تاريخ النشر ٢٤/٠٣/٢٠٠٨

حزب دعم

حزب دعم يصمم على نهجه العمالي

فيما يلي التقرير السياسي للجنة المركزية لحزب دعم المنعقدة في 16 آذار 2008، حيفا.

شكّل النقاش حول قمة انابوليس وموقفنا منها محورا اساسيا في التقرير السياسي المقدم للجنة المركزية السابقة التي انعقدت في كانون اول الاخير. وقد تبين ان تحليلنا كان صحيحا بالنسبة لمصير هذه القمة، وانه من المستحيل الوصول لاتفاق نهائي حتى نهاية العام الحالي بين الحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية. الطريق المسدود الذي وصلته السياسة الاسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، حدد موقفنا من الحل النهائي وهو يضع امام اسرائيل خيارين لا ثالث لهما: اما منح الفلسطينيين الاستقلال التام في مناطق ال67، او التحول الى دولة واحدة ثنائية القومية.

الواقع انه من اليوم الاول لم يحظ مشروع انابوليس بثقة الجانب الاسرائيلي ولا الفلسطيني. ان رؤية بوش التي تطالب الفلسطينيين بالاكتفاء بدولة "اشلاء" محاصرة بالمستوطنات، لا يمكن ان تعيد ثقة الشعب الفلسطيني بسلطته. ولا يساهم في ذلك ايضا انقسام السلطة الفلسطينية على اساس فكري وسياسي واقليمي ايضا، بعد استيلاء حماس على قطاع غزة وطرد رموز سلطة فتح منها. ومع ان الجميع يتفق على فشل مشروع انابوليس، الا ان احدا لا يطرح مشروعا سياسيا بديلا، وهو ما يفسر المواجهات بين اسرائيل والفلسطينيين، تحديدا في قطاع غزة.

لا بد من التنويه ان المواجهات بين اسرائيل وحماس، هي امتداد ايضا للمواجهات بين فتح وحماس، والتي انتهت بهزيمة فتح في غزة واستيلاء حماس عليها. منذ ذلك الحين، بدأ الحصار التجويعي على قطاع غزة، بهدف قلب الامور واعادتها لسابق عهدها، او على الاقل اجبار حركة حماس على الدخول في العملية السياسية، وعدم عرقلة مساعي اسرائيل والسلطة الفلسطينية للتوصل لصفقة بينهما. لا شك ان وجود حماس كسلطة معارضة في غزة يضعف موقف رئيس السلطة الفلسطيني، محمود عباس، ويفرغ المفاوضات مع اسرائيل من اي مضمون.

الحقيقة المرة ان الشعب الفلسطيني لا يواجه الاحتلال الاسرائيلي فقط، بل يواجه ايضا انشقاقا داخليا وخيارين متضاربين: خيار فتح الذي يسعى لتحقيق انجازات سياسية من خلال التحالف مع امريكا والتعاون مع اسرائيل؛ وخيار حماس الذي يفضل خيار المقاومة المسلحة. المشكلة انه لم يتم حسم الخيارات بشكل ديموقراطي من خلال الانتخابات، بل اصر كل طرف على تطبيق نهجه دون علاقة برأي الطرف الآخر، بل ومن اجل تأسيس سلطته على حساب الآخر. النتيجة كانت الانقسام الخطير بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

كلا الخيارين، سواء المفاوضات او المقاومة، لا يقربان الشعب الفلسطيني من الحل المنشود، ومع هذا فكل طرف يتمسك بخياره في سباق مع الوقت لإحكام سيطرته على الارض. فمن جهة، استمرار الحصار المفروض على غزة يهدد وجود حماس كسلطة، الامر الذي يفسر استعدادها للمخاطرة بقصف مدن اسرائيلية، حتى لو ادى ذلك لاجتياح اسرائيلي للقطاع ولرد الفعل العنيف الذي شهدناه مؤخرا. فوضع حماس صعب للغاية وهي لا تستطيع تحمله لفترة طويلة، خاصة بسبب المعاناة الكبيرة التي يعيشها اهل القطاع، وهو ما اضطرها لاقتحام الحدود مع مصر. وليس وضع سلطة ابو مازن بافضل حالا، فهي ايضا لا تستطيع الصمود طويلا دون احراز تقدم حقيقي في المفاوضات يحسن وضع مواطني الضفة الغربية، ويثبت ان طريق المفاوضات تجلب نتائج ملموسة.

