العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

شؤون دولية

بعد اغتيال بوتو
امريكا تدفع باكستان نحو المجهول

يعقوب بن افرات

الادارة الامريكية تعتبر مشرف حليفا اساسيا في حربها ضد الارهاب، لذا تتجاهل كونه دكتاتورا. ليست في باكستان ديمقراطية، بل فيها الكثير من اسلحة الدمار الشامل. ولكن هذا لا يزعج ادارة بوش التي تواصل دعم نظام مشرف وتبذل جهودها لانقاذه.

بنازير بوتو، عادت لباكستان لاضفاء الشرعية على نظام مشرّف مقابل تقاسم السلطة

اغتيال بنازير بوتو في كانون اول (ديسمبر) 2007، وضع باكستان مرة اخرى على جدول العمل العالمي. باكستان، الدولة النووية الواقعة في قلب منطقة تتصارعها النزاعات الاثنية والقومية، تحدها الهند، الصين، افغانستان وايران. وفيما يبذل الرئيس الباكستاني، برويز مشرف، جهده لتمويه حقائق الاغتيال، الا ان الموقف السائد يشير ان له ضلعا في الحادث. على الاقل لا جدال في ان له اسبابا جيدة جعلته يهمل في توفير الامن للسيدة التي وصلت باكستان برعاية الامريكان، خصيصا لتقاسمه السلطة. لقد كان دور بوتو اعادة الشرعية لنظام مشرف في طريقه لضمان ولاية حكم جديدة.

الادارة الامريكية تعتبر مشرف حليفا اساسيا في حربها ضد الارهاب. وهي لذلك تتجاهل كونه دكتاتورا، وانه ألغى شرعية الحزبين الرئيسيين في البلاد، "حزب الشعب" بقيادة بوتو وحزب "الرابطة الاسلامية" بقيادة نواز شريف. ولم يكن قد مضى وقت طويل على قيام الرئيس العسكري باخماد تمرد القضاة الذين اعترضوا على نيته خوض الانتخابات لولاية رئاسية جديدة دون التنازل عن مكانته كرئيس لهيئة الاركان في نفس الوقت. ليست في باكستان ديمقراطية، بل فيها الكثير من اسلحة الدمار الشامل. ولكن هذا لا يزعج ادارة الرئيس الامريكي، جورج بوش، التي تواصل دعم نظام مشرف وتبذل جهودها لانقاذه.

برويز مشرف، حليف امريكا الاستراتيجي

الواقع الباكستاني معقد، وهو محكوم بطابعها الاسلامي وبكونها دولة مصطنعة تأسست لإضعاف الهند عشية استقلالها عام 1947. باكستان فيدرالية منقسمة الى اربعة اقاليم اثنية مختلفة: غرب البنجاب، السند، بلوشستان، والاقليم الحدودي الشمالي-الغربي المأهول بقبائل البشتون والمحاذي لافغانستان. القاسم المشترك الذي يوحد هذه الاقاليم هو الاسلام والجيش الذي يتحكم بشكل مطلق بالسياسة الداخلية.

جذور الازمة العميقة التي تواجهها هذه الدولة تعود الى السبعينات، عندما ترأس ذو الفقار علي بوتو، والد بنازير، حكومة علمانية تمتعت بدعم شعبي واسع، وذلك بين الاعوام 1972-1977. بادر ذو الفقار الى اصلاحات عديدة في مجالات الزراعة، الصحة والتعليم، وكان مقربا من الصين، ضد الهند التي كانت حليفة للاتحاد السوفييتي. في عام 1977 بوحي من الامريكان انقلب رئيس اركان الجيش ضياء الحق على حكم ذو الفقار ووضع حدا لحياته. بذلك اعطى ضياء الحق للامريكان اول موطئ قدم لهم في باكستان.

النظام الدكتاتوري الذي فرضه ضياء الحق لم يؤثر على باكستان وحدها، بل على العالم اجمع. استمد الحق قوته من تحالفه مع الرئيس الامريكي، رونالد ريغان، في المهمة الاساسية وهي دحر السوفييت من افغانستان. وكان لهذا التحالف ثمن سياسي وعسكري ايضا. فقد تبنى الحق الاسلام الاصولي والشريعة كمرجعية للحكم، لاضفاء شرعية على حكمه وبالمقابل قام بحل الاحزاب الاخرى. الترتيب الجديد اطلق العنان للاسلاميين المتطرفين، وبمساعدة الاموال السعودية تمكنوا من تأسيس 40 الف مدرسة لتعليم الاسلام السلفي، الذي ينتمي اليه ايضا الوهابيون السعوديون.

