العدد ٢١٠, ايلول ٢٠٠٧

فكر ورأي

خريف ضبابي

تصل الى المنطقة وزيرة الخارجية الامريكية، كوندوليزا رايس، للتحضير للمؤتمر الدولي الذي سيجمع بين رئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود اولمرت، ورئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في تشرين ثان المقبل. عندما بادر الرئيس الامريكي، جورج بوش، لهذا المؤتمر كان يطمح للتوصل لاتفاق اسرائيلي فلسطيني مدعوم من الدول العربية. الى أي درجة كان واقعيا؟ ليس كثيرا. فكلما اقترب موعد المؤتمر، تزداد الحيرة والارباك حوله. فلا موعد محدد له، لا مكان، لا جدول عمل ولا حتى اطراف مدعوة. ويعكس حال المؤتمر بشكل دقيق الوضع العام في الشرق الاوسط الذي يشهد تقلبات عنيفة منذ تولى بوش ادارة البيت الابيض، وبالتحديد منذ حرب العراق.

مصير المؤتمر مجهول لان اسسه هشة جدا. شعبية بوش تحطمت وهوت الى 5% فقط من الجمهور الامريكي، وتحول الى "بطة عرجاء" معرّضًا للانتقاد وعاجزا عن اتخاذ قرارات مصيرية. ولا يتمتع اولمرت بدعم اكثر من 30% من الاسرائيليين، وهو لا يريد من المؤتمر اكثر من اعلان مبادئ غير ملزم. اما ابو مازن فتحول بعد انقلاب حماس الى رئيس على نصف شعب. فقدان شعبية الزعماء يجعل الوصول لاتفاق في احدى القضايا الاكثر تعقيدا ضربا من المستحيل.

الحقيقة ان احدا لا يتوقع من المؤتمر حلولا مصيرية، بل كل هدفه ترميم شعبية بوش واولمرت وتقوية موقع ابو مازن وسلطته التي تزعزعت بشكل خطير بعد انقلاب حماس في حزيران الماضي. وتسعى اسرائيل والولايات المتحدة لاستغلال الانقسام الفلسطيني الداخلي، لعزل حماس والقضاء عليها وانقاذ ما يمكن انقاذه من السلطة المربوطة بالمصلحة الامنية الاسرائيلية والمصالح الاستراتيجية الامريكية.

وتسعى اسرائيل وامريكا لتجنيد دعم الدول العربية للمؤتمر، ولكن هيهات. فواقع "الشرق الاوسط الجديد" الذي مزّق المنطقة العربية خاصة بعد حرب العراق، ادى لاحتداد النزاعات الداخلية على نحو يعيق الوصول لاجماع في الشأن الفلسطيني او غيره. وفي حين تلعب السعودية دورا محوريا في انجاح المؤتمر، الا انها من جهة اخرى اعلنت رفضها المشاركة اذا اقتصر دورها على مجرد الحضور والتغطية على رفض اسرائيل التوصل لاتفاق ينهي الاحتلال.

هناك سؤال مفتوح ايضا بالنسبة للحضور السوري. هل يتم اشراكها في المؤتمر، لمناقشة اتفاق سلام شامل يضم لبنان والجولان ايضا؟ الغارة الاسرائيلية الاخيرة على الاراضي السورية جاءت بهدف فضح سورية وكشف مدى عزلتها عن العالم، وعن محيطها العربي تحديدا. كانت هذه علامة تحذير ومحاولة ابتزاز موقف عشية انعقاد مؤتمر الخريف. فالسلام كما نعرفه يأتي دائما برفقة الحرب، واسرائيل كما نعرفها ايضا تريد السلام ولكن من موقع تفوق استراتيجي واضح على العرب. هذا ما ارادته من الغارة الاخيرة، والتي قال فيها رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي انها اعادت لاسرائيل قوة الردع التي تزعزعت في الحرب الاخيرة مع حزب الله.

رغم استعراض العضلات العسكري، تدرك اسرائيل وابو مازن ان فشل مؤتمر الخريف سيسدد ضربة قاضية للرئيس الفلسطيني ولسلطته وسيثبت صحة طريق حماس التي ترفض المسار السياسي الذي لم يؤد الا لتوسيع الاستيطان وخنق الشعب الفلسطيني اقتصاديا. وبما ان اسرائيل ترفض الالتزام بتفكيك المستوطنات وتقسيم القدس والخوض في حل قضية اللاجئين، وترفض مداولتها في المؤتمر القريب، فانها تلجأ للغة التهديد، التجويع والحصار المطلق على قطاع غزة لحمل الدول العربية على القبول ب"اتفاق مبادئ" لا آلية ولا مواعيد لتنفيذه.

ولكن حتى هذا غير مضمون لاسرائيل. ان فشل بوش في العراق واصراره على انكار الواقع، يزيدان من قلق وشكوك كل انظمة المنطقة بالرئيس الامريكي. فلا احد معني بانقاذه، بل ينتظرون رحيله على امل ان يأتي المستقبل بشيء افضل. ولكن المشكلة ان ولاية بوش لن تنتهي قبل كانون ثان (يناير) 2009، فهل يمكن للمنطقة المتفجرة ان تنتظر؟ هل ينتظر العراق، او لبنان؟ هل نشهد حربا جديدة بين سورية واسرائيل؟ وماذا سيكون مستقبل السلطة الفلسطينية؟

انها قضايا خطيرة جدا تحتاج الى اجابات واضحة وجريئة. ولكن اسرائيل وامريكا تتمسكان بالتوجه الاستعماري القديم. لا قوة لهما لفرض موقفهما، ولكنهما قادرتان على خلق الفوضى العارمة التي نعيشها، والتي تهدد حياة ومستقبل شعوب المنطقة. "end"

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__1/خريف_ضبابي
18.10.2017, 16:10