ولا بد من الاشارة ايضا الى ان الخلاف بين الطرفين لا يقتصر على النهج السياسي لتحصيل الحقوق الوطنية فحسب، بل يكمن ايضا في النمط الاجتماعي والاقتصادي. فحركة فتح من جهة تريد نظاما علمانيا رأسماليا يخدم البرجوازية الفلسطينية مثل سائر الانظمة العربية، اما حماس فتريد مجتمعا اسلاميا منغلقا ومعزولا عن الغرب.

ان الوضع الفلسطيني المتأزم ليس سوى انعكاس لازمة اكبر يشهدها الشرق الاوسط برمتها والتي تصل ذروتها في العراق ولبنان بالاضافة للمناطق الفلسطينية. ان الانقسام بين فتح وحماس يعكس انقساما عربيا عاما دخل حتى الى دول الخليج نفسها. حسب هذا الاصطفاف هناك محوران: الاول يشمل ايران، سورية، قطر، حزب الله وحماس، والثاني محور تقوده امريكا واسرائيل ويشمل السعودية، مصر، الاردن، كتلة 14 آذار في لبنان وسلطة فتح في فلسطين.

غير ان المحور الذي يعتبر نفسه "مناهضا للامبريالية"، ليس بالفعل معارضا لامريكا. والدلالة على ذلك هي موقف دول هذا المحور من العراق الذي صار القضية المحورية التي تسعى امريكا من خلالها لإعادة رسم خريطة الشرق الاوسط من جديد. وفي المسألة العراقية يتضح بشكل سافر ان حلفاء امريكا الاساسيين هي نفسها دول المحور التي تدّعي "مناهضة الامبريالية". ايران، سورية، حزب الله، حركة الاخوان المسلمين، كلهم وقفوا الى جانب امريكا وإسرائيل من اجل اسقاط نظام صدام حسين. وفي حين رفضت السعودية نفسها السماح لامريكا باستخدام القواعد العسكرية فيها، سمحت قطر للامريكان بضرب العراق من اراضيها.

وليس هذا حلفا جديدا، بل تاريخيا تحالفت امريكا مع الحركات الاسلامية وإيران، في حربها لإسقاط النظام الاشتراكي. وكانت النتيجة تقوية الاسلام السياسي على حساب الحركات القومية العربية العلمانية والمتعاطفة مع الاتحاد السوفييتي.

زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لبغداد بموافقة الامريكان وحمايتهم، هي اكبر اثبات على هذه العلاقة المركبة، وتشير لالتقاء المصالح بين النظام الاسلامي الايراني وبين البيت الابيض. لقد تحولت ايران الى عنصر مهم بالنسبة للسياسة الامريكية في العراق، هذه المرة على حساب دول عربية اساسية مثل مصر والسعودية.

من هنا، يكون من الخطأ تفضيل احد المحورين، حتى لو ادعى احدهما "المقاومة" ومناهضة امريكا واسرائيل. علينا ادراك القصد ب"المقاومة" وتحديد مصالح الطرف الذي ينادي بها. ايران وسورية وقطر ليست دولا تقدمية تسعى لاسقاط النظام الرأسمالي، بل هي جزء من هذا النظام وتطبقه في بلادها، كما لا يمكننا تأييد بسط النظام الاسلامي كوسيلة حكم هدفها اعادة الشعوب للعصر الحجري.

رغم التناقضات بين المحورين، الا ان هناك امر واحد اساسي يجمع بينهما وهو الصراع من اجل بقاء نظام الحكم. هذا ما يفسر استعداد "المقاومة" للتعاون مع الامريكان في العراق وضد أي نظام او حركة يعارضاها فكريا، وخاصة اذا كانت لهما صبغة علمانية او اشتراكية.