في تلك الفترة اعتبرت امريكا هؤلاء الاسلاميين "مجاهدين من اجل الحرية"، حسبما وصفهم الرئيس ريغان، وذلك لانهم قاتلوا في خدمة الامريكان ضد السوفييت في افغانستان. وقامت الادارة الامريكية بتزويد هذه الجماعات بالسلاح وتدريبهم، وحولت المخابرات الباكستانية ISI الى فرع للمخابرات المركزية الامريكية (CIA). حدث كل هذا رغم الشائعات شبه المؤكدة عن قيام باكستان بتطوير قنبلة نووية. وكانت النتيجة ان باكستان الدولة الخاضعة للنفوذ الاسلامي الاصولي، تحولت الى الدولة الاسلامية الاولى التي تمتلك قنبلة نووية.

نواز شريف، اعتبر الاسلام مرجعية قانونية

ثلاثون عاما عاصفة من الانقلابات والاغتيالات السياسية، مرت على باكستان منذ تولي ضياء الحق الحكم فيها. يمكن تقسيم هذه الفترة الى ثلاث مراحل سياسية: عقد من حكم ضياء الحق انتهى عام 1988 بحادث طائرة غامض اودى بحياته. تلا ذلك عقد من الديمقراطية والفساد، تبدل فيه الحكم مرتين بين بنازير بوتو المعتمدة على علاقتها بالولايات المتحدة، ونواز شريف الذي استمد قوته من دعم السعودية، اعتبر الاسلام مرجعية قانونية وسلّط المجاهدين على الهند في اقليم كشمير؛ اما المرحلة الثالثة فكانت في اكتوبر 1999، عندما قام قائد هيئة اركان الجيش، برويز مشرف بالانقلاب على نواز شريف الذي لجأ الى السعودية. هذه المرحلة الثالثة انتهت باغتيال بنازير بوتو، وفتحت مرحلة جديدة من غير المؤكد ان يحتفظ فيها مشرف بمنصبه كرئيس لباكستان.

باكستان الى النسيان

استمد الاسلام السياسي قوته من تحالفه مع امريكا لدحر السوفييت في افغانستان

سقوط الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات فتح عهد العولمة والهيمنة الامريكية بكل القوة. ولكن باكستان، ذات الاقتصاد المتخلف والايديولوجية الاسلامية، لم تجد مكانها في العالم الجديد. بالمقابل، الصين وغريمتها الهند تحولتا الى لاعبتين مركزيتين في الاقتصاد العالمي.

اما افغانستان، فقد دخلت الى حرب اهلية في صراع على الحكم، بين القوى الاثنية المختلفة التي كانت موحدة في الحرب ضد السوفييت. من قبائل البشتون والطاجيك والازبيكيين، فضل الامريكان الرهان على القوة البشتونية الصاعدة، طالبان. هذه القوة حظيت بدعم الجيش والمخابرات الباكستانية، وتلقت تأهيلها الايديولوجي السلفي في المدارس الباكستانية الممولة من السعودية.

استمر دعم باكستان لطالبان اثناء حكم بنازير بوتو ونواز شريف ايضا. فقد اعتبرت طالبان حليفة في الحرب التاريخية ضد الهند، ووسيلة لتوسيع النفوذ الباكستاني في المنطقة. وقد قامت بوتو اثناء ولايتها الثانية لحكم باكستان (1994-1997)، بالتحالف مع الاب الروحي لطالبان، وهو الباكستاني فضل الرحمن، قائد حزب "جمعية علماء الاسلام" JUI، وعينته رئيسا للجنة العلاقات الخارجية في البرلمان. كما توصلت بوتو الى تفاهمات مع قبائل البشتون المقيمين في اقليم "الحدود الشمالية الغربية" لباكستان، ومنحتهم حكما ذاتيا في المنطقة.

في عام 1996 سيطرت حركة طالبان على افغانستان وفرضت الشريعة حسب المذهب السلفي كما درسوه في المدارس الباكستانية. وسوى رجم النساء بالحجارة وتفجير تماثيل بوذا في باميان، قامت طالبان بتحويل افغانستان الى جبهة الجهاد الجديدة بزعامة "القاعدة" واسامة بن لادن ضد حلفاء الامس، الامريكان.

في باكستان نفسها التي وجدت نفسها خارج اللعبة، قام نواز شريف كرئيس للبلاد باجراء التجربة النووية الاولى عام 1998. واعلنت الولايات المتحدة معارضتها للامر، وفرضت عقوبات على باكستان. بعد عام قام قائد الاركان برويز مشرف بالانقلاب العسكري على شريف، واستصدر حكما باعدامه مما جعله يلجأ الى السعودية والبقاء فيها حتى اواخر العام الماضي.

