة خطيرة جديدة. فلاول مرة منذ احتلال عام 1967، تقوم الحكومة الاسرائيلية بتسجيل املاك في "الحي اليهودي" بالبلدة القديمة بالطابو الاسرائيلي، رغم ان معظم هذه الاملاك فلسطينية وليست تابعة ليهود البتة، مما يعتبر سابقة خطيرة جدا.

اهداف الاستيطان في القدس والمنطقة المحيطة بها متعددة، اولها الهدف السياسي وهو الحيلولة دون تقسيم القدس ومنع اي امكانية لتحويل القدس الشرقية الى عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية. اهداف اخرى هي السيطرة على الاملاك الفلسطينية من اراض وعقارات في القدس التاريخية والقرى المجاورة التي ضمتها اسرائيل بعد احتلال 1967؛ الحفاظ على الاغلبية اليهودية في القدس الغربية والقدس المحتلة وتفريغها من سكانها الفلسطينيين قدر الامكان؛ منع التواصل الجغرافي بين الاحياء الفلسطينية في القدس؛ عزل القدس عن القرى والمدن الفلسطينية المحيطة بها في الضفة الغربية والتي تمتد من رام الله شمالا وبيت لحم جنوبا، حتى تصبح القدس المحتلة جزءا من "يروشالاييم". ويأتي السور الفاصل ليزيد الطوق، ويشطر قرى القدس من نصفها مثل ابو ديس.

تذويب التجميد

في حين يدعي ايلي يشاي بان اولمرت الغى تجميد الاستيطان بفضل ضغوط حزبه على الحكومة، أعلن وزير الاسكان، زئيف بويم، ان الاستيطان لم يُجمَّد اساسا. فهل فعلا كان هناك قرار سابق بتجميد الاستيطان، وإن صح ذلك فكيف نفسر تواصل عمل الجرافات في جبال القدس المحتلة واحيائها والمستوطنات التي تطوقها؟

قد يبدو السؤال ساذجا ومحلولا، ولكن الحقيقة ان الصورة معقدة للغاية. فهناك وفرة من المخططات الاستيطانية الكبيرة، واجزاء منها بات في مراحل مختلفة من التخطيط والاقرار ونشر المناقصات والتنفيذ. ويصعب هذا امكانية التحديد اي مشروع استيطاني قديم، وما هو الجديد، وما الذي تم تجميده. قرار اولمرت عشية زيارة الرئيس الامريكي، جورج بوش، للمنطقة (في 30 ديسمبر)، باخضاع كل عملية استيطانية في المناطق المحتلة عام 1967 (باستثناء القدس)، لاذن من وزير الامن، لا يعتبر بالضبط قرار تجميد.

خليل التوفكجي، مدير قسم الخرائط في "مركز الدراسات العربية في القدس"، حاول ازالة الغموض. في حديث للصبّار قال: "ان ما تم تجميده عام 2000 لم يكن البناء في المستوطنات المشرعنة، بل في مخططات هيكلية للاستيطان المستقبلي التي لم يبدأ العمل بها بعد، ومنها جفعات همطوس (على مشارف بيت صفافا)، منطقة إي1 (التي تربط بين معاليه ادوميم والقدس)، جفعات زئيف خارج حدود القدس المحتلة من شمالها. اما المخطط الهيكلي في جبل ابو غنيم (هار حوما، على مشارف بيت لحم) مثلا، والذي يعتبر داخل حدود القدس الموسعة، فلم يتم تجميده اطلاقا".

حول هذا الموضوع تحدثنا ايضا الى حاغيت عوفران، المسؤولة عن المتابعة الميدانية للوضع الاستيطاني في الضفة الغربية من حركة "سلام الآن". تقول عوفران: " بشكل قاطع يمكن القول انه في فترة حكم اولمرت لم يتم تجميد بناء وهو في أوجِهِ ولم يتم تعويض مقاولين تبعا لذلك. كما لم يتم تجميد مخططات أقرّتها لجان لوائية ولم يبدأ تنفيذها بعد. بالعكس، في هار حوما على سبيل المثال اعلنت الحكومة عن بناء 307 وحدة سكن عشية قمة انابوليس، ولم يرعها عن ذلك الخلاف مع امريكا بهذا الصدد ولا التنديد العالمي. كما نُشرت اخيرا مناقصة لبناء 440 وحدة سكن قرب صور باهر جنوبي القدس، ومناقصة اخرى لبناء فندق في مستوطنة غيلو جنوب غرب القدس.