التلاعب بالغضب الجماهيري

حزب دعم يواجه وضعا سياسيا معقدا، وهو ليس بالوضع الجديد. كنا في وضع شبيه عندما اندفعت كل الاحزاب العربية وراء اتفاق اوسلو وباعت الجماهير الوهم بان الصهيونية غيّرت جلدها. حينها بقينا نحن في المعارضة. وبسبب دعم الاحزاب العربية لحزب العمل لرئاسة الحكومة، قررنا تأسيس حزب دعم، وكنا الحزب الوحيد الذي تمسك بخيار الورقة البيضاء لرئاسة الحكومة. احداث اكتوبر 2000 بيّنت صحة تحليلنا وساعدتنا في حفظ مصداقيتنا السياسية، حتى لو اننا لم نحصد بعد الثمار السياسية لهذا الموقف.

اليوم نواجه ظاهرة عكسية. فقد انقلبت التوقعات الكبيرة من اوسلو الى خيبة امل وغضب جماهيري عارم، وصل ذروته في انتفاضة عام 2000. وإذا كان الغضب الجماهيري امرا مفهوما ومقبولا نظرا للوضع الصعب سياسيا واقتصاديا، فان المشكلة الاكبر هي ان الاحزاب والانظمة التي ساهمت في ايهام الناس، تستغل هذا الغضب لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب مصلحة الجماهير وطبقتها العاملة.

ان الغضب الجماهيري ليس برنامجا بحد ذاته، ويمكن استغلاله لأهداف بعيدة جدا عن مصلحة الجماهير. ويعيد هذا الى الاذهان ما كان في المانيا في ثلاثينات القرن الماضي، حين ساد وضع اجتماعي عصيب شبيه بالذي تعيشه الشعوب العربية اليوم. الشعب الالماني خرج من الحرب العالمية الاولى مهزوما وفُرضت عليه شروط قاسية جدا. الانهيار الاقتصادي، البطالة، الفقر بالاضافة للشعور بالذل، شكلت تربة خصبة لنمو الفاشية على اساس معارضة الشيوعية والرأسمالية على حد سواء، ومن اجل استعادة مكانة المانيا في العالم. وقد لعب الاعلام دورا اساسيا في تحريض الجماهير وتعبئتها.

ولكن هذه كانت "الدعاية"، اذ ان الفاشية هي شكل من اشكال الرأسمالية، والشركات الالمانية هي التي دعمت هتلر ومولت حربه. كذلك هو الحال اليوم مع الحركات الاسلامية التي تدعي مقاومة امريكا ولكنها تتبنى النظام الرأسمالي، وتتعاون مع رأس المال للحفاظ على نظامها.

اليوم تستغل الحركات الاسلامية المعادية للديموقراطية الغضب الجماهيري الناجم عن استبداد وقمع الانظمة العربية، بهدف توسيع نفوذها. يتم هذا من من خلال التحريض ضد اسرائيل وامريكا واتهامهما بانهما المصدر الوحيد لمعاناة الشعوب العربية. لا شك ان أمريكا واسرائيل تتحملان المسؤولية الاولى عما يحدث في المنطقة، ولكن لا يمكن تبرئة الانظمة العربية بالاضافة لايران من مسؤوليتها ايضا عن الدرك الخطير الذي وصلته شعوبها بسبب استبدادها وفسادها، وهي اليوم تحرف الغضب الجماهيري عن نفسها وتوجّهه لامريكا واسرائيل.

ورغم ادعاء مقاومة اسرائيل، الا ان هذه الانظمة والحركات التابعة لها لا تملك القدرات العسكرية، الاقتصادية والسياسية لاسقاط النظام الصهيوني، وهي نفسها لا تصدق انها قادرة على ذلك. واذا كانت المانيا قد آمنت بقدرتها على احتلال العالم واستطاعت تنفيذ جزء كبير من طموحاتها، الا ان المقاومة العربية تهدف لشيء ابسط بكثير وهو بسط نفوذها الاقليمي في المنطقة، وانتزاع اعتراف امريكي اسرائيلي بمكانها، لا اكثر. وكالعادة، تدفع الشعوب العربية ثمن هذه السياسة التي ادت لحروب اهلية في العراق ولبنان وفلسطين، وتهدد بالانتشار لدول عربية اخرى.

يعرف الجميع ان الانتصار على اسرائيل وأمريكا وإنهاء الاحتلال، هي مهمة جبارة لا يمكن تحقيقها دون تضافر كل الجهود العسكرية، والاقتصادية السياسية. ولكن ما يقوم به "المقاومون" انما يؤدي الى شق الساحة السياسية الداخلية والعربية، وتوجيه الصراع ضد نصف الشعب، مما يضعف النضال ويجعل الكلام عن الانتصار مجرد وهم لا يمكن تحقيقه.

ان الانتصار على اسرائيل وامريكا يستوجب برنامجا بديلا للاستعمار وللرأسمالية، برنامجا يفتح الطريق للوحدة الداخلية ولتحالف واسع النطاق مع الطبقة العاملة في كل العالم والتي تعاني هي ايضا من هذا النظام. ولكن هذه الرؤية ليست مطروحة اليوم، وما يسود في الساحة السياسية هو الاحباط والغضب والمشاعر القومية والدينية المنغلقة التي تكرس الانظمة والحركات الرجعية القائمة.

كيف نواجه الظرف السياسي الحالي؟

منذ اليوم الاول لتأسيس حزب دعم، حذرنا من عواقب السياسة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك اتفاق اوسلو المجحف. في عام 2005 عارضنا الانفصال الاحادي الجانب عن قطاع غزة، والذي حظي للاسف الشديد بدعم الاحزاب العربية بحجة انها لا تستطيع معارضة الانسحاب من الاراضي العربية. اليوم اتضحت العواقب الوخيمة لهذه السياسة التي سرّعت الانشقاق الداخلي وادت لتدهور الاحوال الاقتصادية. حزب دعم يعود ويؤكد ان اسرائيل تتحمل كامل المسؤولية عن القصف الصاروخي على بلدة سديروت وعسقلان، نتيجة انفصالها الاحادي الجانب دون اتفاق يضمن حقوق الشعب الفلسطيني.

كان واضحا من البداية ان محاولة اسرائيل فرض موقفها على حركة حماس من خلال الحصار التجويعي، ستقود لرد فعل عنيف. مداولات الحكومة الاسرائيلية حول سند قانوني يمكّنها من ارتكاب مجازر ضد المدنيين الابرياء، بحجة وقف القصف الصاروخي، ليست الا دليلا على فقدان الطريق والرشد والاخلاق، وهي تدعو عمليا الى عمليات انتقامية مضادة كالتي شهدناها في المدرسة الدينية في القدس مؤخرا.

من جهة اخرى، محاولة اسرائيل فرض دولة "اشلاء" فلسطينية على الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وتكريس الكتل الاستيطانية وضم القدس لاسرائيل، انما تغلق الباب امام كل تسوية سلمية. وكما ذكرنا في تحليلنا في اللجنة المركزية السابقة، فان اسرائيل بذلك تقرّب نفسها من اعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية وغزة، وليس للحل الذي صار يلبي مصلحة اسرائيلية وهو دولتين لشعبين.

في الظرف الراهن لا يمكننا تبني مقاومة حماس ولا مفاوضات فتح، لان كلا الموقفين في رأينا يضران بمصلحة الشعب الفلسطيني وبطبقته العاملة. مرة اخرى، يظهر موقفنا هذا مغايرا لموقف الاحزاب العربية الفاعلة في الميدان في اسرائيل، والتي انشقت سياسيا بين من يدعم حماس وبين من يدعم ابو مازن. ومع هذا فجميع هذه الاحزاب اتحدت في الخطاب المتطرف، سواء الاسلامي او القومي. النتيجة الحتمية لهذا التصرف غير المسؤول هي عزل الجماهير العربية مما يؤدي لمزيد من التدهور في اوضاعها على كافة الاصعدة.

ولا يخلو موقف الاحزاب العربية من النفاق، فهي تعتمد الخطاب المتطرف ولكنها في الواقع لا تتردد في الائتلاف مع رموز الرأسمالية الصهيونية. هذا ما يحدث مع الجبهة التي تحافظ على ائتلافها مع حزب العمل في الهستدروت ومع حزب كديما في بلدية حيفا، وكذلك الحركة الاسلامية التي صوتت مع ميزانية الدولة. انهم ينادون "بالروح بالدم"، ولكنهم يبخلون بالتضحية بمناصبهم التي حظوا بها بفضل تحالفاتهم في الهستدروت ومؤسسة "نعمات" النسائية والبلديات الممولة من الدولة الصهيونية. من جهة اخرى، ادى الموقف المتطرف لحزب التجمع وانحيازه الغريب لصالح سورية وحزب الله، الى ضرب الحزب وقيادته، حتى لم يعد واضحا ماذا سيكون مصيره في الانتخابات للكنيست القادمة.

لقد تخلت هذه الاحزاب منذ زمن طويل عن الجماهير، وانعدم عملها الميداني حتى فقدت مصداقيتها. واليوم تنجر وراء المزاج الشعبي الناقم على الوضع، بدل ان تقوم بدور قيادي مسؤول وتحذر الناس من الانجرار وراء المواقف المتطرفة قومية كانت او اسلامية. ان الاحباط العام ليس برنامجا سياسيا، والانغلاق يضر بنا اكثر مما يضر بالحكومة الاسرائيلية. لنا حقوق وبرنامج ولا بد من وضع خطة للمدى القريب واخرى للمدى البعيد، لمواجهة البرنامج الرأسمالي الصهيوني. وهذا بالضبط ما يقوم به حزب دعم.

بدل اقتراح الوحدة الوطنية بين فتح وحماس، وهو امر بات مستحيلا، أوضحنا لأنفسنا منذ يوم تأسيسنا ان دورنا هو طرح نهج بديل للبرجوازية الفلسطينية القومية وللبرجوازية الصغيرة العربية التي تبنت النهج الاسلامي. ان النهج الاممي العمالي الاشتراكي لا بد ان ينتصر على التيارين المتنافسين القومي والاسلامي، بعد ان يتضح للجميع أنهما يقودان لطريق مسدود وهي مسألة وقت حتى وإن طال الوقت.

وكان موقفنا الاستراتيجي وما زال، ان إحداث التغيير والتغلب على الاحتلال والنظام الرأسمالي يستوجبان اعادة تنظيم الطبقة العاملة الفلسطينية كعنصر اساسي في المجتمع، مؤهل للقيام بدوره القيادي والطليعي على اساس برنامج اشتراكي مناهض للاستعمار والرأسمالية. ولا بد ان تشمل عملية اعادة البناء هذه كل دول العالم التي تعاني من هذا النظام، وتحديدا الدول الصناعية نفسها وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

واعتمادا على هذا الموقف، أسسنا جمعية معًا كنقابة عمالية وبدأنا نوجّه جهودنا لانجاحها. ان مشروع معًا هو نهج وبديل ملموس للمناخ السياسي العام القومي والإسلامي، يفتح امامنا الطريق الى قلب المجتمع والجمهور الاكثر تضررا من سياسة الحكومة العنصرية. ان نضالنا العمالي هو الذي يملي علينا نهجنا السياسي ويحدد شعاراتنا وخطابنا السياسي. ويعني هذا ان موقفنا من الانظمة والحركات السياسية العربية، متعلق بموقف هذه الانظمة من الطبقة العاملة داخلها.

ان احدى المهمات الاساسية لانجاح البرنامج النقابي هي الانفتاح وليس الانغلاق، الانفتاح على كل شيء تقدمي في كل مجالات الحياة التي من شأنها ان تقوي الطبقة العاملة والمجتمع العربي بهدف التخلص من وضع التخلف. الانفتاح يعني ايضا البحث عن حلفاء داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه والوصول الى الشرائح والعناصر التي تريد المساواة مع الفلسطينيين. الانغلاق القومي يجعل من كل يهودي عدوا، ولكن الانفتاح هو الذي يمكّننا من النظر بموضوعية للمجتمع الاسرائيلي من منطلق اشتراكي يحكم كل انسان حسب موقفه واستعداده للمساهمة في بناء مجتمع جديد على اسس اشتراكية.

على هذا الاساس نحن نتوجه الى فنانين، شعراء ومثقفين في المجتمع الاسرائيلي لتجنيدهم لجمعية معًا من خلال انضمامهم لبرنامج التقاعد، او من خلال مشاريع تثقيفية مربوطة بالطبقة العاملة وخاصة الفلسطينية. ابدا لم نسعَ لاخفاء موقفنا السياسي، بل هو واضح باللغات الثلاث في نشراتنا السياسية، ليعرف كل من ينضم لطريقنا ما هي مبادئنا. لم نُخفِ العلاقة الوثيقة بين معا وحزب دعم، كما رشّحنا امرأة عربية في رئاسة القائمة للكنيست لتوضيح موقفنا تجاه الجماهير العربية في البلاد ودورها الطليعي في بناء المجتمع الجديد.

رغم كل هذا، وفي الوقت الذي تسود فيه الكراهية المطلقة بين اليهود والعرب، تمكنّا من اختراق الجدار وكسب تعاطف واحترام اوساط في المجتمع الاسرائيلي. مئات النساء العربيات والشباب يتظاهرون في تل ابيب، في يوم المرأة العالمي وفي مهرجان الاول من ايار، نبادر الى معارض فنية ومجموعات شعرية وتحظى باحترام في نفس الوقت الذي تسقط فيه القذائف وتتعالى اصوات التعصب القومي في كلا الطرفين. لنا رسالة وموقف ونهج تكسر الانغلاق وتفتح الآذان. لا نزال في بداية الطريق وما علينا الا المضي قُدمًا لنقطف ثمار عملنا.

الصعوبات والفرص امامنا

رغم التقدم الكبير والمصداقية التي بناها حزب دعم وجمعية معًا، الا ان هناك صعوبات وهي ناجمة عن الوضع الموضوعي العصيب الذي يواجهه مجتمعنا العربي. فالشريحة المثقفة انغلقت على نفسها وراء مواقف قومية، ولا تبدي أي استعداد حقيقي للمساهمة في بناء اطر سياسية بديلة، وصارت بعيدة جدا عن هموم الطبقة العاملة والجماهير الواسعة.

ويؤثر هذا الوضع على الطبقة العاملة بشكل سلبي، فالجمهور العام يبتعد عن السياسة ويتأثر كثيرا بما يحدث في الساحة العربية والفلسطينية من تناحر وحروب اهلية. وسائل الاعلام العربية، وتحديدا الفضائيات، تشجع اليأس وتقدم الدين للجمهور كملاذ آمن وحيد في مواجهة شراسة النظام الرأسمالي الامريكي ومذابح الاحتلال الاسرائيلي. اما الخطاب الاشتراكي الاممي الذي يطرح نهجا بديلا ورؤية مختلفة هدفها توضيح الحقيقة وتمكين الطبقة العاملة من اختيار طريقها وتنظيم نفسها سياسيا، فلا يلقى آذانا صاغية في هذه المرحلة.

في مواجهة وضع اللامبالاة واليأس العميقين، نركز اليوم في العمل النقابي. فالنضال من اجل إحداث اماكن عمل والدفاع عن حقوق العمال، هو امر اساسي نظرا لحال الفقر الذي يعانيه جمهور كبير من المجتمع العربي. بناء هذه القاعدة مهمة ضرورية لكسب ثقة العامل بنفسه اولا ثم بالجمعية وبرفاقه العمال ثم بالسياسة كوسيلة لتغيير الواقع الذي يعيشه. بطبيعة الحال التقدم في هذا البناء لا يتم بخط مستقيم بل يشهد تقدما وتراجعا، وهو يحتاج الى وقت حتى يدرك جمهور العمال معنى واهمية النقابة في حياتهم. ومن هنا اهمية العمل الدؤوب والتراكمي والنشاط التثقيفي المستمر، لبناء اول قاعدة عمالية مرتبطة بالحزب.

وفي الوسط الاسرائيلي يدل النشاط الثقافي في اكثر من مجال على الاستعدادات العالية للتعاون مع الحزب، كما يبدو واضحا من العدد الاخير من مجلة "اتجار" بالعبرية. دُعينا الى اكثر من منصة وفُتح امامنا المجال لكسب ثقة الجمهور. ان هذا التطور هو الذي دفع بنا لترشيح انفسنا في الانتخابات القادمة لبلدية تل ابيب، وكانت الحلقات السياسية الاولى ايضا دليلا على مدى الدعم الذي يحظى به عملنا في صفوف المثقفين في الوسط الاسرائيلي.