ولم يلتفت العالم لما يحدث من انقلابات بين زعماء دكتاتوريين في بلد ناء وفقير مثل باكستان. وفيما كان مشرف، الزعيم الجديد، منشغلا في تعزيز المقاومة الاسلامية المتطرفة ضد الهند في اقليم كشمير، وفيما انهمك بن لادن في الاعداد للهجوم الكبير على "الشيطان الاكبر" الامريكي في 11/9، فضّل "الشيطان" نفسه تجاهل التطورات الخطيرة.

بعد 11 ايلول

بعد احداث 11 ايلول عام 2001، شنت الولايات المتحدة حربا مع قوات ناتو على افغانستان، لدحر نظام طالبان. مشرف الذي خضعت بلاده لعقوبات اقتصادية بسبب النووي، تحول بين ليلة وضحاها الى حليف استراتيجي للامريكان في حربهم الجديدة ضد الارهاب، مقابل ازالة العقوبات.

ولكن التحالف الجديد ضد الارهاب وباسم الديمقراطية لم يخلُ من بعض العراقيل. فقد كان مشرف دكتاتورا، قام بالغاء الدستور، دعم طالبان وانصارهم في باكستان، ساهم في نشر السلاح النووي لكوريا الشمالية، سورية وايران. ولكن بوش فضل تجاهل هذه الحقائق المزعجة، مما يؤكد انه لم يقصد ابدا محاربة بن لادن والارهابيين، بل استغل احداث 11/9 لمحاربة العراق وصدام حسين.

اسامة بن لادن لا يزال حرا طليقا، بينما أُعدم صدام حسين بيد اعدائه الشيعة. بحجة الحرب على الارهاب دعمت الولايات المتحدة الجيش الباكستاني بعشرة مليارات دولار منذ عام 2001. وهو مبلغ ضئيل قياسا بال700 مليار دولار التي أُنفقت في الحرب على العراق. لو كانت الموارد والميزانيات التي انفقت في حرب العراق تبذل في الحرب ضد بن لادن، هل كان بامكان الاخير مواصلة بث افلامه وتهديداته في العالم؟

مشرف الذي أدرك ان الحرب الحقيقية ليست على الارهاب بل على العراق، قرر الا يحارب طالبان التي عادت لترفع رأسها من جديد في افغانستان. وبدل ذلك انفق المليارات الامريكية على الحركات الاسلامية الاصولية في كشمير لمواصلة حربه ضد الهند، الامر الذي زاد قوة الحركات الاسلامية في باكستان.

في الانتخابات البرلمانية التي اجراها مشرف عام 2002، ارضاءً للادارة الامريكية، فازت الحركات الاسلامية ب15% من الدعم بعد ان توحدت في قائمة واحدة. اهتم مشرف بان تكون القائمة الاسلامية "معارضة موالية" لحزبه الذي فاز بالحكم. ومقابل موافقة الاسلاميين على تمديد ولاية مشرّف، وافق مشرف على استمرار العمل بنظام الشريعة كمرجعية اساسية للحكم. بذلك تواصل عمل المدارس الدينية السلفية التي انتجت طالبان واشباههم دون ازعاج، وتحول مشرف الى دكتاتور "ديمقراطي" مقبول على الغرب.

بالاضافة لتوسيع قاعدتها البرلمانية، حققت الحركات الاسلامية اغلبية في الانتخابات الاقليمية في اقليمي "الحدود الشمالية الغربية" وبلوشستان، الامر الذي مكّنها من تشكيل حكومات محلية. وكان اول ما قامت به الحكومة الاسلامية في الاقليم الشمالي الغربي هو تشكيل شرطة آداب قمعت كل اشكال الثقافة العلمانية، اوصدت الابواب على النساء، منعت الموسيقى واغلقت دور السينما. نظام شبيه بطالبان عاد الى الاقليم الشمالي لباكستان، بمساعدة مشرف وبموافقة كاملة من الولايات المتحدة.