ماذا جدّ في الاستيطان بعد انابوليس؟

بعد انابوليس تم إقرار 550 وحدة سكن في مستوطنة جفعات زئيف الواقعة بالضفة شمالي القدس. وكان المشروع قد أُقرّ للمرة الاولى عام 1999، وتم تجميده عام 2000 بقرار من المقاولين وليس من الحكومة، بسبب الانتفاضة.

كما أقرت لجنة التنظيم اللوائية مؤخرا مشروعا لبناء 2200 وحدة سكن في مستوطنة "جفعات هماطوس" جنوبي القدس (شرقي جيلو)، وذلك من اصل 4000 وحدة. وكان تم في الماضي تجميد المخطط بسبب عملية السلام، ولكن بعد انابوليس اعيد احياؤه وهو الآن في مرحلة تقديم الاعتراضات.

مشاريع اخرى تلت انابوليس: مشروع لبناء 393 وحدة سكن في مستوطنة "نفيه يعقوب" شمالي القدس، يهدف الى ربط المستوطنة بمستوطنة "ادام" الواقعة خارج حدود القدس الموسعة، دخل مرحلة تقديم الاعتراضات؛ الى نفس المرحلة دخل مشروع بناء آخر ل1300 وحدة سكن في راموت شمالي القدس، 105 وحدة سكن منها على ارض القدس المحتلة. ولتعجيل هذا المشروع في راموت، أقرّت وزارة المالية تخصيص خمسة ملايين شيكل من ميزانية الدولة لوزارة الاسكان. عوفران من "سلام الآن" تقول انه ليس واضحا إن كان هذا المشروع جديدا او قديما؛ مشروع جديد دون شك هو ما تم اقراره من بناء 600 وحدة سكن في بسجات زئيف.

ويكشف التوفكجي ان مشروعا خطيرا آخر اعيد احياؤه مطلع هذا العام بعد تجميده. فقد اعلنت لجنة التخطيط عن بدء العمل لبناء شارع الطوق الشرقي الذي يحاصر قرى صور باهر والسواحرة في جنوب القدس. ويعتبر الشارع جزءا من عملية ارساء البنية التحتية للاستيطان ويهدف الى تطويق الاحياء العربية.

علاوة على ما تقدم، هناك المشاريع التي بدأت قبل انابوليس وهي متواصلة على قدم وساق في منطقة القدس: في حي "نوف تسيون" بدأ قبل عامين مشروع خاص، وليس حكوميا، ودخل مرحلة تسويق اول الشقق فيه؛ يتواصل البناء في كل المشاريع الضخمة التي تم اقرارها في الماضي، في بسجات زئيف داخل حدود القدس، معاليه ادوميم شرقيها، بيتار عليت جنوبي بيت لحم، وكلها جزء مما تسميه اسرائيل "القدس الكبرى".

ويشير تقرير جديد لحركة "سلام الآن" انه منذ قمة انابوليس نُشرت مناقصات لبناء 750 وحدة سكن في القدس الشرقية، في حين نشرت في السنة الماضية مناقصات ل47 وحدة سكن. ويشير بحث اجراه التوفكجي، الى ان اسرائيل صادرت منذ عام 1968 وحتى شباط الاخير 24 الف دونم من اراضي القدس، يسكن فيها اليوم 182 الف مستوطن. وبما ان هذه المستوطنات قابلة للتوسع المستمر، فمن المتوقع ان تستوعب في المستقبل عددا اكبر من المستوطنين. وفعلا، أعلن وزير الاسكان بويم عن نيته لبناء حي يهودي جديد في ابو ديس على ارض اشتراها مليونير يهودي يدعى موسكوفيتش قبل بضعة سنوات، كما صرح بنيته بناء 1600 وحدة سكن في جفعات زئيف وهار حوما.

على ضوء كل هذه العملية المكثفة من الاستيطان، تشهد ملامح القدس التاريخية وتركيبتها السكانية تغييرا مستمرا. في احياء مثل الشيخ جراح تتلاشى البيوت العربية الاصلية بين شبكة الشوارع السريعة، الانفاق، الفنادق، مباني الحكومة ومؤسساتها والجامعة العبرية المجاورة.

الهجوم على البلدة القديمة

لعل الموضوع الاكثر حساسية هو المباشرة منذ نهاية آذار الماضي بتسجيل املاك البلدة القديمة في الحي اليهودي في البلدة القديمة بدائرة التسجيل - الطابو. لا شك ان هذا هو قرار سياسي، وكان اول من كشف عنه الصحافي نداف شراغاي مراسل "هآرتس" (11 آذار).

خافت الحكومات الاسرائيلية دائما من ان يؤدي التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين، الى اثارة مصير العقارات العربية التي سيطرت عليها اسرائيل في احياء بالقدس الغربية المحتلة عام 1948، ومنها حي قطمون والطالبية والبقعة وغيرها، والتي لا يزال اصحابها الشرعيون على قيد الحياة وبحوزتهم عقود تثبت ملكيتهم للعقارات هناك. ولكن، تجرؤ اسرائيل اليوم على تسجيل املاك في الحي اليهودي بالبلدة القديمة بالطابو، يشير الى ان تسوية كهذه لم تعد تهددها، ربما بسبب موافقة فلسطينية مبطنة على تقسيم البلدة القديمة حسب مفاهيم كلينتون (الاحياء الفلسطينية للعرب واليهودية لليهود). ولكن بينما يبقى احتمال تقسيم القدس امر غير وارد بالمرة، فان السيطرة الاسرائيلية على الاملاك العربية واردة، وواردة جدا.

في مؤتمر صحافي عقد في 20 آذار، قال خليل التوفكجي والمحامي اسامة حلبي ان تسجيل املاك عربية في الطابو كاملاك اسرائيلية هو اجراء غير قانوني البتة. وذكر التوفكجي انه في عام 1968 كان وزير المالية حينها، بنحاس سابير، قد اعلن عن مصادرة 1300 عقار في 116 دونما بالبلدة القديمة "للمصلحة العامة"، كان بينها 790 بيتا، 1.048 دكانا، خمسة مساجد واربع مدارس، مع ان 85% من ملكية هذه العقارات غير تابعة ليهود.

بعد حرب 1967 قامت اسرائيل باخلاء كافة السكان الفلسطينيين الذين سكنوا الحي اليهودي، ولم يسلم حتى اولئك الذين كانت بحوزتهم اوراق طابو تثبت ملكيتهم لبيوتهم. وكان الاجراء مخالفا لقرارات الامم المتحدة ولميثاق جنيف الرابعة. كما قامت اسرائيل بهدم 132 بيتا في الحي المغربي وترحيل كافة سكانها، بهدف انشاء ما يسمى "ساحة هكوتيل"، اي ساحة حائط المبكى، هذا مع ان اليهود لم يملكوا فيها سوى بيت واحد.

وتزعم اسرائيل انها تمتلك 40 دونما في البلدة القديمة خارج الحي اليهودي. وهي تسعى للسيطرة على عقارات في شارع الواد المؤدي للحرم الشريف، رغم انها لا تملك هناك سوى عشرة مبان، بدءا من بيت اريئل شارون وحتى الحرم. ويقول التوفكجي ان جزءا من هذه المباني العشرة تابع ليهود، وجزء آخر تمت السيطرة عليه لاسباب امنية، وجزء ثالث يعتبر املاك غائبين.

تعقيد التعقيد

الصحافي والمستشار السياسي المقدسي زياد ابو زياد اكد للصبار: "ان الجميع يعرف انه دون القدس لن يكون هناك حل سياسي. والواقع ان الاسرائيليين لا يتوقفون عن عملية الاستيطان الذي يهدف الى اغلاق القدس وفصلها عن الضفة الغربية وافشال المفاوضات. انها رسالة واضحة تشجع المتطرفين في كلا الجانبين. الاسرائيليون لا يريدون حلا سياسيا للنزاع".

لا يُعرف إن كانت هناك مفاوضات سرية على تقسيم القدس، ولكن من الواضح انها فارغة من اي مضمون على ضوء الهجمة الاستيطانية خاصة بعد مؤتمر انابوليس، والتي تهدف الى فصل القدس عن الضفة الغربية. مواصلة الاستيطان في القدس والمنطقة المحيطة بها يشكل رسالة واضحة بان حكومة اولمرت غير معنية بالسلام، بل تستخدم المفاوضات لتغطي على الاستيطان المستمر.

واضح ايضا ان الاحتجاجات الامريكية على عملية الاستيطان ليست اكثر من اسقاط واجب، ولا يتوقع احد ان تلحقها عقوبات على اسرائيل لالزامها بوقف الاستيطان. ان الخريطة التي ترسمها المستوطنات وخاصة حول القدس وداخلها، تزيد في تعقيد الامور وتشكل تركة دموية للاجيال القادمة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__129
18.11.2017, 17:11