تعبير محلي لازمة عالمية

لا بد من التأكيد على ان كل ما نقوم به نابع من تحليل مسهب لازمة النظام الرأسمالي العالمي وانعكاساتها على المجتمع المحلي. الحرب الدموية بين اسرائيل وحماس هي تعبير عن حدة هذه الازمة، وليست ظاهرة معزولة عنها. انها ليست حرب حضارات، بل احد افرازات الصراع الطبقي حتى وإن ارتدى زيًّا دينيا عقائديا. ان الاحتلال والسياسة الرأسمالية الاسرائيلية هما اللذان جلبا الفقر والسلطة البرجوازية الفاسدة للمناطق المحتلة، وهما اللذان يفتحان المجال امام نمو الحركات الاسلامية السياسية، كما يحدث في سائر الدول العربية.

الى جانب ظاهرة الفقر التي تتغذى منها الحركات الاسلامية، نمت ايضا ظاهرة المجتمع الغني الاسرائيلي الذي انقسم الى طبقات وتبنى فكر ونمط حياة ما بعد الصهيونية، بمعنى تحول الى مجتمع رأسمالي، وضع القيم الرأسمالية فوق القيم الصهيونية، وفقد الثقة بنفسه وبإمكانية مواجهة القضية الفلسطينية والوصول معها الى حل. اننا امام واقع عالمي ومحلي جديد، الدول تتفكك، النظام العربي منشق على نفسه والتحولات لا تقفز عن أي بلد من بلدان المعمورة.

نحن كماركسيين نرى في الازمة التي تعصف بالولايات المتحدة وتهدد اقتصادها، نتيجة طبيعية للنهج الرأسمالي المفرط الذي خلق الفوضى حتى ادخل الاقتصاد الى جمود تام. معارضتنا لاوسلو جاءت من منطلق تحليلنا للنظام الرأسمالي العالمي وفهمنا ان اوسلو هو الترجمة المحلية لهذا النظام. وكان موقفنا في ذلك الحين انه لا بد للنظام الرأسمالي من الدخول في ازمة كبيرة جدا، وذلك خلافا للاحزاب الاخرى التي سلّمت بالأمر الواقع واعتبرت انتصار الرأسمالية على الاشتراكية امرا حتميا ونهائيا.

ان النظرة الشمولية للنظام الرأسمالي ككل هي التي تحسم موقفنا السياسي وتقرر برنامجنا الحزبي. نحن في مرحلة تحتد فيها ازمة النظام الرأسمالي، وهذا باعتراف قادة هذا النظام انفسهم. امريكا تقترب من نهاية مرحلة سياسية كاملة جربت فيها القوة كوسيلة للتغلب على فقدان نفوذها العالمي، ولكن النتيجة جاءت بعكس التوقعات. امريكا لا تعرف كيف تتصرف، هل تبقى في العراق ام تنسحب؟ هل تغير النظام الاقتصادي الذي يقود لركود تاريخي، ام تستمر فيه؟

الحال ان هناك ارباكًا وعدم ثقة من جانب الجمهور الامريكي وتحديدا الطبقة العاملة بالمؤسسة الحاكمة. هذا يذكرنا بما يحدث في اسرائيل، ويشكل فرصة تاريخية كبيرة على نطاق عالمي، لبناء حركة عمالية على اسس ثورية. لا شك ان هذا التطور سيستغرق مرحلة تاريخية شاملة، ولكنه لا بد ان يحدث اذا ارادت الانسانية ان تعيش.

حزب دعم يواصل انتهاز كل فرصة للوصول للطبقة العاملة ولكل نقابة ومجموعة في العالم تناضل مثلنا من اجل التغيير. علينا تقوية جمعية معًا كإطار نقابي والاستمرار في طرح انفسنا على كل منبر سياسي حسب قدراتنا المتواضعة.

اننا ثقة بنهجنا هذا، وقد حققنا انجازات مهمة جدا علينا ان نعرف كيف نحميها لتكون اساسا متينا لانطلاقة حزبية جديدة، في مرحلة ما بعد هذه الفترة المظلمة التي علا فيها صوت التعصب على صوت العقل والتقدم. فلا بد للعقل ان يغلب ولثورة العمال ان تشق طريقها من جديد لمحو الاستغلال والحرب والمجازر التي تهدد كيان الانسانية.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__115/حزب_دعم_يصمم_على_نهجه_العمالي
21.11.2017, 12:11