تجدر الاشارة الى ان الاقليمين اللذين تسيطر فيهما الحركات الاسلامية محاذيتان لافغانستان، حيث يختبئ بن لادن كما يبدو. ويثير هذا علامات استفهام حول قدرة مشرف على محاربة طالبان في المناطق التي انتقلت رسميا لحكم الحركات الاسلامية الباكستانية التي تعتبر القيادات الروحانية لطالبان. وكيف يمكن للنظام الباكستاني ان يحارب التطرف الاسلامي بعد ان صار جزءا عضويا منه؟

الاجابة بسيطة جدا، الجيش الباكستاني يواجه عدوين: عدوه الخارجي الهند، التي تدعم ايضا "تحالف الشمال" في افغانستان ضد طالبان؛ وعدوه الداخلي الاحزاب العلمانية المطالبة بالديمقراطية، امثال حزب بوتو التي أرادت إخضاع الجيش للحكومة. للحركات الاسلامية الاصولية قاسم مشترك مع الجيش بالنسبة لمواجهة كلا العدوين، وهي مستعدة للتعايش مع الدكتاتورية العسكرية وتعارض الديمقراطية شرعا، والمهم اعطائها الحرية الكاملة في المسائل الدينية. هذا التحالف الاستراتيجي ينزع اي حافز للجيش الباكستاني لمحاربة طالبان او حلفائهم في باكستان.

تناقضات السياسة الامريكية

لقد كانت احداث 11 ايلول فرصة ضاعت لمحاربة الارهاب، بدل ذلك فضلت ادارة بوش شن حرب على العراق، بهدف السيطرة على موارد النفط واعادة تثبيت الهيمنة الامريكية. ثمن هذه السياسة المغامرة كان فادحا: العناصر المتطرفة ازدادت قوة، ودول الشرق الاوسط دخلت الى حالة من الفوضى والتفكك، من افغانستان لباكستان، ايران، العراق، لبنان وحتى المناطق الفلسطينية.

هل كان هدف امريكا ان ترى باكستان منقسمة الى اقاليم اثنية، والعراق لاقاليم سنية، شيعية وكردية، واخيرا الفلسطينيين منقسمين لضفة وقطاع؟ اذا كان الجواب بالايجاب، فانها تسدد هدفا في مرماها وتضرب مصالحها بنفسها. فإسقاط صدام حسين ونقل السلطة للشيعة، زادا نفوذ ايران على حساب دول الخليج والسعودية، حلفاء امريكا الاستراتيجيين.

امريكا تواصل التخبط في العراق، فمن جهة تسلح القبائل السنية لمحاربة "القاعدة" السنية ايضا؛ تعتمد على حلفاء ايران من عائلة الحكيم الشيعية لمحاربة جيش المهدي من عائلة الصدر الشيعية ايضا؛ تدعم الحكم الذاتي للاكراد وتدعم في نفس الوقت النظام التركي الذي يخشى اي استقلال للاكراد على حدوده. في الوحل العراقي لا يبدو للامريكان حل سوى التقسيم، مما يعني زيادة النفوذ الايراني وضربة قاصمة للسعودية، حليفة امريكا الاساسية ومنتجة النفط الاولى في العالم.

السياسة الامريكية تجاه السعودية تعاني هي ايضا من الازدواجية والتناقض. فامريكا تدعم نظاما ملكيا، لا علاقة له بالديمقراطية ولكنه يعمل بدأب على نشر المبدأ الوهابي السلفي، مذهب بن لادن نفسه.

النزاعات الاقليمية بين ايران والسعودية وسورية ايضا، تجد تعبيراتها بقوة في لبنان حيث الانقسام والتصعيد على اساس طائفي ومذهبي اصبح سيد الموقف. للسعودية وايران مصالح متناقضة في باكستان وافغانستان: طالبان السنة المقربون من السعودية يلاحقون الشيعة من الافغان ويذبحونهم، وايران تعطي كل الدعم لكرزاي ضد طالبان وتتحالف مع امريكا في هذا القسم من العالم.

لاتمام الصورة لا بد من ذكر الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني الذي دخل الى طريق مسدود بفعل السياسة الامريكية. هناك خط مباشر يربط بين باكستان وفلسطين: فمن جهة هناك الاسلام المتطرف ومن الجهة الثانية النظام العلماني والفاسد. ابو مازن وبنازير بوتو يمثلان وجها واحدا للعملة، وحماس في غزة والحركات الاسلامية الباكستانية تمثلان الوجه الآخر.

ما بدأ بانتصار كبير ضد السوفييت تحول اليوم الى كابوس يهدد الحضارة البشرية برمتها: نزاعات دون حل، دول تنزف وتتفكك، وفوضى تنتشر وارهاب يتخطى الحدود. هذ نتيجة السياسة الامريكية الرعناء، التي لعبت بمصير شعوب العالم حتى ذاقت بنفسها ما صنعته يداها. باكستان ليست وحدها في السفينة الغارقة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة