فكر ورأي

التهدئة تكرّس الانقسام

انتهت الدورة الاخيرة من الاشتباك الدموي بين حماس وإسرائيل الى تهدئة غير رسمية بين الطرفين، دون التوصل في المسار التفاوضي الموازي الى اتفاق حول رزمة القضايا التي تشكل صلب النزاع. من منظور حماس انتهت الجولة بانتصار كبير لها على اسرائيل بمساعدة الحرب الاعلامية الضخمة التي اتهمت اسرائيل بالنية لارتكاب "محرقة" في قطاع غزة. وما لم تتمكن صواريخ القسام من تحقيقه، تمكنت منه قناة "الجزيرة" التي نقلت صور جثث الاطفال الى العالم واثارت استياء عالميا حيال ما تقترفه اسرائيل تجاه المدنيين الابرياء العزل.

وإذا كان هدف الاجتياح الاسرائيلي تلقين حماس درسا حتى توقف القصف الصاروخي على بلدة عسقلان، فسرعان ما ادركت الدرس القديم الجديد انه لا يمكن الانتصار في حرب تُشنّ ضد مدنيين. ازاء الجرائم توحد حتى حلفاء امريكا في المنطقة من السعودية ومصر والأردن وحتى سلطة ابو مازن، لادانة اسرائيل. كما تدخلت وزيرة الخارجية الامريكية، كوندوليزا رايس، لوقف النار والوصول لاتفاق بين اسرائيل وحماس بوساطة مصرية.

منذ ذلك الحين تمتنع اسرائيل عن قتل انصار حماس، كما اعلنت انها لن تقوم بعمليات عسكرية في القطاع في حال توقف القصف الصاروخي على البلدات الجنوبية. حماس من جانبها اوقفت نيرانها على اسرائيل، كما بعثت وفدا الى اليمن للتباحث مع فتح والتوصل لاتفاق يستند على عبارة "عودة الامور الى ما كانت عليه".

الترتيب الجديد يشير عمليا الى فشل الحصار الذي تفرضه امريكا واسرائيل على قطاع غزة بهدف عزل حماس، واعتراف اضطراري بالأمر الواقع وهو ان سلطة حماس هي السلطة السياسية في قطاع غزة وانه من الضروري التعامل معها بالطرق السياسية.

قمة انابوليس التي كان المفروض ان تشكل المسار الاساسي لعزل حماس، دخلت الى طريق مسدود، وقادت للنتيجة العكسية اذ ساهمت في عزل ابو مازن. الحصار على غزة الذي كان مدعوما من السلطة الفلسطينية ضرب بمصداقية رئيسها، واتاح لحماس عرقلة المفاوضات الجارية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية بمجرد اطلاق صاروخ على بلدة سديروت.

من خلال صراعها الصاروخي تسعى حماس لتحقيق مكاسب سياسية، وهدفها الاول هو الاعتراف بسلطتها في غزة من خلال فك الحصار الاقتصادي. حماس تريد السيطرة على معبر رفح، والوصول الى صفقة تبادل اسرى مقابل الافراج عن الجندي جلعاد شليط. ولكن رغم فشل اسرائيل في اخضاع حماس للشروط السياسية التي وضعتها "اللجنة الرباعية" (المكونة من امريكا، روسيا، الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة)، وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل والاتفاقات الموقعة معها ونبذ العنف، الا ان هذا لا يعني ابدا قبول مطلب حماس الاساسي وهو شرعنة انقلابها على السلطة في غزة.

بعد ان اتضح للامريكان ولاسرائيل ان القوة لم تُجدِ نفعا، اتبعتا طريق الحوار بهدف تحييد حماس وعزل غزة عن الضفة الغربية. ولا شك ان في هذا التحول اعترافا ضمنيا بسلطة حماس على غزة، ولكن دون منحها الشرعية، بل هو يهدف بالاساس الى إسكات حماس حتى يُفسَح المجال للتوصل لاتفاق في الضفة الغربية مع ابو مازن وحكومة سلام فياض.

المفاوضات الجارية الآن بين اسرائيل ممثلة بالجنرال عاموس جلعاد وبين حماس، بوساطة رئيس جهاز المخابرات المصري، عمر سليمان، تسعى الى حل وسط يمنح الهدوء لاسرائيل، ويمنح حماس حدا ادنى من السلطة، دون اعتراف رسمي بشرعية انقلابها، وذلك من خلال تخفيف وطأة الحصار عليها ومنحها نوعا من الحضور في معبر رفح واتمام صفقة تبادل الاسرى. المعنى السياسي للترتيب الممكن بين الطرفين هو عمليا تكريس الانقسام السياسي، الاقتصادي والإقليمي بين قطاع غزة والضفة الغربية.

ان الانقسام الفلسطيني الداخلي يقود لا محالة الى تقسيم المناطق المحتلة على نحو يخدم الاحتلال الاسرائيلي. ان الاعتراف بحكومة هنية وسلطة حماس في غزة حسبما تريد حماس، ليس سوى تحقيق للحلم الصهيوني وهو عزل مصير قطاع غزة عن مصير الضفة الغربية. كان هذا الهدف من اتفاق المبادئ "غزة-أريحا اولا" الذي أُبرم عام 1993 بين اسرائيل والفلسطينيين، وشكّل الاساس لاتفاق اوسلو لاحقا. وكان المقصود باتفاق المبادئ منح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات "دولة" في غزة، مقابل ان تواصل اسرائيل سيطرتها على الضفة الغربية، تماما كما يحدث اليوم. وكان عرفات قد رفض حينها تلك الخطة وطالب بنوع من السلطة ايضا في الضفة. اما حماس اليوم فتسعى لتأسيس "امارة اسلامية" في غزة تتمتع باعتراف ضمني، مقابل "كيان" فلسطيني دون سيادة في الضفة الغربية.

ان هذه الصفقة التي تطمح لها اسرائيل وأمريكا، وتحظى بدعم ابو مازن وبعض الدول العربية المتواطئة، ليست سوى وصفة لتكريس الاستيطان في الضفة الغربية وإدامة الاحتلال المستفيد من الانقسام الفلسطيني، هذا الانقسام الذي ادخل الشعب الفلسطيني الى احلك مرحلة في تاريخه.

ان مصير هذه الخطة هو الفشل، كما فشلت خطة الانفصال الاحادي الجانب عن قطاع غزة، وكما فشل الحصار التجويعي وغيرها من الخطط التي تخترعها اسرائيل بهدف منع الشعب الفلسطيني من نيل حريته واستقلاله. ولكن للاسف وخلافا لما تدّعيه حماس، فالفشل الاسرائيلي لا يعني بالضرورة انتصار الفلسطينيين. انه يعني المزيد من المعاناة، ليس بسبب الاحتلال العسكري هذه المرة فحسب، بل بسبب الانقسام والتعسف وعدم الاستقرار الداخلي ايضا.

لا شك ان الحل الوحيد هو اعادة الوحدة للشعب الفلسطيني، ونقول "الشعب" وليس فتح وحماس، لان الوحدة بين القيادتين صارت ضربا من المستحيل، بغض النظر عن الجهود اليمنية او السعودية.

تتحمل اسرائيل المسؤولية الاولى والرئيسية عن الحال المزري الذي وصلناه، ولكن فتح وحماس مسؤولتان هما ايضا عن هذا الدرك. لذا فلا بد من ظهور قوى سياسية جديدة، بعيدة عن نهج سلطة ابو مازن المتواطئة مع امريكا واسرائيل، وبعيدة عن الخط المتزمت الذي تنتهجه حماس. العالم يتغير، الاقتصاد العالمي يمر بحالة من الازمة وتغييرات سياسية واجتماعية قادمة لا محالة. لا بد للشعب الفلسطيني ان يواجه هذه التغييرات بقوة سياسية متجددة بعيدة عن اساليب الماضي، وان يسعى لكسب الدعم العالمي الذي يستحقه، وتحديدا دعم الطبقة العاملة في كل مكان، وان يتبوأ مكانه كعضو فعال في المعركة العالمية ضد النظام الرأسمالي. ليست هناك مخارج سهلة، ولا بد من اعادة بناء قيادة سياسية جديدة للخروج من المأزق الخطير الذي وصلنا اليه.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__116/التهدئة_تكرّس_الانقسام
20.11.2017, 17:11